احتفالات أنصار نداء تونس بالفوز في الانتخابات الأخيرة

تتواصل في تونس للأسبوع الثاني على التوالي حملة الإيقافات التي تستهدف رجال أعمال ومهربين وسياسيين وديوانيين (يعملون في سلك الجمارك)، حملة كان لها تأثير كبير على الشارع التونسي وعلى الأوساط السياسية، خاصة حزب نداء تونس أحد أضلع الائتلاف الحاكم في البلاد والذي ينتمي إليه رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي يقود ما يصفه بـ "الحرب على الفساد" ورجل الأعمال شفيق جراية الذي كان أول من تم إيقافهم وإحالتهم إلى القضاء العسكري بتهم تمس الأمن الوطني لتونس. مفارقة كان لها تداعيات كبيرة على الحزب الذي ينتمي إليه الاثنين، فكان من أولى بوادرها الانقسام الحاصل في موقف الحزب من هذه الحملة الأخيرة، فماذا عن باقي التداعيات؟

قيادات ونواب من "النداء"، تحت القصف

يعتبر رجل الأعمال والموضوع على ذمة القضاء العسكري بتهم تتعلق بالاعتداء على أمن الدولة الخارجي والخيانة والمشاركة في ذلك ووضع النفس تحت تصرف جيش أجنبي زمن السلم، شفيق جرّاية، أحد ناشطي حزب نداء تونس وأكبر مموّليه، وهو ما كان سببا لتلقي الحزب اتهامات عديدة مباشرة عند الاعلان عن القبض على جراية، خاصة مع تردد "نداء تونس" في الإعلان عن موقفه الرسمي من هذه الحملة التي يقودها أحد أبنائه.

يقول متابعون إن وجود الاثنين خارج البلاد كان بتدبير مسبق حتى لا يتدخّل حافظ ويستعمل اتصالاته للإفراج عن "صديقه" شفيق جراية

اتهامات طالت قيادات ونواباً من "النداء"، ولا سيما منهم رئيس كتلة الحزب في البرلمان سفيان طوبال والنائب منجي الحرباوي، بالنظر إلى علاقتهما الكبيرة بشفيق جراية، حيث كانا لا يترددان عن الاعتزاز بصدقاتهما له. ومؤخرا، قال العضو المؤسس لحركة نداء تونس وأحد المنشقين منه، لزهر العكرمي في تصريح إذاعي، إن رجل الأعمال شفيق جراية قد قام بشراء ما بين 25 و28 نائبا رغبة منه في اخفاء فساده، كما قدّم شقة سكنية لرئيس الكتلة سفيان طوبال دون مقابل، وأَضاف العكرمي أن حزب النداء اشترته رموز الفساد ووضعت على رأسه شخصيات لا علاقة لها بالسياسة، الأمر الذي نفاه طوبال.

نجل الرئيس التونسي حافظ قائد السبسي

وقالت تقارير اعلامية إن رجل الأعمال الموقوف شفيق جراية، كشف خلال التحقيق معه عن بعض الأسماء المتورطة معه في تهم تتعلق بـ "الفساد والمساس بأمن الدولة الخارجي" من بينهم عدد من الشخصيات السياسية المعروفة، ويخشى نواب نداء تونس وقيادات الحزب أن يطالهم التحقيق. وتزامنت بداية الحملة مع وجود مدير الحزب، حافظ قائد السبسي، ورئيس الكتلة النيابية، سفيان طوبال، في الصين، ويقول متابعون إن وجود الاثنين خارج البلاد كان بتدبير مسبق حتى لا يتدخّل حافظ ويستعمل اتصالاته للإفراج عن "صديقه" شفيق جراية.

اتهامات من الداخل

الاتهامات التي طالت حركة "نداء تونس" لم تكن من خارج الحركة فقط، بل جاءت أيضا من داخلها، حيث اتهمت النائبة صابرين القوبنطيني حزبها بـ "التآمر على أمن الدولة وتهديد الأمن القومي للبلاد"، وهو ما أدّى إلى تجميد عضويتها من الحزب خلال اجتماعه الأخير، حتى انعقاد المؤتمر، وفصلها عن الكتلة النيابية بالاعتماد على توقيع 42 نائبًا.

برر المقاطعون للجلسة قرارهم بسبب ما اعتبروه “تبييضًا لبعض الوجوه الموقوفة في الحملة الأخيرة

وقبل ذلك كتبت القوبنطيني على صفحتها في موقع "فيس بوك"، "أين القيادة العظيمة للنداء؟ وأين مساندتها المزعومة لرئيس الحكومة الذي هو ابن الحزب (عندما كانت الاغلبية لا تعرف حتى مقر الحزب). لا بيان ولا تصريح ولا حتى اتصال (يؤكد دعم قيادة الحزب لرئيس الحكومة) هل القيادة العظيمة لا تساند مكافحة الفساد"؟ في نفس السياق، قاطع 29 نائبًا من حزب نداء تونس، اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب برئاسة المدير التنفيذي حافظ قائد السبسي، وقد برر المقاطعون للجلسة قرارهم بسبب ما اعتبروه “تبييضًا لبعض الوجوه الموقوفة في الحملة الأخيرة، التي قادتها الحكومة على رجال أعمال ومهرّبين على خلفية شبهات فساد”، وقالت القوبنطيني، إنها قاطعت اجتماع الكتلة، لأنها تعتبر أنّ الهدف من هذا الاجتماع هو تبرئة نواب لطالما كانوا يفتخرون بعلاقتهم بموقوفين حاليًا بتهمة الفساد.

 

وكانت صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" نسبت للقاضية كلثوم كنو (تمت إزالتها لاحقاً) نشرت قائمة لأربعة وعشرين نائباً من حزبي "نداء تونس" وحليفه "الاتحاد الوطني الحر" أكدت أنهم "يعملون لحساب شفيق جراية ويتلقون منه جرايات (رواتب) وسيارات وعقارات وستُرفع عنهم الحصانة وسيمثلون أمام القضاء العسكري في القريب"، الأمر الذي دفع بحركة نداء تونس إلى إقامة شكاوى قضائية ضد كل من "أساء وعمل على تشويه صورة نواب الحزب في مواقع التواصل الاجتماعي، ووجه لهم تهمًا بتلقي رشاوى من رجل الأعمال شفيق جراية"، حسب نص بيان صادر عن الحزب.

مواقف متباينة 

موقف نداء تونس من الحملة الأخيرة ضدّ الفساد جاء متباينا ما يؤكّد حدّة الخلاف بين أعضائه، فإلى جانب تأكيد البعض من قياداته مساندتهم التامة للحكومة في "حربها"، ندّد بها أخرون، حيث وصف الوافد الجديد على الحزب برهان بسيس توقيف شفيق جراية " بأنه سرك" وغوغائية مشيرا بأن مكافحة الفساد استراتيجية نتبناها ونساندها، لكن الأن هي حملة هيستيرية تحركها بعض الغرف لضرب نداء تونس.

في نفس الإطار، ندّد النائب عن الحركة في البرلمان منجي الحرباوي، في تدوينة كتبها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك بـ "حملة الاعتقالات التي طالت عددًا من رجال الأعمال على خلفية شبهات فساد"، متهمًا في الوقت ذاته أجهزة الدولة بـ "التورط بخطف رجال أعمال دون العودة إلى السلطات التشريعية"، حسب قوله. بدوره، ندَّد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب نداء تونس، سفيان طوبال بـ "الحملة المشبوهة التي أرادت توظيف الإيقافات الأخيرة، لتشويه نواب حركة نداء تونس”، في حين أعلن عن نيته مقاضاة كل من قاد حملة التشويه.

تواصل الحملة

في غضون ذلك، تتواصل حملة الفساد التي أعلنت عنها الحكومة قبل أسبوعين، حيث أفادت وزارة الداخلية التونسية في بلاغ لها أمس الخميس أن وحداتها الأمنية قد تمكنت من القبض على المهرب الذي يكنى "الوشواشة" ووجهت له تهمة "الانتماء إلى تنظيم إرهابي وتكوين وفاق من أجل الاعتداء على الأشخاص والأملاك والإتجار في الأسلحة دون رخصة وحمل ومسك سلاح ناري دون رخصة”. كما أصدر القضاء العسكري التونسي، الثلاثاء، مذكرة توقيف بحق المدير العام الحالي للأمن السياحي والرئيس السابق للوحدة الأمنية للبحث في جرائم الإرهاب في (منطقة) القرجاني على خلفية اشتباه بعلاقته برجل الأعمال شفيق جراية الموقوف منذ 23 أيار/مايو الحالي بتهم "الخيانة" و"الاعتداء على أمن الدولة".

منذ 23 أيار السابق وحتى اليوم، أوقفت السلطات 12 شخصا أغلبهم رجال أعمال ومهربون بتهم الفساد و"التآمر" على أمن الدولة

وضمن هذه الحملة، أيضا، أذن القضاء العسكري بفتح تحقيق في زيارة بعض نواب البرلمان إلى ليبيا دون التنسيق مع الجهات الرسمية ولقائهم أطرافا ليبية بوساطة من شفيق جراية في شهر أبريل الماضي. ووفق مصادر تقارير اعلامية، فإنّ النائب عن حركة نداء تونس منجي الحرباوي وزميلته ابتسام الجبابلي سيشملهما التحقيق، وذلك بعد ما كشفه شفيق جراية لدى الاِستماع له من قِبل النيابة العسكرية عن انعقاد عدة لقاءات في ليبيا.

رجل الأعمال الموقوف شفيق جراية

ومنذ 23 أيار السابق وحتى اليوم، أوقفت السلطات 12 شخصا أغلبهم رجال أعمال ومهربون بتهم الفساد و"التآمر" على أمن الدولة، وأعلنت وزارة الداخلية في السادس والعشرين من نفس الشهر وضع رجال الأعمال والمهربين الموقوفين قيد الإقامة الجبرية بموجب قانون الطوارئ المطبق منذ أكثر من عام ونصف عام. وفي اليوم نفسه، فتحت النيابة العسكرية تحقيقا ضد شفيق جراية و "كل من سيكشف عنه البحث" بتهم "الاعتداء على أمن الدولة الخارجي والخيانة والمشاركة في ذلك ووضع النفس تحت تصرف جيش أجنبي زمن السلم"، وأعلنت السلطات تجميد أرصدة شفيق جراية ومصادرة ممتلكاته مع سبعة رجال أعمال آخرين بشبهة الفساد.