حققت قوات درع الفرات المدعومة من تركيا، تقدمًا ملحوظًا بمدينة الباب السورية على الحدود الجنوبية التركية، وهو الواقع الذي فرض تداعيات عدة على حلم الأكراد في الفيدرالية، والذي كانت تعد له القوات الكردية السورية عبر توسيع نطاق سيطرتها على الشمال السوري، عبر ضم مقاطعتي الجزيرة وكوباني إلى مقاطعة عفرين، لتحقيق حدود تماس مع الجنوب الكردي، حيث تتلاقى مصالحهم مع مصالح حزب العمال الكردستاني التركي الراغب في الانفصال.

لعبة التوازنات

لتفسير ما سبق علينا أن ندرك أن الموقف الكردي في الشمال السوري أصبح رهينة للعبة التوازنات السياسية في المنطقة، ولا يخفى على المتابعين كم الدعم الدولي والإقليمي الذي تتلقاه مليشيا وحدات الحماية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، لتوظيفها من أجل تهيئة المجال لإقامة كيان كردي على الحدود الجنوبية التركية، يتلاقى في مصالحه مع حزب العمال، سواء عن طريق تدعيم النزعة الانفصالية لحزب العمال الكردستاني، أو كرافد للعمليات الإرهابية داخل تركيا.

ضربة لفيدرالية الأكراد

لذا فإن حملة "درع الفرات" كانت مثل قبلة الحياة لتركيا، فيما كانت وبالًا على الخطوات الكردية لإعلان الفيدرالية، وباتت تركيا بقواتها لاعبًا أساسيًا في الشمال السوري، لذا قد تتجه الإدارة الأمريكية الجديدة إلى إسناد مهمة تحرير الرقة إلى تركيا دون الاستعانة بالمليشيات الكردية، وهو ما يعني تقلص دور هذه الميليشيات إلى حد كبير وإنهاء مخططها الانفصالي.

إن القدرة التركية على إقصاء الأكراد في سوريا، لا تعتمد على القرار التركي فحسب، بل على مواقف أطراف خارجية وأهمها الولايات المتحدة​​

الصراع سياسي إذًا أكثر من كونه عسكريًا، والمنطقة نحو الباب مقسمة منذ شهور لولا التدخل التركي، فتطور المعارك هناك ربما تسبقه تحركات سياسية لداعمي النظام السوري والأكراد، سواء روسيا وإيران أو الولايات المتحدة.

الباب.. كلمة السر

بالعودة لبداية معركة الباب، نجد أن تركيا قد دعمت الجيش الحر السوري المعارض، ضمن قوات أطلق عليها "درع الفرات" للسيطرة على مدينة الباب كأهم معاقل تنظيم داعش في ريف حلب الشرقي، كبوابة لدخول مدينة منبج، التي تسيطر عليها "قسد" - قوات سوريا الديمقراطية -، وهو تحالف يضم مليشيات كردية وعربية وسريانية وأرمنية وتركمانية، تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عصبها الأساس.

وفي نفس توقيت حملة "درع الفرات" للسيطرة على مدينة الباب، أطلقت قسد عملية "غضب الفرات"، بهدف السيطرة على المعقل الرئيس لتنظيم داعش، مدينة الرقة، حيثُ حققت تقدمًا في ريف الرقة الشمالي.

سيناريوهات واحتمالات المواجهة

قد يرى البعض أن العمليتين متكاملتين من حيث الرغبة في تحرير الباب والرقة من قردة داعش المتوحشة، لكن ما وراء العمليتين هو ما يستدعي احتمالات المواجهة بين الطرفين، ومن يدعمهما في القريب العاجل، حيث تدعم الولايات المتحدة القوات الكردية، فيما تدعم تركيا قوات الجيش الحر وباقي فصائل درع الفرات، بينما ينتظر النظام السوري ومن خلفه روسيا وإيران، هفوة لقوات درع الفرات بعد تحرير الباب، بأن تتورط في الاشتباك مع القوات السورية بالرقة، وما حولها بعد معركة حلب، حيث سيصور النظام السوري نفسه أمام المجتمع الدولي وقتها بأن حربه على الرقة والباب ومناطق الشمال الحدودية، هي ردًا على اعتداء خارجي من دولة جارة تركيا.

أنهت تركيا بنجاح المرحلة الأولى لهدم الفيدرالية الكردية، لكن الأهم هي الخطوة التالية، والتي عليها فيها أن تستغل قدرتها الدبلوماسية دوليًا، خصوصًا مع الولايات المتحدة وروسيا، لوضع حزب الاتحاد الديمقراطي في نفس مستوى داعش​

تشابك وتداخل

هذا التشابك لا يمنع بالطبع أن كل الأطراف مستفيدة مما يحدث، فتركيا ترى بأن نجاحها في تحرير مدينة الباب، يستتبعه بالضرورة تحرك سريع لقطع مخطط "قسد" التوسعي، من خلال إفشاله وصل مدينة عفرين بمنبج عبر الباب، وهو ما يدخل ضمن حدود الإدارة الذاتية المزمع إنشاؤها من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني شمال سوريا.

هناك سيناريو آخر يتوقع زحف قوات درع الفرات باتجاه مدينة منبج المسيطر عليها من قسد، وتبعد عنها نحو 50 كم جنوب غرب، مما يجعل فصائل "درع الفرات" تصل إلى مشارف بلدة عين عيسى التي تتخذها قسد مركزًا لعملية "غضب الفرات"، بينما يرى السيناريو الثالث أن تلك القوات قد تسعى للاقتراب من مدينة مسكنة، جنوب مدينة الباب، إلا أنه يجب في البداية السيطرة على مدينة دير حافر والقرى المحيطة بها، لكن وصولهم إلى مسكنة، سيساعدهم في الاقتراب أكثر من مدينة الطبقة في ريف الرقة، وبالتالي ستصبح مواجهة قوات النظام حتمية.

لاعبون جدد

برؤى بعض المحللين فإن القدرة التركية على إقصاء الأكراد في سوريا، لا تعتمد على القرار التركي فحسب، بل على مواقف أطراف خارجية وأهمها الولايات المتحدة، والتي "لا يبدو" أنهم مستعدون لاستبعاد العامل الكردي من استراتيجياتهم، على الأقل في الوقت الراهن، لحين انتهاء وجود داعش بالكامل في سوريا، لذا سيكون الموقف التركي صعبًا في هذا الإطار، خاصة أن المعركة مع تنظيم داعش كلما تقدمت يزداد الثمن الذي تدفعه تركيا.

هذا الرأي يعتمد على حقيقة أن دخول القوات التركية لمدينة الباب احتاج إلى 184 يومًا، فكيف يفكرون بالتمدد أكثر للرقة وغيرها؟ هكذا يعول داعمو الأكراد، مشيرين إلى فرضية أن الولايات المتحدة لن تعول على إشراك تركيا بالكامل في معركة الرقة، وربما ستقتصر المشاركة التركية على الدعم اللوجيستي، خصوصًا أن الأتراك حتى الساعة لم يقدموا للأمريكيين أي خطة لتحرير المدينة!

علينا أن ندرك أن الموقف الكردي في الشمال السوري أصبح رهينة للعبة التوازنات السياسية في المنطقة، ولا يخفى على المتابعين كم الدعم الدولي والإقليمي الذي تتلقاه مليشيا وحدات الحماية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي​​

الفرضية السابقة ترى أن الولايات المتحدة ستستمر في دعم قسد (قوات سوريا الديمقراطية)، على أن يترافق ذلك مع زيادة المكون العربي في صفوفها.

سيناريو التقسيم

على الجانب الآخر يرى المراقبون أن ما لم يحققه الأكراد حتى الساعة بالقوة، قد يتحقق بالحل الشامل، وهي الفكرة المطروحة حاليًا بالإدارة الأمريكية بخصوص عملية التقسيم في سوريا، لحل الأزمة، بينما يرى رأي آخر أن هناك تفاهمات سرية تركية - أمريكية وروسية - تركية، على التصدي لقيام دولة كردية في الشمال السوري، وعلى منع قيام كيان متواصل للأكراد، حتى ولو انتهت الأمور إلى التقسيم في سوريا.

الخلاصة

تركيا أنهت بنجاح المرحلة الأولى لهدم الفيدرالية الكردية، لكن الأهم هي الخطوة التالية، والتي عليها فيها أن تستغل قدرتها الدبلوماسية دوليًا، خصوصًا مع الولايات المتحدة وروسيا، لوضع حزب الاتحاد الديمقراطي في نفس مستوى داعش، من حيث التصنيف الإرهابي، وبالتالي لا يجوز دوليًا ومنطقيًا الاستعانة بمنظمة إرهابية " "PYDللقضاء على تنظيم إرهابي آخر "داعش"، ، مع الوضع في الاعتبار حقيقة أن الروس يتخلون شيئًا فشيئًا عن الحزب الكردي لصالح علاقتهم مع الأتراك، كما أن الولايات المتحدة تبدي استعدادها للتعاون مع تركيا في محاربة داعش وإنشاء مناطق آمنة بسوريا، وهي الخطوة التي يعني نجاح تركيا فيها ضربة قاصمة لمشروع PYD في سوريا ومشروعه الفيدرالي.