ترجمة وتحرير نون بوست

عائلة نيجويان التي هربت إلى أوكرانيا مع بداية التسعينات من الحرب التي تمزق أرمينيا، كانوا يأملون في مستقبل أفضل لهم ولابنهم سيرغي الذي كان يريد أن يصبح ممثلا، لكن حلمه لم يتحقق أبدا، حيث ذهب إلى “ميدان” للتظاهر ضد قمع الحكومة الأوكرانية وقُتل بالرصاص قبل ثلاثة أيام، لقد كان في العشرين من عمره.

بعد مقتل سيرغي الذي انتشر في الأخبار ذلك اليوم، سقط آخرون معه، وبعد أن أُعلن عن مقتل هؤلاء الأشخاص بفترة وجيزة، انفجرت أخبار مثيرة للصدمة في وسائل الإعلام، فقد وُجدت جثتان لشخصين قُتلا نتيجة التعذيب في غابة شمال شرق العاصمة كييف، ظلت واحدة مجهولة الهوية في حين أن الأخرى كانت لناشط يُدعى يوري فيربيتسكي كان قد اُختُطف قبلها بيوم من المستشفى مع ناشط آخر يدعى ايغور لوتسينكو.

تعرض لوتسينكو لاستجواب من قبل خاطفيه وضُرب ضربا مبرحا لمعرفة من يدير اعتصام المحتجين، لفوا رأسه بكيس من البلاستيك وقالوا له أن يصلي في مكانه، لكنه استطاع لوتسينكو أن يبقى على قيد الحياة، على الأقل 70 آخرين تعرضوا لنفس الموقف ومازالوا معتقلين لدى السلطات.

وبينما تدعو الحكومات الغربية والمنظمات الدولية وجماعات حقوق الإنسان الرئيس الأوكراني لإيقاف إراقة الدماء، كان هو وحكومته يمارسان الشيء الوحيد الذي يجيدانه، التظاهر بعدم حدوث أي شيء سيء. 

الرئيس وصقور حزبه قابلوا زعيم المعارضة، لكن المحادثات لم تأت بجديد على الإطلاق، لكن مصادر قالت إن التوصل لاتفاق قد يستغرق بعض الوقت. الرئيس نفسه كان يفعل أشياء أكثر أهمية لذلك كان مشغولا، لقد كان يعطي رموز حزبه وقيادات الأمن الأوكراني جوائز وطنية لقدرتهم على إنفاذ القانون وتفعيله!

رئيس الوزراء ميكولا أزاروف وجد نفسه في موقف غير سار على الإطلاق، حيث قام مؤتمر دافوس الذي ذهب إليه بإلغاء مشاركته في الجلسات،  وزير الداخلية الذي حاول أن يلقي باللائمة على المتظاهرين بالادعاء أنهم يصعدون من التوتر، وزير الخارجية حاول إقناع الدبلوماسيين الأجانب أن الشرطة لم تسئ استخدام صلاحياتها وأنها كانت تحمي المتظاهرين السلميين!

المؤيدون للحكومة الأوكرانية يقولون أن من قتل المتظاهرين هو قناص تابع للناتو استأجرته المعارضة لقتل أنفسهم .. هل يذكرنا ذلك بشيء ؟ 

لم يعتذر أحد من الوزراء، ولم يحاول أحد المؤيدين أن يكبح جماح الشرطة أو أن يوقف التوتر والتصعيد. بدلا من ذلك، بدأت الشرطة في استخدام ترسانتها العسكرية بشكل أوسع، لقد بدأوا في استخدام خراطيم المياه على الرغم من الطقس البارد حد التجمد، بالإضافة إلى الغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان.

ما هي الخيارات المتاحة للمحتجين؟

كان الخيار الأول للمحتجين هو المفاوضات دوما، لكن تعزيز قوة الشرطة يمكن أن تُفسر على أنها إشارة من الرئيس والحكومة أنهما لن يرضخا لمطالب المحتجين خاصة مطلبهم بالتنحي. وبالتالي فإن الأمل في حل سلمي ينتهي بسقوط النظام من خلال انتخابات مبكرة يتلاشى مع كل دقيقة تمر.

تحالف المعارضة لم يأت بأي أخبار جيدة للمتظاهرين، لكنهم وقفوا معهم وقاموا بأفضل ما يمكن القيام به، أكدوا أنهم سيكونون معهم حتى النهاية وأنهم قد يأخذوا الرصاص بدلا عنهم إذا لزم الأمر، حيث حددوا 24 ساعة للرئيس ليانكوفيتش لإنهاء العنف ضد شعبه، أو سيستمروا في المزيد من التصعيد و”المضي قدما”.

خيار المضي قدما يعني أنهم قد يتخذوا بعض الإجراءات الأعنف تجاه الحكومة، حيث أنه قبل شهرين عندما اندلعت التظاهرات كان العديد من الأوكرانيين يقولون أن يانكوفيتش لن يفهم لغة التظاهرات السلمية، ولن تردعه غير القوة، كما أن الثورة البرتقالية التي أطاحت به مرة سابقة في 2004 لم تغير من الأمر شيئا.

ولكن قبل المضي قدما في المزيد من العنف، على المدافعين عن استخدام العنف أن يراجعوا مواقفهم وأن يحللوا العواقب المحتملة، فالبدء في مواجهات عنيفة مع الدولة سيدفع الدولة لشن حرب شاملة ضد المحتجين، وعلى هؤلاء أن يكونوا مستعدين تماما للقتال ضد ما أسموه سابقا “الاحتلال الداخلي”، ومع ذلك فإن ذلك “الاحتلال” يمتلك الدبابات والمدافع والجنود، وقد يستخدمها كلها ضد المتظاهرين.

الخيار الثالث أمام المتظاهرين هو إقناع الجيش الأوكراني بالانضمام للمحتجين، التهديد الذي يمثله الجيش - ضد الرئيس- الذي أقسم على حماية الشعب، قد يكون عنصرا هاما في أي نقاش أو تفاوض بين المعارضة ويانكوفيتش. حتى الآن هناك العديد من التصريحات المتبادلة، المعارضة دعت الجيش للانضمام للمحتجين، فيما قالت وزارة الدفاع أن الجيش لن يشارك في قمع المحتجين في “ميدان”.

وفي الوقت نفسه يأمل المحتجون في مستقبل أفضل لكنهم يستعدون للأسوأ! ومن أجل منع هجوم محتمل من الحكومة على المتظاهرين، يقوم هؤلاء بحرق الإطارات وتعزيز المتاريس. الشرطة ترشهم بالمياه لكن النيران لا تزال مشتعلة. المنطقة العازلة التي تفصل المتظاهرين عن قاتليهم تكاد تكون 100 متر فقط، هذه المنطقة هي التي تفصل أوكرانيا الشمولية عن المستقبل الديمقراطي للبلاد.

فيديو أصدره المتظاهرون عن التظاهرات في أوكرانيا

المصدر: الجزيرة الإنجليزية