تعيين محمد بن سلمان وليًا للعهد بدلاً من ابن نايف

استيقظ السعوديون فجر اليوم الأربعاء على حزمة من القرارات الملكية المهمة التي قد تعيد رسم خارطة النظام السعودي بأكمله سواء على مستوى بنيته الداخلية أو فيما يتعلق بتوجهاته الخارجية، وذلك حين أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، عددًا من الأوامر الملكية أبرزها الإطاحة بالأمير محمد بن نايف من منصبه كولي للعهد واختيار الأمير محمد بن سلمان خلفًا له.

القرارات الملكية التي جاءت مع مطلع الفجر والمتسقة مع هوى الديوان الملكي الذي اعتاد اتخاذ أوامره الحساسة والخطيرة والناس نيام، أثارت حالة من الجدل داخل الشارع السعودي وخارجه، كما فرضت عددًا من التساؤلات عن تفاصيل هذا "الانقلاب" كما يسميه البعض، لكن لعل السؤال الأبرز هنا يدور بشأن رضوخ ابن نايف وهو الرجل القوي والمحنك أمنيًا للإطاحة به وتكرار سيناريو الأمير مقرن بن عبد العزيز.

السياق الزمني لهذه القرارات والتي جاءت في خضم الأزمة القطرية الخليجية وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية فضلًا عن تزامنها مع تسريبات السفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة، والتي كشفت النقاب عن بعض ملامح المخطط السعودي الإماراتي للترويج لنجل سلمان لدى الإدارة الأمريكية، يجيب على الكثير من التساؤلات التي تشغل بال البعض عن دلالات ومضمون هذه الأوامر وما يمكن أن تكون عليه السعودية في عهد الملك الجديد.

16 مرسومًا ملكيًا

أصدر العاهل السعودي 16 مرسومًا ملكيًا جديدًا، كانوا كالتالي:

- المرسوم الأول رقم "أ/255" وينص على: "يُعفى الأمير محمد بن نايف من ولاية العهد، ومن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ومنصب وزير الداخلية، واختيار الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وليًا للعهد، وتعيين سموه نائبًا لرئيس مجلس الوزراء مع استمراره وزيرًا للدفاع، واستمراره فيما كلف به من مهام أخرى".

- المرسوم الثاني رقم "أ/256" وينص على: "تعديل الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم لتكون بالنص الآتي: يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكًا ووليًا للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس".

- المرسوم الثالث رقم "أ/257" وينص على: "تعيين الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز آل سعود وزيرًا للداخلية".

- المرسوم الرابع رقم "أ/258" وينص على: "إعفاء عبد الرحمن بن علي الربيعان نائب وزير الداخلية من منصبه، وتعيين أحمد بن محمد السالم نائبًا لوزير الداخلية بمرتبة وزير".

- المرسوم الخامس رقم "أ/259" وينص على: "تعيين عبد الرحمن بن علي الربيعان مستشارًا بالديوان الملكي بمرتبة وزير".

- المرسوم السادس رقم "أ/260": "إعفاء ناصر بن عبد العزيز الداود المستشار بالديوان الملكي من منصبه، وتعيينه وكيلًا لوزارة الداخلية بمرتبة وزير".

- المرسوم السابع رقم "أ/261" وينص على: "تعيين الأمير فيصل بن سطام بن عبد العزيز آل سعود سفيرًا للمملكة لدى إيطاليا بمرتبة وزير".

المرسوم الثامن رقم "أ/262" وينص على: "تعيين الأمير بندر بن خالد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود مستشارًا بالديوان الملكي بمرتبة وزير".

- المرسوم التاسع رقم "أ/263" وينص على: "تعيين الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز آل سعود مستشارًا بالديوان الملكي بمرتبة وزير".

- المرسوم العاشر رقم "أ/264" وينص على: "تعيين الأمير بندر بن فيصل بن بندر عبد العزيز آل سعود مساعدًا لرئيس الاستخبارات العامة بالمرتبة الممتازة".

- المرسوم الحادي عشر رقم "أ/265" وينص على: "تعيين الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود سفيرًا للمملكة لدى ألمانيا بالمرتبة الممتازة".

- المرسوم الثاني عشر رقم "أ/266" وينص على: "تعيين الأمير عبد العزيز بن تركي بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود نائبًا لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة بالمرتبة الممتازة".

- المرسوم الثالث عشر رقم "أ/267" وينص على: "تعيين الأمير عبد العزيز بن فهد بن تركي بن عبد العزيز آل سعود نائبًا لأمير منطقة الجوف بالمرتبة الممتازة".

- المرسوم الرابع عشر رقم "أ/268" وينص على: "تعيين الأمير عبد االله بن خالد بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود مستشارًا بالديوان الملكي بالمرتبة الممتازة".

- المرسوم الخامس عشر رقم "أ/269" وينص على: "تعيين فيصل بن عبد العزيز بن عبد الله السديري مستشارًا بالديوان الملكي بالمرتبة الممتازة".

المرسوم السادس عشر رقم "أ/270" وينص على: "تعديل البند الثاني من الأمر رقم "أ/158" ليصبح بالنص الآتي: يسري العمل بأمرنا هذا من تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء رقم (551 ) بتاريخ 27 من سبتمبر 2016".

ليس بالمفاجأة

الكثير من المقربين من دوائر صنع القرار في الرياض أو المتابعين للشأن السعودي لم يتفاجأوا بمثل هذه القرارات التي كانت تسير بخطى ثابتة منذ تولي الملك سلمان مقاليد الأمور، والتي بانت ملامحها الأولى عند تنحي الأمير مقرن بن عبد العزيز من منصبه كولي للعهد من أجل تصعيد محمد بن سلمان في منصب ولي ولي العهد وهو المنصب الذي تم استحداثه خصيصًا من أجله.

لكن وفي الوقت ذاته ورغم توقع هذا الانقلاب على محمد بن نايف فإن عنصر الوقت والمباغتة كان عامل المفاجأة في الموضوع، إذ إن البعض قد رجح أن تؤجل هذه الخطوة لحين طي بعض الصفحات المفتوحة على رأسها الأزمة القطرية الخليجية كذلك تسريبات العتيبة والتي تناولت وبشكل واضح جهود تقديم أوراق اعتماد محمد بن سلمان كملك قادم للسعودية لدى واشنطن.

العديد من المؤشرات السابقة كشفت وبصورة واضحة بعض ملامح مخطط تصعيد نجل سلمان لخلافة والده على العرش، وهو ما أفصحت عنها بعض الخطوات الإجرائية والقرارات الملكية التي تم اتخاذها في الآونة الأخيرة.

انقلاب على جيل أحفاد عبد العزيز

تعني التغييرات الأخيرة التي طالت هيراركية الحكم في المملكة أن ثمة انقلاب ناعم تجاوز جيلًا كاملًا من أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز "جيل ولي العهد الحالي محمد بن سلمان" إلى جيل أبناء الأحفاد، ويتضح هذا في سلسلة التعيينات الأخرى داخل الأوامر الملكية الأخيرة.

مسألة تغيير الانتقالات التقليدية للسلطة ‏بتعديل الفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم لتكون بالنص الآتي: "يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس، عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكًا ووليًا للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس"، تشير أيضًا إلى أن ثمة ترضيات داخلية تحدث لتجاوز اللحظة الراهنة الشائكة.

هذه المفارقة التي صعدت بابن سلمان إلى كرسي ولاية العهد، كادت أن تطيح بوالده من ولاية العهد وقت حكم الملك عبد الله، ولكن لصالح الأمير متعب ابن عبد الله الذي أنشأ له خصيصًا منصب ولي ولي العهد، وهو المنصب الذي انطلق منه محمد بن سلمان أيضًا، في الوقت الذي فشل فيه مخطط الملك الراحل الذي كان يريد تجاوز أخوته فيما يبدو، نجح سلمان وابنه في هذه الخطة.

وقد استخدم ابن نايف على ما يبدو لحسم الصراع داخل الأسرة الحاكمة لصالح ابن سلمان وولده ضد متعب، وانتهى دوره الآن، ليحل محله محور ابن سلمان الجديد، الذي سيبدأ عهدًا جديدًا في الأسرة الحاكمة.

17 من يونيو 2017.. سحب صلاحيات ابن نايف

أصدر العاهل السعودي مرسومًا ملكيًا بتعديل اسم هيئة التحقيق والادعاء العام المرتبطة بوزارة الداخلية التي يرأسها الأمير محمد بن نايف، إلى النيابة العامة ويسمى رئيسها النائب العام وربطها بالملك مباشرة ومنحها الاستقلالية التامة عن وزارة الداخلية، مما يعني مزيدًا من سحب الصلاحيات الخاصة بولي العهد.

وكلف الأمر الملكي هيئة الخبراء بمجلس الوزراء والجهات ذات العلاقة، بمراجعة نظام هيئة التحقيق والادعاء العام، ونظام الإجراءات الجزائية، بما يضمن للنيابة العامة مباشرة عملها بكل حياد كما ذُكر في نص القرار دون تأثير من أي جهة كانت، ودون أن يسمح لأي أحد بالتدخل في عملها.

الكثير من المقربين من دوائر صنع القرار في الرياض أو المتابعين للشأن السعودي لم يتفاجأوا بمثل هذه القرارات التي كانت تسير بخطى ثابتة منذ تولي الملك سلمان مقاليد الأمور

22 من أبريل 2017.. تقوية الجبهة الداخلية

أصدر العاهل السعودي حزمة من القرارات الملكية الجديدة التي تمهد الطريق لولي ولي العهد عبر تقوية جبهته الداخلية والخارجية ولعل من أبرزها:

أولاً: إنشاء مجلس للأمن الوطني يكون مرتبطًا بالديوان الملكي، مما يعني سحب الصلاحيات الأمنية تدريجيًا من قبضة الأمير محمد بن نايف، ولي العهد ووزير الداخلية، ومن ثم إحكام السيطرة على الشق الأمني.

كذلك تعيين اللواء أحمد حسن عسيري وزير الدفاع والمتحدث باسم قوات التحالف العربي المشارك في حرب اليمن، المعروف عنه علاقته القوية بالأمير محمد بن سلمان، وأحد أبرز رجالاته داخل المملكة، نائبًا لرئيس الاستخبارات السعودية، مما يعني سيطرة شبه كاملة على منظومة الأمن الداخلي إضافة إلى الأمن الخارجي عبر جهاز الاستخبارات.

ثانيًا: تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، نجل العاهل السعودي، وزيرًا لشؤون الطاقة والمعادن، مما يعني سيطرته الكاملة على مخرجات النفط الذي يمثل العصب الأساسي للاقتصاد السعودي، ومن ثم إحكام السيطرة على الشق الاقتصادي.

ثالثًا: تعيين الأمير خالد بن سلمان، نجل العاهل السعودي، سفيرًا للمملكة في الولايات المتحدة خلفًا للأمير عبد الله بن فيصل بن تركي، مما يعني السيطرة على قنوات التواصل مع واشنطن، مما يضمن بقاء محمد بن سلمان في الصورة ومناهضة أي محاولات تهدف لإزاحته.

24 من مارس 2017.. لقاء ترامب

رغم كونه الرجل الثالث في المملكة بعد الملك وولي عهده، فقد وقع الاختيار عليه للقيام بزيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول سعودي بهذا الحجم للولايات المتحدة الأمريكية ولقائه الأول بدونالد ترامب بعد تنصيبه رئيسًا في يناير الماضي.

هذه الزيارة جاءت في سياق الحديث عن مساعي واشنطن للإطاحة بمحمد بن سلمان لحساب محمد بن نايف، ومن ثم كان لا بد من تصحيح الصورة وتقديم فروض الولاء والطاعة مبكرًا عبر زيارة يمهد فيها الملك الجديد الطريق لنفسه متخلصًا من خصمه نحو العرش عبر إبعاده عن الصورة بصورة نهائية فضلاً عن سحب العديد من صلاحياته.

الإرهاصات الاولى لمغازلة ابن سلمان للولايات المتحدة بدأت منذ توليه ولي ولي العهد وذلك ببعض التوجهات الإصلاحية الليبرالية ومحاولة طمأنة البيت الأبيض حيال مسألة التشدد الديني داخل المملكة ومحاربة التطرف والإرهاب، وهو ما أكد عليه مرارًا وتكرارًا خلال رؤيته "2030".

الأوامر الملكية الصادرة فجر اليوم كشفت وبنسبة كبيرة صحة تسريبات السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة

دونالد ترامب ومحمد بن سلمان

استراتيجيات القوى الناعمة

مخطط العاهل السعودي للتمهيد لنجله نحو الوصول إلى كرسي الحكم على حساب محمد بن نايف اعتمد في كثير من مراحله على استراتيجيات القوى الناعمة، وهو ما تجسد في بعض الأوامر الملكية التي صدرت مؤخرًا لعل أبرزها في أبريل الماضي.

وتصدرت أبرز تلك الاستراتيجيات المنح المادية، حيث أصدر الملك سلمان ضمن قراراته مرسومًا بإعادة جميع البدلات والمزايا المالية والمكافآت إلى موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين والتي كانت قد استُقطعت سابقًا في إطار الإجراءات التقشفية في المملكة، كذلك مغازلة السعوديين عبر تفعيل سبل مكافحة الفساد وهو ما قوبل بترحاب شديد من المجتمع السعودي، فلأول مرة في تاريخ المملكة يتم إعفاء وزير من منصبه  (خالد العرج، وزير الخدمة المدنية المقال) وتقديمه للمحاكمة بتهم تتعلق بالفساد، وهو ما رآه البعض رسالة قوية للفاسدين وجرس إنذار لهم، حيث أصدر العاهل السعودي مرسومًا بتشكيل لجنة وزارية للتحقيق معه فيما ارتكبه من تجاوزات تتعلق بتعيين نجله بالمخالفة للقانون.

وفجر اليوم أصدر الملك سلمان ضمن حزمة قراراته مرسومًا يفيد بإعادة جميع البدلات والمكافآت والمزايا المالية لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين التي تم إلغاؤها أو تعديلها أو إيقافها إلى ما كانت عليه، بمعنى حصول السعوديين على ما تم اقتطاعه منهم في السابق تحت بند التقشف بأثر رجعي.

وصدقت تسريبات العتيبة

الأوامر الملكية الصادرة فجر اليوم كشفت وبنسبة كبيرة صحة تسريبات السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، والتي أوردت خطابات متبادلة بينه وبين الصحفي الأمريكي ديفيد إغناتيوس، سعى من خلالها السفير الإماراتي لدعم ابن سلمان عن طريق بعض الموضوعات الصحفية.

مخطط العاهل السعودي للتمهيد لنجله نحو الوصول إلى كرسي الحكم على حساب محمد بن نايف اعتمدت في كثير من مراحلها على استراتيجيات القوى الناعمة

إحدى الرسائل المسربة كشفت إرسال الصحفي الأمريكي مقابلة له أجراها مع محمد بن سلمان في 20 من أبريل/نيسان الماضي للعتيبة، حيث كان الحوار الإلكتروني بين الطرفين في 21 من أبريل/نيسان، أي بعد يوم واحد من المقابلة، وهو ما يعني أن السفير الإماراتي كان وراء إجراء هذه المقابلة بهدف تلميع ابن سلمان، فضلًا عن مقال آخر كان قد كتبه أغناتبوس في صحيفة "واشنطن بوست"، تناول فيه صعود الأمير محمد بن سلمان.

ورغم النفي الإماراتي والسعودي المتكرر منذ الإفصاح عن هذه التسريبات، فإن قرارات العاهل السعودي اليوم فندت تلك المزاعم لتؤكد صحتها وتبرهن على المخطط الإماراتي السعودي للإطاحة بالأمير محمد بن نايف والتصعيد بنجل سلمان.

كيف مهدت الأزمة القطرية لهذا الانقلاب؟

وفق تقارير سابقة فإن محمد بن نايف يرى في قطر حليفًا أقرب للسعودية من الإمارات مما يعني رفضه الضمني أو تحفظه على أقل تقدير للسياسات الخليجية والعربية الداعمة لفرص حصار على الشعب القطري، وهو ما يعني وقوفه على النقيض تمامًا من فريق محمد بن سلمان الذي يسير في ركاب أبناء زايد بصورة كبيرة ويرى فيهم الحليف الأقوى والشريك الفعلي لا سيما بعد الدعم غير المسبوق الذي تقدمه أبو ظبي له في الداخل والخارج وهو ما كشفته تسريبات العتيبة، وهنا كانت بداية النهاية.

تشير التوقعات إلى أن هذه الخطوة السعودية من الصعب أن تكون بمنأى عن البيت الأبيض

العلاقات القوية التي تربط بين أمير قطر وابن نايف يبدو أنها أثارت حفيظة الديوان الملكي السعودي بصورة كبيرة، وهو ما سرع من مخطط الإطاحة به في أقرب وقت، ابن سلمان أدرك مؤخرًا أن الوصول إلى العرش يتطلب في البداية إنهاء أي تأثير قطري في الساحة الخليجية وعلى مستوى الإقليم، حتى لا تصطدم المملكة بأي معارضة خليجية في حال الانقلاب على ابن نايف وإعلانه وليًا للعهد، الأمر الذي يرجح وبصورة كبيرة تلك الأقاويل التي تشير إلى أن الأزمة مع قطر ليست بسبب دعم الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين، وليست بسبب العلاقات التي تربط الدوحة مع إيران، فالإمارات والكويت وعمان تتمتع بعلاقات اقتصادية وسياسية أكبر بعشرات الأضعاف من قطر، لكن الأزمة تكمن في معركة يخوضها ابن سلمان لاعتلاء العرش سريعًا.

الأزمة القطرية الأخيرة كشفت وبصورة جلية تطابق الرؤى بين ابن سلمان ومحمد بن زايد في كثير من الملفات والقضايا، على رأسها إجهاض الثورات العربية، مناهضة الإسلاميين، فرض التطبيع مع إسرائيل، إنهاء القضية الفلسطينية، تبني رؤية تفصيلية فيما يتعلق بملامح الإسلام الجديد الذي يتماشى مع القيم الأمريكية لمواجهة العنف والتطرف، وهي رؤية قريبة حد التطابق مع رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعم القوي للأميريْن الخليجييْن، ومن ثم كانت الإطاحة بكل ما له علاقة بالدوحة وتوجهاتها المعادية لتوجهات الأميرين أمرًا واجبًا، وهو ما كان بالفعل.

ابن سلمان أدرك مؤخرًا أن الوصول إلى العرش يتطلب في البداية إنهاء أي تأثير قطري في الساحة الخليجية وعلى مستوى الإقليم، حتى لا تصطدم المملكة بأي معارضة خليجية في حال الانقلاب على بن نايف وإعلانه وليًا للعهد

للإمارات دور محوري في التسويق لابن سلمان داخليًا وخارجيًا

تبلور محور ابن سلمان

كما أسلفنا كان الأمير محمد بن نايف معروفًا بتوجهاته المتقاربة مع قطر في مقابل التنافر مع المحور الإماراتي، ولا دليل أكثر من عقد بن نايف بصفته وزيرًا للداخلية اتفاقية أمنية مع وزير الداخلية القطري قبيل شهر واحد من الأزمة القطرية، مما يعني أن محوره داخل الممكلة بالتأكيد كان غير راضٍ عن التحركات ضد قطر.

في المقابل يعني ابن سلمان حاليًا بحشد الجبهة الداخلية مع توجهاته التي خاضت التصعيد ضد قطر وذلك بمساعدة إماراتية، وإزاحة ابن نايف تبلور بوضوح محور ابن سلمان وتوحد الرؤية الداخلية السعودية ولو ظاهريًا على الأقل.

لكن تأثير القرارات الداخلية السعودية على التوجهات الخارجية ليس معلومًا بشكل كافٍ حتى اللحظة، فالأمور سوف تتجه نتيجة أي تصعيد قادم ضد قطر إلى مزيد من التعقيد، فيما يذهب مراقبون إلى أن صناعة الأزمة مع قطر كانت هذه اللحظة الداخلية ضمن أحد أهدافها، وقد يكتفي الرجل بهذا المكسب من غبار الأزمة القطرية بإزاحة غريمه في السلطة، خاصة أن الإشارات الغربية بدأت تتضح تجاه حصار قطر، إذ بدأت أوروبا والولايات المتحدة بالحديث عن ضرورة حتمية لإنهاء حصار قطر.

ماذا عن الدور الأمريكي؟

تشير التوقعات إلى أن هذه الخطوة السعودية من الصعب أن تكون بمنأى عن البيت الأبيض، إذ إن هناك ثلاثة محاور أساسية لا بد من توافرها من أجل اتخاذ مثل هذه القرارات التي في مضمونها تعتبر "انقلابًا" داخل المملكة، وهي الشعب السعودي، الأسرة الحاكمة، الدعم الأمريكي.

العاهل السعودي نجح في كسب ولاء وتأييد شعبه عبر قرارات المنح والعطاءات وإعادة البدلات والمكافأت والحوافز، وهذا أبرز ما يهم السعوديين، كذلك استطاع أن يظفر بدعم الأسرة الحاكمة وهو ما يتجسد في مبايعة ولي العهد الجديد حتى من قبل الأمير محمد بن نايف نفسه.

ويبقى العنصر الثالث والأهم وهو المباركة الأمريكية لهذه الخطوة، وهو ما كان بالفعل، فالرئيس الأمريكي الذي نجح في الحصول على صفقات تتجاوز 400 مليار دولار خلال زيارته الأخيرة، أعطى الضوء الأخضر للرياض وحلفائها في المنطقة بالمضي قدمًا نحو ما أسماه مكافحة الإرهاب بأي وسيلة حتى ولو كان بالتخلص من الأنظمة التي تراها واشنطن داعمة للإرهاب فضلاً عن المؤيدين لتلك الأنظمة في الداخل والخارج.

واشنطن بين ابن نايف وابن سلمان

فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة من التغييرات الداخلية في هيكل السلطة السعودية، يُنظر إلى زيارة ترامب الأخيرة إلى الممكلة كاعتماد للشاب محمد بن سلمان، الذي لم يؤخذ بجدية كافية في عهد أوباما.

إلا أن المؤسسات الداخلية الأمريكية كانت محتفظة بعلاقات جيدة مع "أمير مكافحة الإرهاب" محمد بن نايف، لذا لم يُعتقد أن إزاحته ستكون سلسلة خاصة أن التنافس كان محمومًا بينه وبين ابن سلمان في واشنطن، لكن فيما يبدو كان محمد بن سلمان ومن خلفه والده قادرًا على حسم الأمور سريعًا لصالحه.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب محمد المنشاوي المتخصص في الشؤون الأمريكية في مقال له بعنوان "حيرة واشنطن بين ابن نايف وابن سلمان" نشر في مطلع العام 2016 في جريدة الشروق المصرية:

"تعرف واشنطن جيدًا محمد بن نايف، فالرجل درس فى إحدى جامعات ولاية أوريجون، وتدرب كذلك فى مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI، وخلال سنوات خدمة والده كوزير للداخلية، خدم محمد كنائب له، واقترب من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية نتيجة إشرافه على ملفات شديدة الحساسية كمواجهة تنظيم القاعدة داخل السعودية، وتبنيه لبرامج إعادة تأهيل وإصلاح للإرهابيين".

"وأشرف محمد بن نايف مباشرة على التنسيق الأمنى والاستخباراتى مع نظرائه الأمريكيين، وهو ما دعا جورج تينيت، المدير الأسبق للسي آي إيه للقول "إنه الأهم من بين الأشخاص الذين تحدثت إليهم، فهو شاب نسبيًا، وقد وضعنا فيه قدرًا كبيرًا من الثقة وأوليناه احترامًا عظيمًا"، ومدح كذلك ليون بانيتا، المدير السابق للمخابرات الأمريكية، وأشاد بقدرات محمد بن نايف قائلاً عنه: "إنه الأذكى والأكثر خبرة في أبناء جيله".

ويضيف مقال المنشاوي: "خلال الأشهر الأخيرة مثل صعود نجم محمد بن سلمان مفاجأة كبيرة لواشنطن، ودوائر صنع القرار بها، ولا تعرف واشنطن ابن سلمان، فهو قد تلقى تعليمه داخل السعودية، ولم يعش التجربة الأمريكية كغيره من الأمراء السعوديين، وتتعرف واشنطن على محمد بن سلمان من خلال آليتين مختلفتين، تتمثل أولهما في الأخبار التي لا تتوقف عن مغامراته وأنشطته السياسية والعسكرية، وتمثل كتابة معلقين أمريكيين من العيار الثقيل عن ابن سلمان الآلية الثانية، أخبار الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وسيطرة محمد بن سلمان على القرار بشأنها، إضافة لأخبار مثل الإعلان المفاجئ عن تحالف عسكري للدول السنية، والذي فوجئت به واشنطن، وترؤسه كذلك لمؤتمر المعارضة السورية في الرياض، وقبل ذلك لقاءات مثيرة مع مسؤولين روس وصينيين وباكستانيين، جعلت واشنطن تنتبه للأمير الشاب".

وقال المنشاوي متوقعًا: "قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للترحيب بوصول محمد بن سلمان لسدة الحكم رغم ما لديها من عوامل قلق وتحفظات ترتبط بقراراته المتسرعة وقلة خبرته من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم معرفتها به وعدم معرفته هو بواشنطن وبأمريكا، بعض الأمريكيين يعتقدون أن ابن سلمان يمثل فرصة حقيقية لإجراء تحديث مؤجل داخل المملكة ينقلها للقرن الحادي والعشرين على غرار ما ذهبت إليه دولة الإمارات على سبيل المثال، إلا أن البعض يدرك أيضًا أنه كفرصة قد يتحول لأزمة لا يمكن معها السيطرة على زمام أمور الحليف السعودى المهم".

 وماذا بعد؟

السؤال الأكثر حضورًا الآن في أذهان السعوديين في الداخل والمهتمين بالشأن السعودي والعربي في الخارج هو: ماذا بعد تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد؟

العديد من السيناريوهات فرضت نفسها على بورصة التكهنات عقب الساعات الأولى من إصدار الأوامر الملكية فجر اليوم، لعل أبرزها ما أشار إليه البرلماني الكويتي السابق ناصر الدويلة، من أن مخاطر داخلية عدة ستترتب على هذه القرارات، حيث كتب في تغريدة له عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "عزل الأمير محمد بن نايف فجر اليوم سيكون له انعكاسات من الصعب تصورها والله يجعل الخير فيما يختاره لأمة نبيه ويحفظ بلاد الحرمين من الفتن".

لكنه في الوقت ذاته توقع أن يتم تصعيد ابن سلمان ليصبح ملكًا للسعودية خلال الفترة القادمة عبر تنازل والده عن الحكم، حيث كتب يقول: "حسب تجارب التاريخ قد يستتبع عزل سمو الأمير محمد بن نايف تنازل الملك وتنصيب سمو الأمير محمد بن سلمان ملكًا للبلاد في الأيام القليلة القادمة".

إلا أن البعض قلل من حدوث أي اضطرابات داخلية جراء هذه التغييرات، خاصة بعد رضوخ ابن نايف ومبايعته لولي العهد الجديد، فضلاً عن نجاح العاهل السعودي في "تسكين" السعوديين عبر حزمة المنح والبدلات التي تمثل المحور الأهم لديهم بصرف النظر عمن يحكم، كما تم ذكره سابقًا.

البعض توقع أن يتم تصعيد ابن سلمان ليصبح ملكًا للسعودية خلال الفترة القادمة عبر تنازل والده عن الحكم

وخارجيًا فقد يأتي هذا القرار ليزيد الأزمة القطرية الخليجية تعقيدًا، فبعد الإطاحة بأحد أبرز الأصوات العاقلة داخل الديوان الملكي والتي كانت تطالب بحلحلة الأزمة والإتيان بمحمد بن سلمان الحليف الأقوى لأبناء زايد في توجهاتهم العدائية ضد النظام القطري، فمن الصعب تخفيف حدة التوتر في الوقت القريب.

وفي المقابل هناك رأي آخر يرى أن ابن سلمان سيتجنب المزيد من الصراعات الخارجية وسيسعى للتهدئة سواء مع قطر أو مصر أو تركيا وذلك بهدف الترسيخ لحكمه وعدم استثارة أنظمة وحكومات الجوار ضده، إذ إن كل ما يهم الرجل الآن اعتلاءه كرسي المملكة خلفًا لوالده دون عراقيل أو معارضة، لا من الداخل أو الخارج، حسبما يشير أنصار هذا الرأي.

كما أنه من المتوقع أن تسير العلاقات السعودية الأمريكية إلى مزيد من التنسيق والتقارب في ظل المساعي المتواصلة من قبل ابن سلمان لخطب ود ترامب وإدارة البيت الأبيض الجديدة، إضافة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع "إسرائيل" ودول الجوار بشكل عام والإمارات بشكل خاص.

وفي سياق آخر يرى البعض أن توجهات الرياض حيال بعض الملفات سيعاد تشكيلها بصورة ما لا سيما فيما يتعلق بالموقف من الملف السوري، حيث من المتوقع أن تسير في ركاب واشنطن حتى ولو كان ذلك عبر سياسات عارضتها السعودية من قبل كدعم للأكراد واستبعاد بعض فصائل المعارضة من المعادلة وهكذا.

ومن ثم فإن هذه الخطوة التي أطاحت بمحمد بن نايف الذي آثر عدم الصدام مع الملك وابنه خاصة في ظل هذه الموجة العاتية من الاتهامات له بمحاباة النظام القطري، تمهد الطريق نحو تدشين المحور السعودي الإماراتي وفق ما يتماشى مع أهواء أبناء زايد، مما يثير الكثير من التخوف والقلق عما يمكن أن يسفر عنه هذا التحالف تجاه المنطقة برمتها.