في كتابه "البروباجندا" المنشور عام 1928، ذكر إدوارد بيرنيز أن السياسة تجارة الولايات المتحدة الأولى، فقد تعلم القائمون على الأعمال التجارية وأصحاب الشركات الكبرى كل شيء قامت السياسة بتعليمه وتدريسه في الولايات المتحدة، إلا أن السياسة فشلت في تعلم أساليب التجارة والرأسمالية، من حيث سيطرتها على الجماهير وبيعها المنتجات والأفكار التي تريد نشرها بالتحديد.

كان هذا رأي إدوارد بيرنيز في بدايات القرن العشرين الماضي، إلا أنه يبدو أن هناك رجل سياسي واحد تعلم الكثير من التجارة وريادة الأعمال ودمج ما تعلمه في مجال السياسة في عصرنا الحالي، ألا وهو دونالد ترامب، المعروف برجل الأعمال الناجح قبل أن يتحول ليكون رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا المقال ليس عن دونالد ترامب، بل عن الرجل الذي أراد لرجال أعمال مثل دونالد ترامب أن يتولوا مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، فعلى الرغم من جهل الأغلبية به، كان الرجل صاحب حجر الأساس في نجاح نظام الرأسمالية خلال القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، وهو إدوارد بيرنيز.

في العشرينيات من القرن الماضي، خرج فرويد بنظرياته عن الطبيعة الإنسانية وغرائز الإنسان التي قد تدفعه لارتكاب أفعال حيوانية أو وحشية، أو في سياق آخر غير عقلانية، والتي كان من رأيه أنه يجب التحكم في تلك الغرائز من قبل الجهات الأكثر تأثيرًا والأعلى سلطة، إلا أن العالم أجمع يعرف من هو فرويد ويعرف الأغلبية نظرياته أيضًا، لكنهم يجهلون الرجل الذي استخدم نظريات فرويد عن الطبيعة الإنسانية وطبقها على أرض الواقع، فلم تعد الحكومات تحل محل الجهات الأكثر تأثيرًا على غرائز الإنسان الوحشية، بل أصبحت تلك الجهة هي الشركات والمؤسسات الربحية الكبرى.

الأب الروحي للعلاقات العامة

كتاب لإدوارد بيرنيز بعنوان "بلورة الرأي العام"

قرر إدوارد بيرنيز أن يكون له أسلوبه الخاص في التلاعب باللاوعي الخاص بالجماهير، ليكون القرار الذي تتخذه في النهاية قرارًا يصب في مصلحة الشركات الربحية الكبرى

كما كان الهاجس الأكبر للسياسة في ذلك الوقت من عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها هو كيفية التحكم في الجماهير والحشود، زرع إدوارد بيرنيز الهاجس ذاته لدى الشركات الربحية الكبرى، ولكن كان عندهم ذلك الهاجس في سياق كيفية اكتشاف غرائز ورغبات المستهلكين الأنانية أو الوحشية، على حسب رأي عالم النفس الشهير فرويد، ومن ثم تطويع المنتجات على هذا الأساس، ليبدأ من هنا عصر "المادية" أو عصر "الاستهلاكية".

يُلقب إدوارد بيرنيز، وهو ابن أخت عالم النفس فرويد، بالأب الروحي في مجال العلاقات العامة، والذي بدأ بتأسيّسه في أواخر القرن التاسع عشر، كان حينها نجمه ساطعًا بين الشركات، فتنافست الشركات فيما بينها على توظيف أفضل الموظفين في العلاقات العامة، حيث يصفها بيرنيز نفسه في أحد المؤتمرات الصحفية في التسعينيات من القرن الماضي بأن العلاقات العامة ما هي إلا وجه آخر للبروباجندا، ولأن البروباجندا أو الدعاية يساء فهمها في كثير من الأحيان، فكان يجب علينا إيجاد اسم آخر لها، وكان هذا المصطلح هو العلاقات العامة.

كان إدوارد بيرنيز أول من استخدم طريقة فرويد في التحليل النفسي للمستهلكين والزبائن، من أجل التحكم في اللاوعي الخاص بهم، أو في سياق آخر للتلاعب به وجعله يشتري ما لا يحتاج ظنًا منه أنه يرغبه.

اتفق كل من فرويد وإدوارد بيرنيز على أن هناك الكثير من العوامل الظاهرة والخفية تحدد طريقة البشر في اتخاذ القرارات، والتي منها بالطبع قرار شراء بعض المنتجات أو استهلاكها، وآمن كلاهما أيضًا أن تلك العملية المعقدة لا تقتصر على الفرد وحده فقط، بل تكون أكثر تعقيدًا إذا ما كَبُر العدد ووصل إلى أعداد كبيرة من الجماهير المستهلكة.

قرر إدوارد بيرنيز أن يكون له أسلوبه الخاص في التلاعب باللاوعي الخاص بتلك الجماهير، ليكون القرار الذي تتخذه في النهاية قرارًا يصب في مصلحة الشركات الربحية الكبرى في الأساس، فابتعد أسلوبه عن تلقين الجماهير معلومات وحقائق تضجر من سماعها، بل تلاعب باللاوعي والمشاعر والغرائز الخفية عن طريق التحليل النفسي الخاص بفرويد.

استخدم بيرنيز التحليل النفسي ليجد ما الذي تعنيه السجائر للنساء، ومن ثم وجد أن السيجارة تعني لدى النساء القوة والسيطرة الذكورية، ومن هنا خرج بفكرة ثورية أقنع بها النساء على التدخين

أول تجربة للتلاعب بالرأي العام

بداية ظهور الإعلانات الخاصة بتدخين النساء

كانت أول تجارب بيرنيز في ذلك محاولة إغراء النساء لشراء السجائر، لم تكن تلك بمهمة سهلة كما يتوقعها البعض مقارنة بمقاييس يومنا هذا، فحتى في الأوساط الأوروبية والأمريكية لم يكن من المعتاد أو من المألوف رؤية امرأة تدخن السجائر في الأماكن العامة، كما لم تكن مبيعات السجائر للرجال في محل مقارنة من الأساس مع مبيعاتها للنساء، إلا أن بيرنيز أثبت نجاحه في تغيير تلك المعادلة كليًا.

طلب جورج هيل مؤسس صناعة السجائر في الولايات المتحدة من بيرنيز أن يجد طريقة يستطيع بها إقناع النساء بشراء السجائر وتدخينها في الأماكن العامة، فاستخدم بيرنيز التحليل النفسي ليجد ما الذي تعنيه السجائر للنساء، ومن ثم وجد أن السيجارة تعني لدى النساء القوة والسيطرة الذكورية، ومن هنا خرج بفكرة ثورية أقنع بها النساء على التدخين في الأماكن العامة.

أقنع بيرنيز مجموعة من النساء بالتدخين في أثناء موكب شهير سنوي يحضره الآلاف من المتفرجين في الولايات المتحدة، كما أخبر الصحفيين بأمر مجموعة من المتمردات ينوين التدخين في أثناء مشاركتهم في تلك المسيرة، كما علق لافتة بين أيديهن تقول "مشاعل الحرية"، حينها كان أمام الجماهير مجموعة من المتمردات يشرن إلى أن تدخين المرأة في الأماكن العامة تحدٍ للسيطرة الذكورية، وهو في حد ذاته فعل يدل على الحرية والاستقلالية.

بيرنيز كسر "التابو" أو استهجان تدخين المرأة في الأماكن العامة وحوله إلى ظاهرة اجتماعية مقبولة ليخدم مصالح شركات التبغ

كان إدوارد بيرنيز أول من استخدم طريقة فرويد في التحليل النفسي للمستهلكين والزبائن، من أجل التحكم في اللاوعي الخاص بهم، أو في سياق آخر للتلاعب به، وجعله يشتري ما لا يحتاج ظنًا منه أنه يرغبه

لم يكن ذلك مجرد استعراض أمام الكاميرات، بل كان حقيقة أدت إلى ارتفاع نسبة مبيعات السجائر للنساء بشكل جنوني، فكان أمام الجماهير في تلك الحادثة مجموعة حقيقة تمثلهن، يدخن بالفعل في مكان عام، ومعهن عبارة عقلانية تحاول ربط كل تلك العناصر في لاوعي المشاهد بأن التدخين بالفعل يعني الحرية للمرأة والاستقلالية، وهو المبدأ الذي ما زال مُتدوالاً حتى الآن.

كانت تلك أول تجربة لبيرنيز للتلاعب بلاوعي الجماهير وتحريكهم من أجل خدمة مصالح الشركات الكبرى، فكان المُحرك الأساسي لفكرة شراء المنتجات ليس فقط لأننا نحتاجها، بل لأننا سنشعر بشعور أفضل حيال أنفسنا، أو بالرضا عن أنفسنا إذا ما اشترينا تلك المنتجات.

في هذا المقطع تتحدث إحدى الممثلات عن "علم نفس الأزياء" في صورة واضحة لتأثير إدوارد بيرنيز في ربط علم النفس والخصائص الشخصية بالمنتجات المادية، حيث تتحدث عن كيفية تعبير كل ما نشتريه ونرتديه عن أنفسنا، فهي ليست مجرد منتجات مادية بل تُعبر عن هويتنا الشخصية ونبرز فيها معالمنا النفسية وطريقة تفكيرنا.

كان ذلك حجر الأساس في تحويل ثقافة الولايات المتحدة بشكل خاص، والعالم بشكل أوسع وأكثر شمولية، من ثقافة مستهلكة بناءً على حاجات البشر، إلى ثقافة مستهلكة بناءً على استغلال رغباتهم

جاء مبدأ بيرنيز ذلك في وقته المناسب تمامًا، حيث كانت الولايات المتحدة على رأس قائمة الدول المُصنعة والمُصدرة إلى الخارج، فكانت الشركات تنتج المنتجات بكميات هائلة، زادت من خطر وجود إنتاج زائد عن حده لدرجة أن يكتفي المستهلكون بما عندهم فيتوقفون عن الشراء، إلا أن مبدأ بيرنيز كان المنقذ لتلك الأزمة، فقد كان مبدأه عونًا للشركات على صناعة المنتجات بناءً على ما يرغبه المستهلك، وهذا يعني بداية التنوع في الإنتاج وتخصيصه ليكون مبني في الأساس على رؤية المستهلك ولكن بأيدي الشركات.

كان ذلك حجر الأساس في تحويل ثقافة الولايات المتحدة بشكل خاص، والعالم بشكل أوسع وأكثر شمولية، من ثقافة مستهلكة بناءً على حاجات البشر، إلى ثقافة مستهلكة بناءً على استغلال رغباتهم وغرائزهم الأنانية التي تلح على إشباعها طول الوقت.

أصبح بيرنيز مستشارًا مهمًا للعلاقات العامة في أغلب الشركات الأمريكية الكبرى، حيث استطاع استغلال غرائز الإنسان التي لا يتحكم بها عن طريق وعيه، وآمن بأن ما يُحفز الإنسان هي تلك الغرائز غير المنطقية وغير العقلانية، فاستغلها وربطها بالمنتجات الاستهلاكية، فقد آمن أن تلك الجماهير من المستهلكين غير قادرة على اتخاذ قرار عقلاني وحدها، ولهذا يجب على الشركات الربحية التحكم بها عن بعد من أجل تحقيق أكبر قدر من الربح والمكسب.