إذا كنت طالبًا مصريًا فإنك سوف تقضي ما بين 15 و20 عامًا بين أشكال التعليم المختلفة ومؤهلاته المتنوعة بين العليا والمتوسطة وما دون ذلك، ومهما كان دخلك أو وضعك الاجتماعي والاقتصادي فإنك سوف تحصل بطريقة أو بأخرى على التعليم الحكومي الذي يؤهلك فيما بعد لسوق العمل ويجعلك قادرًا على الانخراط في المجتمع.

التعليم لا يقدم لك فقط مجموعة من المعارف في مجالات معرفية مختلفة، ولكن أيضًا التسهيلات التي ستقدمها لك الحكومة للالتحاق بجامعاتها وكذلك اجتياز السنوات الدراسية بشكل متتابع سوف يرفع لديك بشكل لا إرادي سقف طموحاتك بما يجعلك لا ترضى بأقل من وظيفة إدارية سواء في الحكومة أو في القطاع الخاص، مع العلم بأن هذه الفرصة، التعليم الحكومي، متاحة لدى الجميع ممن أرادوا فعلاً أن يلتحقوا بالمدارس والجامعات الحكومية، هل ترى أزمات قد يتسبب بها هذا النظام؟ علينا إذن أن نطرح بعض النقاط للتوضيح.

أولاً: الحكومة تقدم لك تعليمًا براجماتيًا

في هذا العالم الحديث السريع المادي الباحث عن الكسب لا يوجد شيء مجاني، ولما كانت فكرة التعليم الحكومي أو وحدة المناهج التعليمية كانت بغرض الاستثمار في البشر وجعلهم قادرين على الانخراط في السوق وأكثر قدرة على الإنتاج، يمكنك أن تستنتج إذن أن التعليم والبحث العلمي وكل شيء يدور في فلك الإنتاج، والدليل على ذلك أن صناعة الأدوية والأبحاث المرتبطة بهذه الصناعة تواجه المعاناة الأكبر في مسألة التمويل، لأن الدواء هو أسوأ منتج يمكن تسويقه أو التحايل على المستهلك لشرائه، وبالتالي يظل الدواء مرتبطًا بالمرض، ففي هذا العالم البائس يصير المرض أمرًا مربحًا ومحبذًا لدى البعض، ولكن تظل أزمة محدودية الشرائح المستهلكة للدواء وكذلك احتمالات فشل الأبحاث المرتفعة عائقين أمام الاستثمار في مجال صناعة الأدوية.

إذن تطوير مهارات الفرد وإكسابه قدر لا بأس به من المعرفة من أجل تطوير آلة الإنتاج والتسويق ومراكمة رؤوس الأموال هو الهدف الرئيسي لعملية التعليم في أي دولة، ذلك بالإضافة إلى بعض الأهداف الثانوية، ولكن بنفس القدر من الأهمية تقريبًا، مثل غرس قيم وأفكار الدولة للتقليل من حدة أثر المعرفة على بعض المفاهيم والقيم الإنسانية التي قد تتعارض مع سلوك الحكومات والدول مثل قيمتي الدين والحرية.

كان ذلك المستوى الأول من نفعية التعليم، وهو المرتبط بسؤال لماذا تقدم لك الدولة تعليمًا مجانيًا أو غير مجانٍ؟ أما المستوى الثاني فهو مرتبط بك أنت، لماذا تقبل على التعليم الحكومي؟ لأنك تريد وظيفة مكتبية أو أخرى ذات أجر ثابت، ذات مهام محددة، وتأمين صحي واجتماعي يضمن لك المعيشة حين تصبح غير قادر على العمل، وبالتأكيد بعيدة عن الحقل أو المصنع، أي أنها وظيفة تليق برجل متعلم.

وهكذا سحب الاستعمار البساط من تحت الأزهر الذي كان لا يضمن لأحد وظيفة ولا تأمينًا صحيًا ولا شيء، بل كنا نجد أن الشيخ الذي يوعظ الناس في المساجد أو يعلم الناس أمور دينهم ودنياهم، وللأسف اقتصرت العلوم في ذلك الوقت على العلم الشرعي فقط بينما كان العالم في الخارج قد سار أميالاً في اتجاه العلوم الوضعية، ثم يخرج ليحرث الأرض أو يبحث عن عيشه بنفسه، أو إذا حالفه الحظ يمكن أن يكون مدرسًا أو شيخًا في الأزهر أو ما إلى ذلك.

وحدة المناهج لا تفرز متعلمين ولكن آلات

الأزهر لم يقدم إلا علمًا، ولم يقدم علمًا إلا لذاته، أما الاستعمار فقد قدم مجموعة من المهارات والمعلومات واعتبرها شرطًا لأن تتحصل على وظيفة بأجر ثابت بعيدة تمامًا عن عناء حرث الأرض وجمع الغلة، فصار ذلك طموحًا وحلمًا بالنسبة للشباب والأطفال بدلاً من الجبة والعمة، ولكن من للأرض؟ محمد علي مثلاً عندما قام بتأسيس الجيش المصري ابتعد في البداية عن تجنيد المصريين تجنبًا لترك الفلاحين والحرفيين لأراضيهم وورشهم وسعيهم خلف الوظيفة العسكرية، فكيف يمكن إذن أن نُطعم هذا الجيش.

أما في انجلترا ومستعمراتها، فقد قصروا هذا التعليم على شرائح معينة قادرة على تعليم أولادها تعليمًا حكوميًا، إذ إن التعليم كان ولا يزال بمقابل مادي ضخم في كثير من أنحاء أوروبا وبشكل أكثر جلاء في الولايات المتحدة، وذلك للحفاظ على شرائح العمال والفلاحين لديهم من السعي وراء الوظائف المكتبية، وكذلك تحقيقًا لمبدأ النفعية على المديَين: القريب والبعيد، أما على المدى البعيد، فاعلم أن المنهج والمحتوى التعليمي يتمحوران حول تطوير الإنتاج وتحسين الخدمات المدفوعة الأجر وخلافه.

مجانية التعليم لا تحقق المساواة

هذه الشريحة الفقيرة التي تحدد مصيرها سلفًا لن تقدم لها الحكومة فرصًا للتعلم إلا إذا تحصلت هذه الأسر على نظير الكرسي وأجر المعلم، وغير ذلك فسوف تسعى المؤسسات التعليمية المختلفة إلى إيجاد طرق ووسائل مثل المنح وغيرها، تستطيع من خلالها استخلاص العقول الجيدة من بين هذه الشرائح ودمجها في النظام الإداري والبيروقراطي للدولة، غير ذلك فإن الأقدار ستظل مقسمة بين هؤلاء الذين سوف يشتغلون بالزراعة والصناعة وهؤلاء الذين سوف يشغلون المكاتب، ولكن هل الدولة قادرة فعلاً على توظيف كل هؤلاء المتعلمين؟ وهل النظام الرأسمالي يحبذ تخفيف البطالة؟ ولو كانت الإجابة بنعم، هل هذا يحقق الصالح العام؟

أما عن مجانية التعليم في مصر وبعض الدول العربية واللاتينية، فهي أثر الإصلاحات الاشتراكية التي صاحبت نهوض الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية، فهل حققت المساواة؟ بل زادت الطينة بلة، فقد هجر الفلاحون أراضيهم التي صارت أقل من طموحاتهم، كذلك فإن العمال صاروا قلة قليلة من خريجي المعاهد الفنية المتدنية المستوى، والذي يطلق عليه مؤهل دون المتوسط، أو من غير المتعلمين أصلاً أو من هؤلاء الفارين من العمل بالأراضي الزراعية، أما الشرائح الأخرى، فلن تعجز لأن تجد الطرق والوسائل التعليمية التي ستتميز بها عن البقية، مثل التعليم الخاص (النفعي) أو الاعتماد على المعاهد والكورسات أو دفع مبالغ طائلة للتعلم عن بعد أو الالتحاق بجامعات خارج البلاد وتحمل تكاليف المعيشة بالخارج، وبالتالي فإن هذه الطبقة ستظل متميزة عن غيرها بالإضافة إلى مشكلة أخرى تواجه الدول النامية.

الدول التي لا تنتج ليس لديها تعليم

المشكلة التي ستعاني منها الدول النامية بالإضافة إلى ما سبق هو تحول التعليم إلى مجموعة من الإجراءات الحكومية اللازمة لاجتيازك الامتحانات ومرورك بين السنوات الدراسية بسلاسة، ربما ترى أن ذلك ناتج عن اللامبالاة أو الفساد الناشئ عن توغل البيروقراطية الحكومية في جميع المؤسسات إلى درجة لا تطاق، وإن كان ذلك يحمل شيئًا من الصحة يظل السبب الرئيسي وراء ذلك هو عدم قدرة الحكومة على تحمل نفقات أي طالب سنة دراسية إضافية.

أضف إلى ذلك أن الدولة لا تنتج أصلاً، فما الذي سيجعلها أساسًا تهتم بتنشئة الفرد تنشئة سليمة من وجهة النظر النفعية التي تحدثنا عنها في هذا المقال؟ ولا يجب أن يكون ذلك مستغربًا إذا فهمنا جيدًا الركيزة الأساسية التي قام عليها التعليم وكل شيء في هذا العصر، فإذا كان أمرًا قد ترتب على أمر، فذهاب الآخر بطبيعة الحال يعني فناء الأول.

هل ما زلت تسأل لماذا التعليم في مصر متدنٍ إلى هذه الدرجة؟ إنك لم تفهم المقال إذن، إذ إنه كان يجب أن تفهم أنه لا يوجد تعليم أصلاً حتى تسوء درجته أو تتحسن، في بداية كل عام دراسي نسمع عن نظم جديدة وتطوير للتعليم، ولا يمر الكثير من الوقت حتى تجد هذا التطوير أمرًا مثيرًا للسخرية مثل إلغاء الصف السادس الابتدائي ثم إرجاعه، إلغاء بعض الدروس وإضافة أخرى، مما يغير حقيقة لا شيء، والحقيقة أيضًا أنه لا فرصة لتطوير هذا التعليم بما أنه لا حاجة له أصلاً، فمن هذا المنتفع من هذه العملية الذي سيصر على تحسين الأدوات التعليمية؟ الحكومة تود لو أن تمر الأيام فلا تجد خريجين جامعات بالمرة حتى لا تعاني من دقات ناقوس البطالة والبطون الفارغة والأفواه المفتوحة التي تنتظر من يطعمها.

أما فرص الاستثمار في مصر فهي توفر فرصًا تكفي فقط لهؤلاء المتعلمين تعليمًا جيدًا وهم قلة قليلة حسبما ذكرنا فيما سبق، أضف إلى كل ذلك أنه حتى التعليم الجيد الذي تقدمه دول متقدمة في التعليم والبحث العلمي ليس الذي يحمل قيمة العلم التي تصدرها الحكومات للشعوب أو المتعارف عليها بيننا، فإن التعليم الذي تتلقاه بحافز الحصول على وظيفة ليس تعليمًا ولا علمًا، ولكن يمكن أن نسميه ميكنة، أما الطريقة الوحيدة التي يمكنك أن تصير بها متعلمًا هو أن تريد أنت أن تتعلم.