أعلن التحالف العربي في اليمن، الذي تقوده السعودية، يوم أمس الخميس، اعتراض وتدمير صاروخ باليستي على بعد 65 كم من مكة المكرمة، السعودية تقول أن الصاروخ أطلقته الميلشيات الحوثية التي قادت انقلاب منذ أكثر من سنة في اليمن، كما ذكرت السلطات السعودية أن الصاروخ أتى من محافظة صعدة، شمالي اليمن.

هذا وقالت قيادة التحالف في بيان بثته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) إنها اعترضت صاروخ باليستي أطلقته المليشيات الحوثية مساء يوم الخميس  من محافظة صعدة باتجاه منطقة مكة المكرمة (غربي السعودية).

تمكنت وسائل الدفاع الجوي من اعتراضه وتدميره على بعد 65 كم من مكة المكرمة من دون أي أضرار
 

وأضافت: "تمكنت وسائل الدفاع الجوي من اعتراضه وتدميره على بعد 65 كم من مكة المكرمة من دون أي أضرار ولله الحمد، وقد استهدفت قوات التحالف الجوية موقع الإطلاق".

ليس الصاروخ الأول الذي يستهدف مكة المكرمة

وبحسب المصادر السعودية، فإنه يعد هذا ثاني صاروخ يطلقه الحوثيون ويستهدف مكة المكرمة خلال الشهر الجاري، وذلك بعدما سبق أن اعترضت قوات التحالف العربي صاروخًا تم إطلاقه باتجاه مكة يوم 9 أكتوبر الجاري.

وتواصل الأراضي السعودية خاصة الحدودية منها مع اليمن استقبال القصف الحوثي على هذه المناطق ردًا على قيادة المملكة للتحالف العربي في اليمن، حيث يشهد اليمن حربًا منذ قرابة عامين بين القوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من التحالف العربي من جهة، ومسلحي الحوثي وقوات صالح من جهة أخرى، مخلفة أوضاعًا إنسانية صعبة.

من جانب الحوثيين لم يأت تصريح رسمي بشأن الواقعة لكن وسائل إعلام موالية للحوثيين تقول أن الصاروخ المتوجه إلى مكة، كان المقصود به مطار جدة
 

كما تقود السعودية منذ 26 مارس 2015، التحالف العربي في اليمن ضد الحوثيين، ويقول المشاركون فيه إنه جاء "استجابة لطلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي بالتدخل عسكريًا لـ"حماية اليمن وشعبه من عدوان المليشيات الحوثية، والقوات الموالية للرئيس اليمني علي عبدالله صالح".

ومن جانب الحوثيين لم يأت تصريح رسمي بشأن الواقعة لكن وسائل إعلام موالية للحوثيين تقول أن الصاروخ المتوجه إلى مكة، كان المقصود به مطار جدة لتعطيل حركة الملاحة فيه، كرد على لما يقوم به التحالف العربي بقيادة السعودية في مطار صنعاء.

وردًا على هذا الاستهداف وجه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، هجوما شديدًا على جماعة "أنصار الله" (الحوثيين)، والقوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، بعد ادعاء استهدافهم مكة المكرمة، قبلة المسلمين، بصاروخ باليستي اعترضه التحالف العربي.

ماذا لو سقط الصاروخ حقًا على مكة المكرمة؟

بعيدًا عن حقيقة الادعاء السعودي من عدمه، وعن مدى تعمد وقصد الحوثيين لهذا الاستهداف بهذه الصورة، وكما يمكن الوضع في الاعتبار أن الصاروخ ربما كان موجه بشكل خاطئ ضمن سلسلة الهجمات الصاروخية الحوثية على المدن السعودية.

بشكل عام ستحاول السعودية أن توظف حدث مثل هذا لحشد حلفائها من الدول في المنطقة لصناعة ضغط إسلامي بشكل عام في الملف اليمني والصراع مع إيران
 

وحتى مع تبني وجهة النظر السعودية عن الحدث، فإنه في كلا الحالات تخيل سيناريو سقوط الصاروخ على تلك المدينة المقدسة لدى كافة المسلمين أمرًا غير هين، وسيكون له أثره في الصراع في المنطقة الدائر بين المملكة العربية السعودية وإيران، هذا الصراع الذي يعد أحد تجلياته الوضع في اليمن.

ردود الأفعال العربية

ردود الأفعال العربية ربما تكون متوقعة في إطار الانقسامات التي تعاني منها المنطقة، فدول الخليج التي تعتبر السعودية قائدة لها سوف تدين مثل هذا الاستهداف بلا شك، ربما مع دعم تحرك سعودي إقليمي أقوى لحسم الملف اليمني – هذا على المستوى الرسمي بالتأكيد-، لأن وجهات نظر دولتي الإمارات وعُمان بالتحديد في القضية اليمنية مغايرة للوجهة السعودية.

ولا يمكن أن نتغافل عن رد الفعل السعودي المتوقع الذي ربما قد يدفع بإيران إلى دائرة الاتهام بالوقوف خلف هذا الاستهداف، وهو ما سيعطي للأمر بعدًا طائفيًا تفضله السعودية بشكل شبه مستمر في مواجهاتها مع إيران.

مثل هذا الحادث يمكن السعودية بكل سهولة من التحشيد العاطفي بنكهة طائفية، كون مدينة مكة مقدس إسلامي كبير، وهو ما سيجعل استغلال الحدث سياسيًا أقرب، وقد نرى محاولات من هذا القبيل في تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في إعلانه فقط عن إسقاط صاروخ استهدف مكة المكرمة.

ولكن بشكل عام ستحاول السعودية أن توظف حدث مثل هذا لحشد حلفائها من الدول في المنطقة لصناعة ضغط إسلامي بشكل عام في الملف اليمني والصراع مع إيران.

أما الصعيد الداخلي السعودي مع زيادة التوتر الطائفي، سيزداد الضغط على سكان المنطقة الشرقية السعودية ذات الأغلبية الشيعية، وهو أحد الآثار المتوقعة إذا سقط بالفعل هذا الصاروخ.

لا يمكن أن نتغافل عن رد الفعل السعودي المتوقع الذي ربما قد يدفع بإيران إلى دائرة الاتهام
 

على جانب آخر سيكون الأمر محيرًا لأطراف لن تستطيع أن تصطف مع السعودية بكامل رؤيتها في اليمن، وفي نفس التوقيت لن تستطيع أن تتخلى عن الدعم الإعلامي الظاهري للسعودية، وفي مقدمة هذه الأطراف النظام المصري الذي يختلف مع السعودية في عدة ملفات إقليمية، لكنه لا يكف عن الحديث حول دوره في حماية أمن الخليج، لذا من غير المستبعد أن تظهر مصر في هذه الحالة وجه التعاطف والمساندة بلا أي تحرك حقيقي مساعد للسعودية في الملف اليمني، كما يجدر الإشارة هنا إلى أن مصر اتخذت مؤخرًا خطوات تقارب باتجاه الحوثيين، وكذلك إيران خاصة في الملف السوري.

ردود الأفعال الإقليمية

حدث مثل هذا لن يمر بدون استغلال إقليمي، لن يقتصر الأمر على السعودية، ولكن المنافسة الإقليمية لإيران التي ستكون بشكل ما متهمة من قبل السعودية بالوقوف وراء مثل هذا الهجوم، ستجعل للحدث تأثيرات أخرى في العديد من الملفات.

ربما يكون الجانب التركي أحد المنافسين في المنطقة الذين بالتأكيد سيستنكروا هذا العدوان على حليفهم الخليجي، لكن دون الخوض في مجال الطائفية، وهو أمر سيمثل ضغطًا على الجانب الإيراني المتمدد في سوريا والعراق، ويهدد بشكل كبير الحدود التركية في هذه الدول بسياساته.

كذلك دولة الاحتلال الإسرائيلي لن تقف صامتة حيال حدث كهذا، إذ يتوقع أن تؤكد "إسرائيل" ضرورة تحالفها مع السعودية ضد إيران، وهو نوع من أنواع التوحد في مواجهة أخطار مشتركة، خاصة مع وجود تيار داخل المملكة "على مستوى صناع القرار" أيد ذلك مؤخرًا على صفحات الجرائد الأمريكية.

ردود الأفعال الدولية

سينتظر كثيرون ردود أفعال من الجانب الأمريكي الحليف الأكبر للمملكة العربية السعودية في الشرق الأوسط، ولكنه يتوقع أن يكون مخيبًا للآمال كعادة التوقعات بين الطرفين مؤخرًا، إذ أن الاستنكار الأمريكي المتوقع، لن يوقف الضوء الأخضر الأمريكي للتمدد الإيراني في المنطقة.

تطور مثل هذا يمكن أن تستغله السعودية في حلحلة الأوضاع في اليمن، بعد بدت الآن وكأنها علقت في مستنقع الحرب التي بدأته
 

ويمكن مقارنة هذه الحادثة بما وقع من اعتداء على السفارة السعودية في إيران عقب إقدام السعودية على إعدام عالم الدين الشيعي نمر باقر النمر، وهو ما أثار حفيظة واستنكار إيران، ومنذ تلك اللحظة تصاعدت التوترات بين الجانبين، فيما طالبت الولايات المتحدة بضبط النفس مع استنكارها للأمر، وهو ما يتوقع أن تتخذه المؤسسة الرسمية الأمريكية.

أما على صعيد مرشحي الرئاسة الأمريكية فستكون هيلاري إلى حد ما في صف السعودية، لكنه لن تعادي إيران بما يضر بموقفها من الاتفاق النووي، وكذلك ترامب صاحب النظرة السلبية تجاه المملكة ربما يتجاهل الأمر بصورة كبيرة، وهو رد فعل سلبي أيضًا.

مقدمة لحلحلة الصراع في اليمن

تطور مثل هذا يمكن أن تستغله السعودية في حلحلة الأوضاع في اليمن، بعد أن بدت الآن وكأنها علقت في مستنقع الحرب التي بدأته، ولم تستطع أن تنهيه بعدما تحول الصراع إلى حرب بالوكالة بين الطرفين (الإيراني – السعودي).

فربما تستخدم السعودية هذه الورقة لحشد إسلامي قد ينهي الصراع في اليمن بتسوية ما، وليست بصيغة انتصار كما كان يتوقع السعوديون.