وكيل جهاز المخابرات السابق، رئيس شركة "فالكون"

"أكدت مصادر مطلعة من داخل شبكة قنوات الحياة، إتمام صفقة بيع قنوات الحياة بالكامل، وأوضحت أن الصفقة تمت بالفعل بهدف البيع وليس الشراكة، وأضافت المصادر أن المالك الجديد للقناة، شركة فالكون"، حالة من الجدل أثارها هذا الخبر الذي تناقلته العديد من الصحف والمواقع المصرية خلال الأيام الماضية عن شراء إحدى شركات الحراسة الأمنية واحدة من أشهر المنصات الإعلامية في مصر في السنوات الأخيرة.

سقوط شبكة قنوات "الحياة" في قبضة "فالكون" كشف النقاب عن محطة جديدة من مخطط سيطرة الأمن بمختلف مسمياته على منظومة الإعلام المصرية الذي بدأ إرهاصاته الأولى بعد ثورة يناير 2011 حينما فرض الإعلام نفسه كأحد أبرز اللاعبين المؤثرين على الساحة السياسية، إلا أن ملامحه باتت تتضح بصورة أكثر شفافية عقب 30 من يونيو 2013 في محاولة إما لاستئناسه أو الهيمنة عليه.

وبالمرور سريعًا على خارطة الأذرع الإعلامية الجديدة التي وضعها نظام ما بعد 3 يوليو  في ضوء حزمة الإجراءات والقوانين الخادمة لها والتي تقود في نهاية المطاف إلى محاولة العودة بالإعلام المصري إلى عصر الستينيات، حيث إعلام الصوت الواحد، تلك الفترة التي أشاد بها الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة بقوله: "الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظًا، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه"، فهل بات الإعلام في مصر في قبضة الأمن بصورة كاملة؟

ما هي شركة فالكون؟

فرضت شركة "فالكون جروب" نفسها على الساحة الأمنية خلال السنوات الأربعة الأخيرة، ورغم أنها تأسست عام 2006 فإن الأضواء لم تسلط عليها إلا بعد 2013 حتى إنها باتت الشركة الأكثر شهرة وحضورًا في مضمار الحراسات الأمنية وذلك بعدما احتلت 65% من حصة السوق الأمنية في مصر.

يرأس مجلس إدارة الشركة اللواء خالد شريف الوكيل السابق لجهاز المخابرات الحربية، ورئيس قطاع الأمن الأسبق في اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وتمتلك ما يقرب من 14 فرعًا بشتى محافظات مصر، ويبلغ عدد العاملين بها قرابة 22 ألف موظف يتم تدريبهم على أعلى المستويات.

حلت الشركة محل وزارة الداخلية في كثير من المواقف، حيث تؤمن 9 جامعات مصرية على رأسهم القاهرة وعين شمس، إضافة إلى العشرات من الشخصيات العامة من دبلوماسيين وكبار رجال الدولة، وبعض مكاتب الأمم المتحدة والسفارات الدولية في القاهرة.

سيطرة "فالكون" على قناة "الحياة" ومن قبلها ما تردد بشأن شرائها لقناة "العاصمة" أثار الكثير من الجدل خاصة أن من يدير أفرع الشركة وإداراتها المختلفة نخبة من كبار ضباط الشرطة والجيش وأجهزة المخابرات والأمن الوطني السابقين، وهو ما دفع البعض إلى التأكيد على أن الشركة مملوكة لإحدى الجهات السيادية دون أن يسميها.

حالة من الغموض تحيط بالشركة الأمنية التي تنفرد وحدها دون غيرها بامتلاك رخصة استخدام "البندقية الخرطوش"  من قبل أعضائها، حسبما أشار بعض المقربين منها في تصريحات لهم، فضلاً عن توغلها في شتى قطاعات الدولة لعل آخرها التعاقد مع شركة الكهرباء لقراءة العدادات المنزلية وهو ما فرض بعض التساؤلات عمن يقف وراء هذه الشركة ويقدم لها كل تلك التسهيلات والعقود والامتيازات التي لا تتوفر لأي شركة أخرى في مصر.

يرأس مجلس إدارة الشركة اللواء خالد شريف الوكيل السابق لجهاز المخابرات الحربية، ورئيس قطاع الأمن الأسبق في اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وتمتلك ما يقرب من 14 فرعًا بشتى محافظات مصر

استراتيجيات الهيمنة على الإعلام

قبل الانتقال إلى الحديث عن استراتيجيات الأمن لإحكام قبضته على منظومة الإعلام دعونا نعود إلى الوراء قليلاً، حيث ميدان التحرير عقب تنحي المخلوع حسني مبارك في 11 من فبراير 2011، حينها كان الإعلام اللاعب الأبرز في المشهد، الذي استطاع أن ينقل الصورة كاملة بكل تفاصيلها، وهو ما وضع المجلس العسكري الذي تولي زمام الأمور وقتها في مأزق وحرج أمام الشعب جراء بعض الممارسات والانتهاكات التي قامت بها قوات الأمن ضد المتظاهرين المصريين، من تعذيب وكشوف عذرية وتعرية واعتقالات.

ورغم محاولاته طمس هذه الحقائق، صوت الإعلام كان أقوى وأصدح، مما دفع المجلس حينها إلى الخروج للاعتذار للشعب عما بدر من بعض عناصر الأمن بحق المواطنين، ومن هنا أيقن القائمون على أمور البلد حينها من قيادات الجيش أن الإعلام يشكل خطرًا يهدد مستقبلهم ولا بد من تقليم أظافره.

ومنذ هذه اللحظة بدأ المجلس العسكري وخيوطه الممتدة في إعداد خطته للسيطرة على الإعلام وترويضه بشتى السبل، عبر العديد من الأذرع والاستراتيجيات المستخدمة، والتي نجحت في تحويل منظومة الإعلام من خصم  كاشف لكل الانتهاكات والتجاوزات بحق المواطنين إلى بوق يدافع عن سياسات السلطة وتوجهاتها، معتمدًا في ذلك على عدد من الخطوات والمراحل المتتالية:

أولاً: تجنيد رجال أعمال

الاستراتيجية الأولى التي اعتمد عليها النظام الحالي في إحكام قبضته على الإعلام كانت تجنيد عدد من رجال الأعمال لتكريس حكمه والعزف على أوتار التمجيد والإشادة والمديح، وذلك بزرعهم في بستان الإعلام عبر شراء بعض القنوات والصحف والمواقع الإخبارية.

ويتصدر هذه القائمة رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، والذي يوصف بأنه "ورقة النظام الرابحة" التي توظف لفرض السيطرة على الحصة الأبرز في سوق الإعلام، إذ يستحوذ على أغلبية أسهم جريدتي "اليوم السابع" و"صوت الأمة"، وموقعي "دوت مصر" و"مبتدأ"، إضافة إلى قناتي"النهار" و"أون" وراديو "9090"، كما اشترى شركة "دي ميديا" التي تمتلك حصصًا كبيرة في عدد من المواقع والقنوات الفضائية، هذا بالإضافة إلى عدد من رجال الأعمال الآخرين مثل محمد الأمين وطارق نور، وغيرهم.

ويذكر أنه خلال الأيام الماضية تعرض عدد من صحفيي "اليوم السابع"  - المملوكة لأبو هشيمة للفصل التعسفي بسبب إبدائهم لآرائهم بشأن مصرية جزيرتي تيران وصنافير على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وحين واجه الصحفيون الثلاث المفصولون (عبد الرحمن مقلد ومدحت صفوت وماهر عبد الواحد) رئيس تحرير الموقع خالد صلاح، أخبرهم بحسب - شهادتهم- أن عبد الفتاح السيسي هو المالك الجديد للصحيفة وهو لا يرغب في استمرارهم في العمل بسبب مواقفهم السياسية، بدعوى أن المرحلة المقبلة لا تحتمل آراء مختلفة عن رأي الدولة.

قائمة المستبعدين من جنة النظام الحالي كثيرة، غير من يتصدرها هم من كانوا بالأمس أشد المدافعين عن توجهاته وسياساته وأحد أبرز من كرسوا لحكمه وهيمنته على المشهد في مواجهة الإخوان

أحمد أبو هشيمة رجل الأعمال المقرب من السيسي والذي يملك حصة في عدد من الصحف والقنوات

ثانيًا: قوانين إحكام السيطرة

الاستراتيجية الثانية لإحكام الهيمنة على منظومة الإعلام في مصر كانت عن طريق إرهاب العاملين في مجال الإعلام وتضييق الخناق عليهم عبر حزمة من القوانين التي صدرت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، أبرزها:

قانون الإرهاب..والذي جاء في مادته (33): "يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عملية إرهابية، بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن"، ورغم مخالفة هذه المادة للدستور، فإنها دخلت حيز التنفيذ مبكرًا لتصبح مقصلة لكل من يغرد خارج السرب.

 قانون الإعلام المُوحًّد.. والذي أعطى لرئيس الجمهورية الحق في تعيين ما يقرب من ربع أعضاء الهيئات الثلاثة التي تم تشكيلها لإدارة وسائل الإعلام، بخلاف بقية ممثلي الحكومة والسلطة التنفيذية، ورغم اعتراض نقابة الصحفيين على هذا القانون، فإن أحدًا لم يعر ذلك أي اهتمام، مما جعل سلطة تعيين القائمين على أمور الإعلام في يد السيسي وحده ومن خلالهم يمكنه التخلص من المعارضين له في هذا المضمار.

 قانون الكيانات الإرهابية.. وهو القانون القديم الذي تم استحداثه مؤخرًا والذي يتيح للسلطات وضع ما تريد من أشخاص على قوائم الإرهاب والتحفظ على أموالهم، بما فيهم الصحفيين والإعلاميين، دون حضور جلسات للدفاع أو الطعن، الأمر الذي يعني حرمانهم من حقهم في الدفاع عن أنفسهم.

ثالثًا: ضباط بدرجة إعلاميين

أما الاستراتيجية الثالثة التي انتهجها النظام لبسط نفوذه الكامل على الإعلام بعد تجنيد رجال أعمال لصالحه وفرض حزمة القوانين والقرارات التي ترهب كل من يفكر أن يغرد منفردًا بعيدًا عن الطريق الذي تم رسمه له، كانت زرع عسكريين سابقين في هذه المنظومة، من خلال إشراكهم كملاك أو مديرين لبعض الوسائل الإعلامية.

ويمثل هؤلاء العسكريون قمة الهرم في نفوذ العسكر داخل الجهاز الإعلامي على رأسهم المتحدث العسكري السابق للقوات المسلحة العميد محمد سمير، والذي تولى إدارة قنوات "العاصمة" وبات أحد كتاب صحيفة "المصري اليوم"، فضلاً عن تعزيزه لهذا العمق والعلاقة القوية مع الإعلام من خلال الزواج من إعلاميتين خلال عام واحد فقط.

علاوة على ذلك يتقلد سمير نائب رئيس شركة "شيري ميديا" المملوكة لرجل الأعمال إيهاب طلعت، كذلك الضابط طارق إسماعيل الشريك الأساسي في قنوات "دي ام سي" كما سيتم ذكره لاحقًا، إضافة إلى الدور الذي يقوم به أحمد شعبان الضابط السابق ومدير مكتب اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي، وياسر سليم ضابط المخابرات السابق وصاحب شركة بلاك آند وايت، في مراقبة وإدارة بعض الكيانات الإعلامية.

الاستراتيجية الثانية لإحكام الهيمنة على منظومة الإعلام في مصر كانت عن طريق إرهاب العاملين في مجال الإعلام وتضييق الخناق عليهم عبر حزمة من القوانين

رابعًا: التخلص من المعارضين

الاستراتيجيات الثلاثة السابقة قادت إلى تفعيل الاستراتيجية الرابعة والتي تهدف إلى إقصاء كل من يثبت في حقه شبهة تراجع عن تأييد النظام الحالي بممارساته كافة، فالنظام لا يقبل بأنصاف الولاء، فإما ولاء كامل أو خروج عن المشهد برمته.

قائمة المستبعدين من جنة النظام الحالي كثيرة، غير من يتصدرها هم من كانوا بالأمس أشد المدافعين عن توجهاته وسياساته وأحد أبرز من كرسوا لحكمه وهيمنته على المشهد في مواجهة الإخوان والداعمين لهم، على رأسهم الإعلامي الساخر باسم يوسف والكاتب إبراهيم عيسي، والإعلاميين: محمود سعد، عمرو الليثي، ليليان داود، توفيق عكاشة، فضلاً عن تضييق الخناق على نقابة الصحفيين خلال الفترة الماضية إبان ولاية يحيى قلاش وتقديمه للمحاكمة وزميليه جمال عبد الرحيم ويحيى قلاش، عضوي مجلس النقابة.

"دي إم سي" أنموذج

تعد مجموعة قنوات "دي إم سي" الفضائية النموذج الأكثر وضوحًا على سيطرة الأمن لا سيما جهاز المخابرات حسبما يتم تداوله على فضاء الإعلام في مصر.

"نون بوست" في تقرير له تحت عنوان بـ (قنوات"دي إم سي": تليفزيون المخابرات لتجميل نظام السيسي) كشف على لسان أحمد حافظ الصحفي بالأهرام أن "هذه القنوات تستهدف جميع فئات الشعب بلا استثناء، كما أنها ستكون صوت الدولة الرسمي وحائط الصد ضد أي وسائل إعلام خارجية (عربية أو دولية) تهاجم مصر"، مشبهها إياها بـ"قناة الجزيرة المصرية".

التقرير كشف عن حجم تمويل هذه القناة والذي تجاوز مليار جنيه مصري (120مليون دولار)، كما أن التجهيزات والاستوديوهات المخصصة لها ستكون على الطراز الأوروبي، بما يضمن لها تحقيق التأثير المنشود والمتمثل في جذب الجميع إليها، من خلال حزمة من البرامج ذات الجماهيرية العالية والتي ستتحول معظمها إلى هذا المحتكر الجديد لسماء الإعلام المصري.

أما عن المالك الحقيقي لتلك المجموعة فقد كشف التقرير عن أن المخابرات الحربية خططت لإنشاء هذه القنوات لتكون صوت الدولة الجديد، والمتحدث الرسمي باسم النظام ورئيسه، بعيدًا عن المنابر الأخرى التي فقدت مصداقيتها لدى الجماهير في الآونة الأخيرة، وذلك رغم تعدد الأسماء التي قُدمت للإعلام كونها المالك الحقيقي (الواجهة) لها، منهم أحمد أبو هشيمة وطارق إسماعيل.

الاستراتيجية الأولى التي اعتمد عليها النظام الحالي في إحكام قبضته على الإعلام كانت تجنيد عدد من رجال الأعمال

أنباء عن تبعية قنوات (دي إم سي) لجهاز المخابرات المصرية

خارطة وثلاث مجموعات

الاستراتيجيات الأربعة السابقة بغية الهيمنة على منظومة الإعلام يمكن من خلالها الوقوف على أبرز ملاح خارطة الأذرع الإعلامية للنظام الحالي فيما يتعلق بالقنوات التليفزيونية وهو ما يعيدنا إلى المحور الأول الخاص بالسيطرة على القنوات الفضائية، والتي تعتمد على ثلاث مجموعات متداخلة:

المجموعة الأولى.. يتصدرها رجال الأعمال الجدد الذين تم تجنيدهم من قبل النظام لخدمة أهدافه وترسيخ كيانه في مواجهة المعارضين، وهم الواجهة الجديدة للمشروعات والاستثمارات الأمنية وإن تعددت مسمياتها، على رأسهم أحمد أبو هشيمة.

المجموعة الثانية.. وهم العسكريون بزي إعلاميين، ممن اقتحموا مجال الإعلام بصورة ملفتة للنظر خلال الأعوام الثلاث الأخيرة، وباتوا كتابًا وملاكًا ومديري قنوات فضائية، على رأسهم العميد محمد سمير، طارق إسماعيل، ياسر سليم، أحمد شعبان.

المجموعة الثالثة.. وهم رجال الأعمال القدامى إبان عهد مبارك وما بعده، وهم مجموعة مستأنسة من قبل النظام، بعضهم مدعومين من الخارج لدعم السلطة الحالية، على رأسهم محمد الأمين، طارق نور، محمد أبو العينين، هالة الكحكي، السيد البدوي.

انتقادات ساخرة

أثار خبر شراء شركة "فالكون" لمجموعة قنوات "الحياة" سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبروا عن قلقهم حيال هذا التوجه الجديد، متسائلين عن علاقة شركة حراسة أمنية بالإعلام، وما الدور المنوط بها القيام به من خلال هذه المنصات الفضائية التي تقوم بشرائها، خاصة أن من يديرها ضباط ورجال أمن وجيش سابقين.

الكاتب الصحفي محمد منير، قال في مداخلة له مع قناة الجزيرة: شركة #فالكون تقوم بـ"الأعمال القذرة" للنظام و"أمنجة المجتمع" مثل شركة "بلاك ووتر" الأمريكية.

بينما شبهت الصحفية رحاب منيعم، ما يحدث بأنه إحياء لإعلام وزير الدعاية السياسية النازي في عهد أدولف هتلر، يوزف جوبلز، وأحد أبرز المؤسسين لفن "غسيل الأدمغة".

وهكذا تواصل السلطات فرض الهيمنة على منظومة الإعلام بشتى نوافذها، المقروء منها والمرئي، فضلا عن مساعي البعض تدجين مواقع التواصل الاجتماعي وفرض الرقابة عليها، في محاولة للعودة إلى إعلام الستينيات مرة أخرى، حسبما يتماشى مع هوى النظام، لكن يبقى السؤال: هل من الممكن أن تعود عقارب الساعة للوراء مرة أخرى في ظل هذه الثورة التكنولوجية المعلوماتية الاتصالية الهائلة؟ وهل تنجح السلطة في فرض سياسة الصوت الواحد أم أن الكون بات من الصعب أن يسيطر عليه أحد مهما بلغ من إمكانيات؟