نقلت جريدة "النهار الجزائرية" قبل أيام قليلة، والمعروفة بقربها من الشقيق الأصغر للرئيس بوتفليقة ومستشاره سعيد، تسريبات قالت إنها تتحدث عن انزعاج الرئيس من سلسلة الإجراءات الحكومية التي باشرها الوزير الأول عبد المجيد تبون منذ أيام، في سياق مساعي الفصل بين تغلغل رجال الأعمال والساسة في صناعة القرار.

تسريبات أثرت جدلا كبيرا في الجزائر خاصة بعد وورود تقارير إعلامية تقول إن كاتب الرسالة التي حملت توقيع بوتفليقة لم يكن سوى مدير ديوانه ورئيس حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" الوزير أحمد أويحيى.

من يقف وراء التسريبات؟

ليس المهم هنا محتوى الرسالة قدر صاحبها وكاتبها، فبعدها بات الشارع الجزائري يجهل مصدر الأوامر الرئاسية، ففي ظل غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب المرض، برزت عديد الوجوه لأخذ مكانه واستغلال الموقف لتقوية رصيدها.

فلم يعد يثنيهم شيء في الزجّ باسم الرئيس بوتفليقة في حربهم لوراثة كرسيه بعد استنفاد طرق الدعاية والحرب النفسية التقليدية من خلال وسائل الإعلام، ففي الثامن من الشهر الحالي نشرت قناة "النهار" الخاصة، بياناً قالت إنه من رئيس الجمهورية للوزير الأول يطالبه فيه بـ "التوقف عن التحرش برجال الأعمال"، وأن ما "يقوم به مجرد مبادرات حكومية تم الترويج لها على نطاق واسع، وتسيء إلى سمعة البلاد في الخارج".

مؤخرا اندلعت مواجهة شرسة بين الحكومة بقيادة الوزير الأول عبد المجيد تبون، ورجال الأعمال وعلى رأسهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد

وتابعت المؤسسة المقربة من الشقيق الأصغر للرئيس بوتفليقة ومستشاره سعيد، أن بوتفليقة طالب بـ "وضع حد لفوضى المبادرات الحكومية"، كما أعرب عن أسفه لـ "طبيعة التسويق المبالغ فيه للقرارات الأخيرة للحكومة، والتي أعطت انطباعًا لدى الرأي العام الوطني والدولي، بأن هناك حملة رسمية منظمة ضد رجال المال والأعمال".

القناة ذاتها، قبل يوم واحد نشرت خبر لقاء الوزير الأول، عبد المجيد تبون، في أثناء وجوده بعطلة في فرنسا، بنظيره الفرنسي إدوارد فيليب، وكتبت أن "اللقاء جرى دون علم الرئاسة وأنه أمر غير مسبوق"، في مسعى منها لإرباك العلاقة بين قصر المرادية وقصر الدكتور سعدان. ومؤخرا اندلعت مواجهة شرسة بين الحكومة بقيادة الوزير الأول عبد المجيد تبون، ورجال الأعمال وعلى رأسهم رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، على خلفية التوجه الذي أعلنه تبون بفصل المال عن السلطة السياسية.

أحمد أويحي مدير ديوان الرئيس

وأرجع عديد المراقبين والتقارير الاعلامية هذه التسريبات إلى مدير ديوان بوتفليقة الذي يشغل أيضا منصب رئيس حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" الوزير أحمد أويحيى، واستغل أو يحي في ذلك حالة الغموض التي تغذيها الشائعات والتسريبات المنسوبة للرئيس، والراجعة إلى غيابه عن الساحة وعجزه عن حسم الأمور بشكل واضح ومباشر نظير متاعبه الصحية.

ويقول مراقبون إن الرسالة التي يقال أنّ حرّرها أحمد أويحي وأعطاها طابعا رسميا لإيهام الرأي العام الوطني والدولي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقف إلى صف رجال الاعمال ضد الحكومة، وهو ما يعتبر بمثابة أكبر انحراف في تاريخ الجزائر المستقلة، حيث أصبح مدير ديوان الرئيس لعبة في يد أصحاب المال ضد الرئيس والحكومة التي عينها الرئيس.

طموح "أو يحي"

هذه الرسالة الأخيرة التي قال مراقبون إنها راجعة لأو يحي، تؤكّد سعي الأخير لتقوية نفوذه قبل انتخابات 2019 لخلافة الرئيس العليل، فالرجل حسب مقربين له ملّ من مراوحة المكان بين رئاسة الحكومة والأمانة العامة لحزبه وبعض المناصب الوزارية منذ 1995، فهو يرى في نفسه المرشح الأمثل لخلافة بوتفليقة في منصب الرئاسة.

 وسبق أن وجه أويحي يتحدث بنبرة المرشح الموعود سهام النقد لسياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والبداية من سياسة بوتفليقة الاجتماعية، ورفعه لأجور ملايين العمال، فضلاً عن السكن والتجارة والفلاحة والتعامل مع احتياطات البلاد من النقد الأجنبي.

تؤكّد الرسالة الأخيرة التي سرّبتها وسائل الاعلام، اصطفاف أو يحي ضد الوزير الأول عبد المجيد تبون الذي اختاره بوتفليقة خلفا لعبد المالك سلال 

وما فتئ أويحي يقدّم نفسه في كل مناسبة يخرج فيها كرجل دولة، ويعلن عن مواقف سياسية وتصورات اقتصادية واجتماعية تتجاوز تصورات بوتفليقة، حيث كثيرا ما تظهر مواقف وبرنامج أويحي وكأنها عبارة عن برنامج رئاسي يسمع من خلاله للتربع على كرسي الرئاسة.

وتؤكّد الرسالة الأخيرة التي سرّبتها وسائل الاعلام، اصطفاف أو يحي ضد الوزير الأول عبد المجيد تبون الذي اختاره بوتفليقة يوم 24 من مايو 2017 لتولي منصب الوزير الأول في الحكومة الجزائرية الجديدة خلفا لعبد المالك سلال الذي فقد ثقة الرئيس عقب فشله في إقناع التحالف الإسلامي المعارض (حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير) بالمشاركة في الحكومة الجديدة وتقاسم أعباء الحكم.

ارتباك

الحرب الدائرة بين تبون ورجال الأعمال ودخول أطراف جديدة على الخط، أكّد حالة التخبّط والارتباك التي يعيش على وقعها حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر، حيث تأخر جمال ولد عباس الأمين العام لحزب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في التعليق على هذه الحرب والتسريبات التي تداولتها وسائل إعلام بشأن "أزمة الثقة" بين الرئيس الجزائري ورئيس وزرائه.

جمال ولد عباس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم

وفي تصريح يتيم، زاد الوضع غموضا قال ولد عبّاس إنّ "تعليمات بوتفليقة لا تناقش في الأصل"، حيث لم توضح الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذي يرأسه شرفيًا عبد العزيز بوتفيلقة أيّا من التعليمات يقصد، تلك التي وجهها بوتفليقة إلى الوزير الأول بشأن "محاربة الفساد والفصل بين المال والسياسة ووقف نهب العقار الزراعي والصناعي وإجبار الشركات المتأخرة في إنجاز مشاريع الإنفاق العام، على إنهائها في أقرب الآجال"، أم تلك التسريبات التي تداولها على نطاق واسع مقربون من مدير الديوان الرئاسي أحمد أويحيى ورئيس نادي رجال الأعمال علي حداد، على أنها أوامر من رئيس البلاد تلزم رئيس الوزراء الجزائري بوقف المتابعات والتحرشات ضد المتعاملين الاقتصاديين.