تعدد الديانات جزء من الثقافة المصرية القديمة، ومن الطبيعي أن تجد المساجد والكنائس والمعابد موزعة في العديد من المدن كصورة حضارية عن تعايش المسلم والمسيحي واليهودي على أرض واحدة، إلا أن هذه الصورة ليست بهذه المثالية الظاهرة وذلك لأن اليهود المصريون بالأخص عاشوا صعوبات في الانخراط مع المجتمع المصري والاندماج مع أبناء الوطن. هذه المعاناة كانت قضية بعض الشخصيات اليهودية المصرية الذين ناضلوا دفاعاً عن الديانة اليهودية على أرض عربية على سبيل أن "الدين لله والوطن للجميع".

 أحد أشهر هذه الشخصيات البارزة هو شحاته هارون المصري اليهودي والذي عارض قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي وعبر عن نقمه للحركة الصهيونية ورفض الرحيل عن مصر طيلة حياته. كإثبات لولائه ووطنيته شهدت مصر على الكثير من مواقفه ومؤلفاته التي لخصت فسلفاته الفكرية السياسية وقصة حياته الغير مألوفة.

درس شحاته هارون في مدرسة الفرير الكاثوليكية وبسبب عدم وجود مدارس دينية لتعليم اليهود أصول دينهم وشعائره، حرص والدي شحاتة هارون على تخصيص حاخام لتعليمه الدين اليهودي. ويذكر أن شيخاً أزهرياً قام بتعليمه اللغة العربية وقواعدها النحوية وبسبب هذا التنوع الديني الذي عايشه من خلال البيئة التعليمية وعلاقته مع أساتذته خلال مرحلة حياته قال هارون "إن الديانات الثلاثة بشكل أو بأخر قد أثرت في تكويني الفكري"

وصف قيام  "إسرائيل" على أنها خرافة يستحيل أن تتحقق لأنه لا يمكن أن تتألف دولة من عنصر واحد، فهذا ضد التاريخ وقانون الطبيعة كما يعتقد.

العلاقة المباشرة مع هذه الديانات السماوية خلقت لديه أراء ومواقف سياسية وطنية دافع من خلالها عن البطاقة التعريفية لليهودي العربي، على خلاف الصورة النمطية السائدة بأن اليهودي هو الخائن أو العدو أو الجاسوس والسبب الأبرز لنشوء هذا اللغط هو خلط الإعلام والصناعات السينمائية كلمة اليهودي بالإسرائيلي أو الصهيوني، كما تقول ابنته ورئيسة مجمع الطائفة اليهودية في مصر، ماجدة شحاته هارون.

يذكر لهارون مواقف شجاعة دافع فيها عن مبادئه الوطنية بشكل صارم، من أبرز هذه المواقف هو معاديته لفكرة السلام مع "إسرائيل" وذلك بعد أن تمت معاهدة كامب ديفيد، فقال أمام ييجال بادين، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أثناء زيارته للمعبد اليهودي في مصر "إنني كمصري أرى أن هذه الاتفاقية مهينة لكرامة الشعب المصري" بسبب جرأته الشجاعة قامت قوات الأمن بالقبض عليه وإخراجه من المكان. علاوة على وصفه الدائم "لإسرائيل" بأنها خرافة يستحيل أن تتحقق لأنه لا يمكن أن تتألف دولة من عنصر واحد، فهذا ضد التاريخ وقانون الطبيعة كما يعتقد.

تحدث في كتابه "يهودي في القاهرة" أنه ​ليس عبارة عن يهودي ساكن في مصر وإنما مصري يهودياً.

يحفظ التاريخ موقف أخر يؤكد على وفاء هارون الشديد، عقب دخول مصر حرب العدوان الثلاثي عام 1956 بدأت السلطات المصرية بعمليات ترحيل وتضييق على اليهود المصريين، وفي الأثناء تدهورت صحة ابنة هارون الكبرى مما جعله يضطر لطلب موافقة أمنية للسماح له بالسفر إلى فرنسا مؤقتاً بهدف العلاج، إلا أن السياسات المصرية أخبرته أنه إذا رحل فلن يتمكن من العودة أبداً وسيتم سحب الجنسية المصرية منه وكان خيار هارون الأول هو البقاء في مصر وعدم المغادرة لكن هذه المخاطرة كانت مقابل حياة ابنته الذي خسرها بعمر صغير ولأسباب وطنية بحتة.

وعند اندلاع انتفاضة الخبز الشعبية عام 1977 شارك هارون في أعمال التجمعات التي رفضت زيادة الأسعار والغلاء أنذاك، مما أدى إلى القبض عليه واعتقاله.

ألف هارون كتاب "يهودي في القاهرة" تحدث فيه عن بعض ما يعانيه المصريين اليهود وصعوبة تقبلهم في المجتمع كجزء من تركيبة الوطن، فهم ليسوا عبارة عن يهود في مصر وإنما مصريين يهوداً. في كتابه أيضاً وجه رسالة لرئيس جمال عبد الناصر يعبر فيها عن تأييده لسياسته في الحكم ويشرح له وضع اليهود المصريين ويطلب منه تحسين وضعهم في مصر والسماح لهم بممارسة حقوقهم كالشعب المصري.

تضمن الكتاب العديد من المقالات التي يعرض فيها هارون تحليلات للسياسة الحركة الصهيونية وشروطها وأن سبب مأساة اليهود العرب هو قيام "إسرائيل".

عام 2001 أذيع خبر وفاة شحاته هارون ومع هذا الخبر المحزن صرحت ابنته ماجدة هارون عن وصية ابيه بأن لا يحضر جنازته إي إسرائيلي وأن لا يصلي عليه حاخام إسرائيلي، مما أجبر عائلته على طلب حاخام يهودي من فرنسا للصلاة عليه في الجنازة، لكن الرفض المجتمعي استمر حتى عندما أرادت العائلة أن تنعي هارون في إحدى الجرائد المصرية لم تحبذ أن تنشر آيات من التوراة وإنما فضلت أسرته أن تكتب جملة تعبر عن انتمائه وفلسفته في الحياة لتكتب "أنا مصري حين يضطهد المصريون، ويهودي حين يضطهد اليهود، وفلسطيني حين يضطهد الفلسطينيون، وأسود حين يضطهد السود".

لم ينته مشوار شحاته هارون عند وفاته وإنما أكملت ابنته ماجدة هارون حمل عب هذه المسؤولية ومواصلة الإشارة على تواجد هذه الطائفة الذاهبة للزوال بسبب القوالب الفكرية الاجتماعية التقليدية والأنظمة السياسية غير المتعاونة كما تقول هارون في إحدى المقابلات التلفزيونية.