على ارتفاع 1560 مترًا في سويسرا تقبع أعلى بلدة في جبال الألب وأكبر منتجع صحي لقضاء عطلة ورياضة بين الجبال في الصيف والشتاء، يجد الزوار بها المقاهي والمطاعم والتسلية والترفيه ومحلات الألبسة الفاخرة، تلك البلدة تدعى دافوس، التي تميزت طول الـ47 عامًا الماضية باستضافة المنتدى الاقتصادي العالمي خلال أربعة أيام في الشهر الأول من كل عام.

دافوس الرياضة تختلف عن دافوس المؤتمرات، فالأولى نجحت بفضل جمالها الطبيعي والمنظر الجبلي الخلاب في جبال الألب حيث تعد مكانًا لهواة التزلج على الجليد القادمين من جميع أنحاء العالم، بينما دافوس المؤتمرات فشلت خلال 47 ملتقى بحضور آلاف الأشخاص المتنفذين في حل مشاكل العالم الاقتصادية والسياسية وأزماته، حيث صدّر المنتدى نفسه على أنه يُعنى بتطوير العالم عن طريق تشجيع الأعمال والسياسات الاقتصادية ويناقش سنويًا أبرز القضايا الاقتصادية العالمية.

بلدة دافوس في سويسرا 

مواضيع ساخنة في دافوس 2017

تتقلب المواضيع التي يتم مناقشتها في كل عام والثابت في تلك النقاشات أنها تخرج دون حل، ويفشل جموع الحاضرين في إيجاد حل لتلك القضايا، لتعود الكرّة في كل عام، إلا أن هذا العام شهد تحولات كبيرة، حيث تراجعت الثقة في الحكومات والشركات والإعلام في العام الماضي، وغالبية الشعوب باتت تعتقد أن النظم الاقتصادية والسياسية خذلتها حسب مقياس إيدلمان السنوي للثقة والذي صدر قبيل بدء اجتماعات دافوس لهذا العام.  

يناقش المنتدى الذي يمتد حتى يوم الجمعة المقبل 20 يناير/ كانون الثاني مواضيع شغلت العالم خلال الشهور الماضية وهي أزمة الطبقة المتوسطة المضغوطة والغاضبة وسياسات الخوف أو التمرد للمنسيين والتسامح هل بلغ مداه؟ ومرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي إلى جانب الخوض في قضايا الفقر والبطالة والعدالة في توزيع الثروة حول العالم وتعزيز التعاون العالمي وإحياء النمو الاقتصادي والتطور السريع في المجتمعات.

وفي هذا الظرف تستغل منظمات عالمية إصدار تقاريرها الدولية عن توزيع الثروة والفقر ووضعها أمام هذا الجمع الكبير من الحضور بغرض إحراجهم وحل المشكلة المستعصية في العالم والتي تتعلق بتوزيع الثروة، ولكن دون فائدة! فالمنتدى ينتهي ليؤكد أن الحضور تمكن من عقد مئات الجلسات الحوارية ومناقشة القضايا المجدولة والأرقام الأخيرة بالإضافة إلى عمل الحفلات وعقد صفقات تجارية كبيرة، دون إيجاد حلول جذرية للمشاكل التي جاءوا لأجلها.

هناك 1% فقط من الأغنياء امتلكوا ما يمتلكه الـ99% من سكان الأرض مجتمعين

حضر نحو 3000 شخصية من قادة وزعماء ووزراء وسياسيين ورجال أعمال واقتصاد وأكاديميين ورؤساء تنفيذيين لكبريات الشركات العالمية من مختلف أنحاء العالم، وبلغ عدد الشركات المدرجة في عضوية المنتدى نحو 1000 شركة ذات التأثير على الاقتصاد العالمي حيث يشترط قبول الشركة في المنتدى أن يتعدى رأس مالها 5 مليارات دولار.

وسيتم خلال أيام المنتدى عقد 400 جلسة حوارية لمناقشة القضايا ذات العلاقة بأجندة المنتدى، إلا أن تلك الجلسات بعد انتهائها يتم استغلال المنتدى بشكل مختلف تمامًا، فالحضور يستغلون تواجد هذا الكم الكبير من المؤثرين لعقد الصفقات وجذب الاستثمارات ومناقشة آخر الأرباح والخسائر والفرص الاستثمارية في بلدان مختلفة حول العالم، فينسى الحضور كل سنة التحديات الكبيرة التي جاءوا لأجلها وتتحول كواليس المنتدى لعقد صفقات تجارية وسياسية في الجبال السويسرية.

افتقد الحضور هذا العام رجل الأعمال الأمريكي دونالد ترامب الذي كان يقوم بحفلات باذخة على هامش المنتدى كل عام، حيث كان يصرف عليها مبالغ طائلة من الأموال تكون مادة سخية للصحافة، فمن يريدون حل مشاكل العالم الاقتصادية ويناقش مشاكل الفقراء والعاطلين عن العمل ينفقون مبالغ مالية طائلة لو أنفقت على تلك الطبقات لحلت جزءًا من مشاكلهم.

الرئيس الصيني شي جين بينغ

انقلبت الموازين في العالم منذ ترشح ترامب للرئاسة وفوزه بها، فالولايات المتحدة قلعة الرأسمالية وراعية العولمة والانفتاح؛ تدفع اليوم بسياسات حمائية تجارية وتدعم الإنغلاق والعزلة وضرب اتفاقات التجارة الحرة مع الدول الحليفة والجارة وأبرزها الصين والمكسيك.

وعلى النقيض في الطرف الآخر من العالم توجد الصين قلعة الشيوعية التي باتت تدعم قوانين التجارة والعولمة والانفتاح، فحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ لأول مرة حيث ألقى الكلمة الافتتاحية التي اعتبرها مراقبون دليلًا على رغبة الصين في تحرير الاقتصاد، حيث أكد أن لا أحد سيخرج منتصرًا من حرب تجارية، في إشارة إلى ترامب الذي تعهد بفرض قيود جمركية على الصادرات الصينية التي تدخل الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن رأسمالية أمريكا تحولت إلى شيوعية عندما أفلست المصارف عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008 وقامت الدولة بتوزيع أموال الشعب على المصارف بدلًا من إخضاعهم لعقوبات على الأخطاء التي تسببوا من خلالها بأكبر أزمة مالية في العالم، فزادت الأزمة من إفقار الفقراء وزيادة ثراء الأثرياء.

10% من فقراء العالم ازداد دخلهم 2.7  دولار شهريًا بينما 10% من الأثرياء ازداد دخلهم 182 مرةً

سيحاول الحاضرون إصلاح دولة الرفاه - دون نتيجة - وتمديدها إلى المجتمعات الفقيرة بدلًا من حصر الثروة في عدد قليل من الأثرياء، حيث أدت تلك السياسية إلى هشاشة اقتصادات الولايات المتحدة والغرب، وهبوط عدد كبير من الطبقة الوسطى إلى الفقر بسبب ارتفاع الضرائب عليهم مما أدى إلى تذمر عند هذه الطبقة وتزايد الإنفاق الحكومي من خلال طباعة المال دون تغطية دون أن يقابل ذلك إنتاج حقيقي في المجتمع.

أوكسفام تقدم الصورة الحقيقية     

يتوقع خبراء غربيون أن يكرس المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام "انفصام النخب السياسية والمالية" عن واقع المجتمعات الغربية، حيث أعلنت منظمة أوكسفام على هامش انعقاد المنتدى تقريرها بعنوان " نحو اقتصاد لـ99%" حمل التقرير بين طياته كل عام تحديث لأرقام وبيانات غياب المساواة حول العالم التي تتزايد بشكل سريع، فثمانية أشخاص يملكون معًا ثروة توازي ما يملكه النصف الأفقر من سكان العالم والرعاية تتناقص بشكل مريع لما يقدر بـ3.6 مليارات إنسان وهم المصنفون كفقراء الكرة الأرضية.

ووفقًا للتقرير فإن الفقر ازداد في الدول التي اتسعت فيها الفجوة وعدم المساواة حيث إن 7 من كل 10 يعانون من الفقر وبين عام 1988 و2011 وفق دراسات استقصائية 10% من فقراء العالم ازداد دخلهم 2.7 دولار شهريًا بينما 10% من الأثرياء ازداد دخلهم 182 مرةً.

رئيس منتدى دافوس كلاوس شواب

وتظهر البيانات أنه منذ العام 2015 هناك 1% فقط من الأغنياء امتلكوا ما يمتلكه الـ99% من سكان الأرض مجتمعين وهو اختلال اجتماعي واقتصادي ينبئ بنتائج كارثية، وأن أغنى ثمانية أشخاص حول العالم تعادل ثرواتهم ما يملكه 3.6 مليارات نسمة يشكلون النصف الأفقر على مستوى العالم وغالبيتهم من النساء، وهناك 1 من كل 8 أشخاص حول العالم يذهبون إلى النوم جياعًا.    

وترجع المنظمات هذه المشاكل إلى تهرب الشركات العابرة للجنسيات من دفع الضرائب وهروب الأموال إلى جزر الأوف شور وتوجهها إلى البلدان الأشد فقرًا لاستغلال اليد العاملة في آسيا وإفريقيا تؤدي بشكل أو بآخر إلى استغلال العمال والتنافس نحو القهر ومن ثم تعود لتحويل أرباحها الكبيرة إلى بلدان العالم الثري، حيث تخسر الدول النامية سنويًا نحو 100 مليار دولار تحول إلى حسابات مصرفية في الدول الأكثر ثراءً في حين كان يمكن لتلك الأموال أن تساهم في تنمية القطاع التعليمي والتأمين الصحي في معظم تلك البلدان.

الأزمة المالية وعدم وجود رقابة ديمقراطية والسيطرة على السوق والنخب الاقتصادية تظهر بأن لدينا نظامًا اقتصاديًا خارج السيطرة ويحتاج لإنقاذه من نفسه

المشكلة تتعلق بالنظام الرأسمالي نفسه الذي سمح بكل هذه المشاكل أن تتراكم حيث يذكر المدير الدولي لأوكسفام "لارس كوخ" أن "الأزمة المالية وعدم وجود رقابة ديمقراطية والسيطرة على السوق والنخب الاقتصادية تظهر بأن لدينا نظامًا اقتصاديًا خارج السيطرة ويحتاج لإنقاذه من نفسه".

ومن جهة أخرى، كيف يمكن لدافوس أن يحل مشاكل اقتصادية لبلدان يأتي منها رجال دولة واقتصاد وحكام متهمين بنهب ثروات بلادهم وإفقارها! والبعض يأتي ليزيد فقر دولهم وشعوبها بطلب القروض والمال من المؤسسات المالية الكبيرة ومنح الشركات الكبرى مشاريع عملاقة في بلدانهم لتثبيت حكمهم.