تتجه مملكة البحرين نحو منعطف دستوري جديد في تاريخها، يتمثل في تعديل يسمح بمحاكمة مدنيين متهمين بارتكاب جرائم تعتبرها السلطات "إرهابية" أمام المحاكم العسكرية.

هذا التعديل الذي أثار جدًلا واسعًا وانتقادًا كبيرًا من المعارضة البحرينية، حظي بإجماع السلطة التشريعية متمثلة في مجلسي النواب والشورى، تمهيدًا لتصديق الملك حمد بن عيسى آل خليفة عليه.

حيث وافق مجلس الشورى البحريني بالإجماع على التعديل الذي ينص على أن "ينظم القانون القضاء العسكري ويبين اختصاصاته في كل من قوة دفاع البحرين والحرس الوطني وقوات الأمن العام".

وكتب مجلس الشورى البحريني على حسابه في "تويتر" بهذا الصدد: "توافقا مع ما جاء به من تعديل يحفظ أمن واستقرار المملكة، يعلن مجلس الشورى عن موافقته وبالإجماع على التعديل الدستوري".

تحذيرات من إعلان غير مباشر لحالة الطوارئ

يرمي النظام البحريني بهذه الخطوة إلى فتح المجال أمام محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في جرائم معينة "تمس الأمن العام أو تتعلق بالإرهاب".

وكان اختصاص القضاء العسكري البحريني قبل التعديل الأخير هذا، يقتصر على "الجرائم العسكرية التي تقع من أفراد قوة الدفاع والحرس الوطني والأمن العام، ولا يمتد إلى غيرهم إلا عند إعلان الأحكام العرفية، وذلك في الحدود التي يقرها القانون".

وتدافع الحكومة عن القرار بالقول إن "هذا التعديل مؤقت ويستهدف محاربة الإرهاب، وسينتهي العمل بالتعديل بانتهاء السبب وهو الإرهاب". ومؤكدة أن "من واجب كل دولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها من أي خطر يهددها".

لكن في المقابل، تقول المعارضة البحرينية إن هذا التعديل الدستوري يعد تراجعًا واضحًا من جانب الدولة عن أهم مكتسب حققته اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق عام 2011، والتي أقرت رفض مبدأ إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وهي التوصية التي وافق عليها ملك البحرين.

حيث يقول علي الأسود، النائب السابق عن كتلة الوفاق الوطني المعارضة، إن المستهدف من هذا التعديل هم "المعارضون والمدافعون عن حقوق الإنسان وليس المتهمين بقضايا إرهاب". مؤكدًا في تصريحات صحفية أن "المحاكم المدنية التي أعادت محاكمة مدنيين تم محاكمتهم أمام القضاء العسكري أوضحت أنهم تعرضوا للتعذيب وأجبروا على الإقرار بجرائم لم يقترفوها".

كما يحذر ناشطون في المعارضة البحرينية من أن هذا التعديل يعد بمثابة "إعلان غير مباشر لحالة الطوارئ في المملكة". وكان مجلس النواب البحريني قد وافق في وقت سابق من الشهر الماضي على التعديل الدستوري. ويحتاج التعديل الدستوري الجديد إلى مصادقة ملك البحرين حمد بن عيسى، حتى يدخل حيز التنفيذ بشكل نهائي.

"وعد" في طريقها للحل بعد "الوفاق"

في شأن متصل، أعلنت وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في البحرين، أمس، نيتها رفع دعوى قضائية لحل جمعية "العمل الوطني الديمقراطي" (وعد) المعارضة. حيث نقلت صحف محلية بحرينية أن الدعوى سترفع "في ضوء ما ارتكبته الجمعية المذكورة من مخالفات جسيمة تنتهك القانون وتدعم الإرهاب والعنف من خلال تمجيدها وتحريضها لمتورطين في قضايا إرهاب شملت التفجير واستخدام الأسلحة والقتل".

وزارة العدل بررت قرارها بأن "المخالفات التي ارتكبتها الجمعية شكلت في مجملها خروجا كليًا عن مبادئ العمل السياسي المشروع، في ظل مبدأ حرية تشكيل الجمعيات السياسية أو الانضمام إليها".

وكانت محكمة الاستئناف البحرينية أيدت العام الماضي حكما صدر في يوليو/تموز من ذات العام بحل جمعية "الوفاق" المعارضة، انطلاقا من "ممارسات استهدفت ولا زالت تستهدف مبدأ احترام حكم القانون واسس المواطنة المبنية على التعايش والتسامح واحترام الآخر، وتوفير بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف والعنف، فضلاً عن استدعاء التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي، بحد قولها".

وأصدر القضاء في مرحلة أولية قرارا بإغلاق مقرات الجمعية والتحفظ على أموالها وتعليق نشاطها، اتبعه في 17 يوليو/تموز بقرار حلها. وتعد الوفاق أبرز الحركات السياسية الشيعية التي قادت الاحتجاجات ضد حكم الملك حمد بن عيسى آل خليفة منذ العام 2011 للمطالبة بإصلاحات سياسية.

الأعلى عالميًا في نصيب السجناء السياسيين

إلى ذلك، كثفت السلطات البحرينية في الأشهر الماضية حملة المحاكمات والملاحقات ضد معارضيها ولاسيما من الأحزاب والقوى الشيعة، ونفذت في منتصف كانون الثاني/يناير أحكاما بالإعدام بحق ثلاثة من الشيعة أدينوا بقتل ثلاثة رجال أمن بينهم ضابط إماراتي في آذار/مارس 2014، الأمر الذي أسهم في تأجيج الوضع في المملكة واندلاع موجة جديدة من الاحتجاج.

وبين الخطوات التي تثير حفيظة المعارضة البحرينية، حل القضاء جمعية "الوفاق" الشيعية المعارضة، والتي كانت تمثل أكبر كتلة نيابية قبل استقالة نوابها في شباط/فبراير 2011، وحكم على زعيمها الشيخ علي سلمان بالسجن لمدة تسع سنوات بعد إدانته بجملة من التهم أبرزها "التحريض على تغيير النظام بالقوة".

كما تحاكم البحرين التي تتهمها المنظمات الحقوقية بانتهاكات حقوق الإنسان، المرجع الشيعي البارز عيسى قاسم بتهمة "التشجيع على الطائفية والعنف"، والناشط في حقوق الإنسان نبيل رجب في قضيتين الأولى تتعلق بقضية تغريدات "مسيئة" للبحرين والمملكة السعودية، والثانية بتهمة التحدث إلى وسائل إعلام غربية وبث "أخبار كاذبة".

الاحتجاجات في البحرين

ووقعت في الشهرين الماضيين سلسلة حوادث أمنية في العاصمة المنامة وفي عدد من القرى الشيعية بينها هروب عدد من المحكومين بقضايا "إرهابية" من السجن، واغتيال ضابط في الشرطة، ومحاولة الفرار من البلاد على متن زورق.

وتشهد البحرين اضطرابات متقطعة ومظاهرات من وقت لآخر منذ احتجاجات فبراير/ شباط 2011، التي قادتها المعارضة الشيعية. ومنذ ذلك الحين، اتهم النظام البحريني مرارًا وتكرارًا بالحد من حريات التعبير وتكوين الجمعيات والتجمعات الحزبية والشبابية. حيث تؤكد بعض جماعات حقوق الإنسان وجود التعذيب وغيره من الانتهاكات الشنيعة لحقوق الإنسان في البحرين، خاصة في السجون سيئة السمعة في البلاد، والتي تشتهر بضمها للمسجونين السياسيين.

حيث كان مركز البحرين لحقوق الإنسان أفاد في تقرير سابق بأن نحو 500 شخص كانوا سجناء رأي اعتبارًا من 22 نوفمبر 2011، مما يجعل من البحرين ضمن أعلى البلاد عالميًا في نصيب السجناء السياسيين بالنسبة لعدد السكان، بحسب هذا التقرير. ويدعم هذا الادعاء، التشريعات التي تنص على الحكم بالسجن لمن يدعو لقلب أو تغيير نظام الحكم أو يحرض باستخدام إحدى الطرق المنشورة لزيادة كراهية النظام الحاكم أو الازدراء به.