طوابير في مكاتب البريد والبنوك لاستبدال فئات العملة الملغاة

تخيل أن تلغي حكومة بلدك بشكل مفاجئ أكبر فئتين نقديتين في البلاد، حيث تمثلان 80% من العملة المتداولة في الأسواق، وتطلب من المواطنين استبدال ما لديهم من تلك الفئات خلال فترة زمنية محدودة بالفئات النقدية الجديدة.

للوهلة الأولى ستكون النتيجة جراء هذه الخطوة هي شح السيولة النقدية وإفلاس المواطن بسبب فقدان قيمة الأوراق النقدية القديمة حتى يستبدل ما معه بالعملة الجديدة، وبسبب الفوضى التي قد تحدث نتيجة القرار فقد تلجأ شريحة من الناس للبحث عن وسيلة أخرى للتعامل بها عوضًا عن النقود، وسيكون العودة لنظام المقايضة مناسب جدًا في هذه الحالة، ولكن ما المسوغات لهكذا قرار تتخذه الحكومة؟

الهند تعلن الحرب على الأموال السوداء   

في بلد يبلغ عدد سكانه نحو مليار وربع المليار نسمة ويعتمد المواطنون فيه بشكل شديد على السيولة النقدية، إذ تتم 90% من الصفقات نقدًا، أصدر رئيس الوزراء الهندي قرارًا مفاجئًا في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني الحاليّ يقضي بإلغاء أكبر فئتين من النقود المتداولة في الأسواق المحلية وهما 500 روبية (7.6 دولار) وألف روبية، تشكلان 80% من النقد الموجود في الأسواق لتصبح العملتان فاقدتين لقيمتيهما الشرعية.

لجأت الحكومة لهذا الإجراء بداعي مكافحة التهرب الضريبي وتطهير الاقتصاد الذي يعاني من فساد كبير يتمثل بإخفاء أموال سائلة تقدر بالمليارات بعيدًا عن الإدراة والرقابة الرسمية، حيث ستتعرض تلك الأموال - أغلبها من الفئات الملغاة - لفقدان القيمة في حال لم يتقدم أصحابها لاستبدالها بالعملة الجديدة من المؤسسات التي فتحتها الحكومة للمواطنين وهي البنوك ومكاتب البريد حتى 30 من ديسمبر/ كانون الأول.

ويرمي القرار لاستهداف المزورين وأصحاب الثروات غير المعلنة التي يطلق عليها الأموال السوداء، حيث ذكرت وزارة المالية الهندية أن نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي في الهند يأتي من اقتصاد الظل بينما يسدد عدد قليل من الهنود ضريبة الدخل.

تدافع المواطنين على مكاتب البريد والبنوك لاستلام العملة الجديدة 

سبق أن تعهد رئيس الوزراء الهندي مودي بالقضاء على الفساد وطالب البلاد بالتحمل واصفًا هذه الخطوة بأنها معركة من أجل المواطن الأمين ضد من يجمعون ثرواتهم بطرق الفساد.

ما قامت به الحكومة عمليًا هو استبدال عملة جديدة مكان عملة قديمة وهذا يحصل في الكثير من البلدان حول العالم، ولكن الكلام ليس عن بلد صغير يبلغ عدد سكانه بضعة ملايين، بل عن 1.25 مليار نسمة، وقرار أن يكون المواطن لديه أموال ويستيقظ صباحًا ليشتري حاجياته اليومية من سلع وخدمات أساسية فيتفاجأ بأن أمواله لا قيمة لها، سيخلق حالة من الهلع والتوجه سريعًا نحو البنوك لأخذ العملة الجديدة، وهذا في بلد كالهند سيؤدي لفوضى عارمة وتدافع على البنوك وقد يتعذر على الكثير استبدال العملة القديمة في نفس اليوم.  

وبالفعل هذا ما حدث، فحالما سمع المواطنون بقرار الحكومة المفاجئ تدافع الآلاف نحو البنوك في أنحاء البلاد في حالة غضب لتغيير الأوراق النقدية الملغاة ولم يتسن للكثير تبديل أموالهم في نفس اليوم، وهذا يضر بالاقتصاد لا سيما في حالة الهند التي تعتمد بشدة على النقد إلا في حالة إيجاد طرق وبدائل جديدة حتى تحل أزمة النقد.

أحزاب معارضة في الهند تعترض على إجراءات الحكومة التي سببت فوضى في البلاد

أكد البنك المركزي الهندي وجود أموال كافية بالمصارف في أنحاء البلاد، وقالت الحكومة في بداية الأسبوع الجاري إن البنوك تلقت نحو 3 ترليونات روبية أي نحو 44 مليار دولار من الفئات النقدية الملغاة منذ صدور القرار، بينما ادعت البنوك أنها تجد صعوبة كبيرة في توفير الأموال اللازمة لهذا التدافع الكبير من المواطنين، كما عمد السكان لسحب باقي أموالهم من الحسابات البنكية على سبيل الاحتياط خوفًا من المستقبل.

عودة الاقتصاد التقليدي إلى بعض الولايات الهندية 

لاقت الخطوة اعتراضًا من أحزاب معارضة للحكومة وسياساتها، فرئيس حزب ساما جوادي الذي يدير أكبر الولايات الهندية من حيث تعداد السكان ذكر أن الحكومة الاتحادية مطالبة بإلغاء القرار بعدما نشرت الفوضى في البلاد، كما أن المواطن لم يعد يستطيع شراء الاحتياجات اليومية، كما قال رئيس ولاية البنغال الغربية إن الموقف يرقى لحالة طوارئ وتعهد بتوحيد أحزاب المعارضة ضد قرار الحكومة.

فيما شكت شركات أن موظفيها باتوا مفلسين بسبب القرار المفاجئ، إذ تعذر على عدد كبير من العاملين تبديل أموالهم وباتوا غير قادرين على شراء بعض السلع الأساسية الضرورية يوميًا.

وعلى الرغم من أن الحكومة واثقة من منافع هكذا إجراء على الاقتصاد، قلل مستشارون من جدواها لتطهير الاقتصاد ورأوا أنها ستضر أكثر مما تفيد، إذ إن الخطوة عبارة عن تنظيف للنظام النقدي لمرة واحدة فقط ورجحوا أن تعود الأموال السوداء إلى النظام، فما الضامن أن يعود الخارجون عن القانون في جمع ثرواتهم بالأوراق النقدية الجديدة حيث تصبح متوفرة لذا فالفائدة مؤقته جدًا.

ومن ناحية أخرى قد يخلق من رحم هذا الإجراء سوق سوداء من خلال تجار ووسطاء يستغلون الوضع الحالي بشراء ألف روبية ملغاة بـ700 روبية مستغلين حالة الفوضى العارمة وشح المعروض النقدي الجديد وانشغال المواطنين عن الانتظار في طوابير طويلة لاستبدال النقود.

ظهور المقايضة في بعض الولايات الهندية حتى انتهاء أزمة شح السيولة 

وللتخلص من الوضع المربك الذي وقع السكان فيه بعد إلغاء الأوراق النقدية لجأ المواطنون لنظام المقايضة البدائي لتسيير شؤون حياتهم اليومية، إذ تبادل السكان ثلاثة كيلوغرامات من البندورة مقابل واحد كيلوغرام من السمك كما قرر السكان في ولاية أوريسا شرقي الهند تعميم نظام المقايضة لحين انتهاء الأزمة.

بينما لجأ أناس آخرون للتعامل بمبدأ الثقة حيث يقوم صاحب الخدمة أو السلعة بتقديمها للمشتري مقابل وعد بالدفع بعد استلام العملة الجديدة كما قام بذلك بعض الأطباء مع مرضاهم وخياطين ومهن أخرى.