العلاقات الإسرائيلية الإفريقية أصبحت أقوى مما كانت

منذ السنوات الأولى لعلاقة "إسرائيل" بالقارة الإفريقية لعب جهاز الاستخبارات الإسرائيلي - وما يزال - دورًا بالغ الأهمية في تسهيل دخولها إلى إفريقيا وإنشاء مراكز نفوذ لها في عدد من العواصم الإفريقية، ناهيك عن العلاقات المتميزة بين الموساد والعديد من أجهزة الاستخبارات الإفريقية الذين تدربوا في "إسرائيل" أو قام ضباط إسرائيليون بتدريبهم في أوطانهم، وتسعى "إسرائيل" من وراء ذلك إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعسكرية والسياسية، والخروج من عزلتها الدبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الإفريقية كنافذة لدخول اقتصادي أكبر.

النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية قديم، ويعود إلى السنوات الأولى بعد إعلان قيام دولة "إسرائيل"، ففي بداية الخمسينيات من القرن العشرين شكل الصهيوني ديفيد بن غوريون فريق عمل لبحث كيفية التعامل مع البيئة المحيطة من دول عربية وإفريقية.

وضم هذا الفريق كبار الخبراء في الشؤون الاستراتيجية والسياسية والأمنية والدبلوماسية، ولعب الموساد منذ تلك الفترة الدور المحوري في تنفيذ السياسات الصهيونية لاحتواء القارة الإفريقية وذلك عبر إرسال أكثر من خمسة آلاف خبير ومستشار في الشؤون العسكرية والأمنية والبناء والزراعة، من أجل بناء وتنظيم جيوش تلك الدول وتدريب أجهزتها الأمنية، وخاصة  في إثيوبيا وأوغندا وغينيا وغانا وجنوب السودان والكونغو وإرتيريا وجنوب إفريقيا وزائير وتنزانيا، هذه الدول التي يمتلك الموساد الإسرائيلي فيها علاقات تنسيق وتعاون مع أجهزتها الاستخبارية، ومع كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين فيها، وتوظف "إسرائيل" هذه العلاقات لمحاصرة الدول العربية والضغط عليها لأجل القبول بها كدولة جارة غير مغتصبة.

تمثل منطقة حوض النيل التي تشمل كلاً من السودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإرتيريا وكينيا وأوغندا والكونغو  وبوروندى ورواندا ومصر بأهمية استثنائية في الاستراتيجية الجيوسياسية الإسرائيلية

وفي ستينيات القرن الماضي باعت "إسرائيل" عبر جهاز مخابراتها أسلحة وعتادًا إلى الحركة الشعبية لتحرير أنغولا التي كانت تقاتل الاستعمار البرتغالي وتسعى لنيل الاستقلال، ودربت أيضًا المئات من مقاتلي الحركة، لكنها عادت في بداية السبعينيات بتزويد ودعم طرفي الصراع في أنغولا، وكانت المخابرات الإسرائيلية بالتنسيق مع المخابرات الزائيرية ترسل شحنات من الأسلحة للطرفين، ومن المهم معرفة أن أنجولا تعتبر خامس أكبر دولة منتجة للألماس في العالم.

وقد كشفت تحقيقات أجرتها أجهزة مخابرات أوروبية في العام 2013 عن تورط ابنة الرئيس الأنغولي وملياردير إسرائيلي يدعى إيهود لنياد" في واحدة من أكبر عمليات غسل الأموال التي أعلن عنها في بلجيكا، حيث كان يجري تهريب الألماس من أنجولا إلى بلجيكا بالتعاون مع الشريك اليهودي البلجيكي سيلفان جولدبرج دون دفع ضرائب، وقد تدخلت أجهزة المخابرات الإسرائيلية للوصول إلى تسوية للقضية، مما يؤشر ويدعم الشبهات عن الدور القذر الذي يلعبه الموساد الإسرائيلي في الكثير من الملفات في القارة السمراء، وهذا ما كان يتم لولا التنسيق الأمني مع المخابرات الأنغولية التي كانت على علم بنشاطات ابنه الرئيس في تجارة الألماس.

لكن لماذا تكلف "إسرائيل" جهاز المخابرات الإسرائيلية بمعالجة بعض الملفات الساخنة سياسيًا واقتصاديًا؟

سوف نحاول هنا إجراء مقاربة تحليلية لهذا السؤال

تمثل منطقة حوض النيل التي تشمل كلاً من السودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإرتيريا وكينيا وأوغندا والكونغو وبوروندى ورواندا ومصر أهمية استثنائية في الاستراتيجية الجيوسياسية الإسرائيلية، لذلك ليس مفاجئًا أن ينشط فيها جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، الذي يوجد في القطاعات كافة التي تشكل محاور اهتمام القيادة الإسرائيلية، في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية في دول حوض النيل.

يساعد هذا العمل المخابراتي الذي يقوم به الموساد على أن تحقق

"إسرائيل" أهدافها المتمثلة في القطاع الزراعي على سبيل المثال الذي أولته قدرًا كبيرًا من الاهتمام نظرًا لأنه ميدان مرتبط باستغلال مياه النيل الذي تعتبرها ساحة مواجهة مع مصر، وتشير تقارير وزارة الخارجية الإسرائيلية أن 46 شركة إسرائيلية تعمل في إثيوبيا في مجال الزراعة.

أنشأت "إسرائيل" قاعدة أمنية ومراكز تجسس في إرتيريا لمراقبة النشاط  الإيراني في البحر الأحمر

وفي منطقة القرن الإفريقي القريبة من اليمن التي تلتهب بحرب شنتها قوات التحالف العربي في مواجهة المد والتوسع والنفوذ الإيراني، حيث أدركت "إسرائيل" قبل غيرها هذا الخطر الذي يمثله الوجود الإيراني في منطقة باب المندب، فهو يشكل رئتها الاقتصادية لنقل بضائعها إلى القارة الآسيوية، لذلك عمدت منذ وقت مبكر أن يكون لها وجود أمني استخباراتي في هذه المنطقة من إفريقيا لتكون على علم بكل ما يجري فيها.

واستطاعت أن تبني علاقات متينة مع دول القرن الإفريقي، حيث عمل جهاز الموساد الإسرائيلي على إنشاء جبهة من إثيوبيا وإرتيريا وكينيا كي يتم من خلالها التصدي للجماعات المتطرفة في الصومال من جهة، ولمواجهة الوجود الإيراني الذي بدأ يظهر ويتمدد في تلك المنطقة التي تشهد حربًا استخباراتية بين "إسرائيل" من جهة وإيران من جهة ثانية.

وقد أنشأت "إسرائيل" قاعدة أمنية ومراكز تجسس في إرتيريا لمراقبة النشاط  الإيراني في البحر الأحمر، ومن المعروف أن إرتيريا و"إسرائيل" ترتبطان بمعاهدة أمنية وعسكرية تم توقيعها في العام 1996، وقدمت إريتيريا تسهيلات كبيرة لها لتعزز وجودها الأمني في أرخبيل "داهلاك"، وبذلك تتمكن المخابرات الإسرائيلية بمساعدة المخابرات الإرتيرية بجمع معلومات عن المملكة العربية السعودية واليمن والصومال والسودان، ومراقبة الحركة الإيرانية كذلك.

شكلت "إسرائيل"  إطار ًا جديدًا أسمته "الماشاف" وهي هيئة التعاون الدولي، مهمتها التنسيق بين الإدارات الحكومية والوزارات وشركات القطاع العام والخاص الإسرائيلي بهدف اختراق القارة الإفريقية

والنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية يعود إلى بداية قيام الدولة العبرية، حيث قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير بجهود جبارة لبناء علاقات مع الدول الإفريقية لفك عزلة "إسرائيل" واكتساب أصوات لصالحها في الأمم المتحدة، لذلك أسست "إسرائيل" شبكة أمنية قوية في منطقة القرن الإفريقي والساحل الشرقي، واستند النشاط الإسرائيلي لتحقيق هذه الغايات على نشاط وزارة الخارجية التي تقوم بنشاط  دبلوماسي يقوم معظمه عبر عملاء للموساد الإسرائيلي.

ومن جهة أخرى شكلت "إسرائيل" إطارًا جديدًا اسمته "الماشاف" وهي هيئة التعاون الدولي، مهمتها التنسيق بين الإدارات الحكومية والوزارات وشركات القطاع العام والخاص الإسرائيلي بهدف اختراق القارة الإفريقية.

ولم تكن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية بعيدة عن هذه الهيئة، فقد أنيطت بالموساد الإسرائيلي مهام أمنية تحت ستار التعاون، إذ تتشعب علاقات الموساد وهيئة التعاون مع كثير من المنظمات داخل وخارج "إسرائيل"، وأسست الهيئة المعهد الآفرو - الآسيوي والمركز الدولي للتأهيل المعروف باسم "كرمل"، إضافة إلى أنها تصدر مجلة السلام بخمس لغات، وترسل نسخًا من المجلة إلى جميع الذين سبق لهم التخرج  من دورات أو دراسة أقامتها أو أشرفت عليها منظمة الماشاف.