منذ بداية التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن، توجهت الأنظار نحو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فضلًا عن الدول المشاركة في التحالف وأعدائها من الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح المنقلبين على الشرعية في ذلك البلد العربي الصغير الذي يعاني الفقر والمجاعة.

توجهت الأنظار نحو الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لمساهمتهما وتواطئهما في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وما وصل إليه حال اليمن "الجريح"، نتيجة تزويدهم المملكة العربية السعودية وحلفائها بالسلاح رغم يقينهم باستعمالها ضد المدنيين هناك، إلا أنهم غضوا الطرف بعلم أو بغير علم عن الدور الفرنسي في اليمن ومشاركتها في الحرب هناك.

ازدواجية الخطاب

لم تمنع الانتقادات الكبيرة الموجهة من طرف الدول والمنظمات الغربية لدول التحالف العربي على رأسها المملكة العربية السعودية، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المعارضة وشن حروب تزيد من التوترات في منطقة الشرق الأوسط، والتورط في جرائم ضد الانسانية في اليمن، من حصول هذه الدول على أسلحة بكميات كبيرة من دول غربية، تتقدمهم أمريكا وبريطانيا فضلًا عن فرنسا التي بقيت بمنأى عن الإدانة.

ممارسات الدول الغربية تجاه دول التحالف العربي تتسم بالازدواجية، وهذا مرده إلى أن المصالح الاقتصادية للدول الغربية تطغى على الجانب السياسي والإنساني، خاصة أن لوبي الأسلحة لديه نفوذ كبير في هذه الدول التي تعتمد بشكل كبير على بيع الأسلحة للأطراف المتنازعة في العالم.

وثّقت هيومن رايتس ووتش عشرات الغارات الجوية – قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب – تسببت بمقتل مئات المدنيين

وفي الوقت الذي يخرج فيه المسؤولون الفرنسيون لوسائل الاعلام لإعلان إدانتهم المطلقة للحرب في اليمن ودعوتهم جميع الأطراف لاحترام القانون الدولي الإنساني ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين، تتفق الحكومة الفرنسية مع نظيرتها السعودية على صفقات أسلحة جديدة تستعمل في هذه الحرب، وحققت منظمات غير حكومية والأمم المتحدة في عدة غارات غير قانونية شنتها قوات التحالف، وأعدت تقارير بشأنها، ووثّقت هيومن رايتس ووتش عشرات الغارات الجوية – قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب – تسببت في مقتل مئات المدنيين، واستخدم في بعضها ذخائر عنقودية محظورة دوليًا.

طائرات سعودية تقصف أهدافًا في اليمن

وخلص فريق خبراء الأمم المتحدة في اليمن، الذي أنشئ بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2140، في تقرير نشر في 27 من يناير/كانون الثاني 2017، إلى أن استهداف التحالف للمدنيين عبر الغارات الجوية – سواء بقصف الأحياء السكنية أو التعامل مع مدن صعدة ومران شمالي اليمن على أنها أهداف عسكرية – يعتبر انتهاكًا خطيرًا لمبادئ التمييز والتناسب والوقاية، وأضاف في تقريره أن لديه من الأسباب ما يكفي للاعتقاد بأن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية لم يمتثل للقانون الدولي الإنساني فيما لا يقل عن 10 غارات جويـة استهدفت منازل وأسواقًا ومصانع ومستشفى.

قلق من مسألة بيع السلاح الفرنسي للسعودية

العديد من المنظمات الدولية أبدت قلقها من مسألة بيع السلاح الفرنسي للمملكة العربية السعودية، متهمة فرنسا بانتهاك معاهدة الأمم المتحدة لتنظيم تجارة الأسلحة الدولية، وتجاهل التزاماتها على نحو فعال من خلال الاستمرار في توريد الأسلحة، حتى عندما يكون هناك خطر حقيقي من أنها ستسبب انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان. وساعدت الأسلحة التي وفرتها فرنسا لدول التحالف العربي في تسريع الكارثة الإنسانية في اليمن، وواصلت الحكومة إصدار تراخيص بيع الأسلحة لدول التحالف في نفس الوقت الذي تقدم فيه المعونة للتخفيف من حدة الأزمة التي ساعدت في خلقها، ولا يزال المدنيون اليمنيون يدفعون ثمن هذه الأسلحة الحارقة.

وفي مارس من السنة الماضية قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية في بيان لها: "على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول تعليق جميع مبيعاتها من الأسلحة للسعودية إلى أن تتوقف عن شن غارات جوية غير قانونية في اليمن، وتحقق في الانتهاكات المزعومة".

صفقات أسلحة

تعتبر فرنسا، وهي ثالث أكبر بائع للأسلحة في العالم، أحد المُمولين المفضلين لدى المملكة العربية السعودية وحلفائها الذين تزودهم بأسلحة وتكنولوجيات متقدمة تستعمل في الحرب على اليمن وقتل المدنيين رغم تعارض ذلك مع القانون الدولي.

تضمنت الصفقة مضادات أثبتت قدراتها القتالية والتدميرية، وتُعد واحدة من الأنظمة الخفيفة المحمولة والنادرة في العالم

وخلال السنوات الأخيرة أبرمت المملكة العربية السعودية عشرات الاتفاقيات بمليارات الدولارات مع الحكومة الفرنسية أهمها العقد العسكري المعروف باسم " مارك 3"، والذي يضم شراء زوارق خفر السواحل وطائرتي تزويد في الجو «avions-ravitailleurs A330–200 MRTT»، بالإضافة إلى المدرعات "إم كاي 3 وشيربا" التي ستكون ما يقارب 250 مدرعة و7 مروحيات من طراز "كوغار" و24 مدفعًا ثقيلًا ذاتي الدفع من طراز "كايزر"، وتضم الصفقة أيضًا 5 زوارق "كورفت".

زوارق خفر السواحل الفرنسية

كما تضمنت الصفقة مضادات أثبتت قدراتها القتالية والتدميرية، وتعد واحدة من الأنظمة الخفيفة المحمولة والنادرة في العالم، فضلًا عن 4 أقمار صناعية للاتصالات العسكرية والرصد، وتعد فرنسا منذ سنوات عدة أحد أكبر بائعي الأسلحة للسعودية، وتشير منظمة العفو الدولية "فرنسا منحت أكثر من 16 مليار يورو من الرخص للمملكة العربية السعودية وحدها سنة 2015، وسلمت لهذا البلد ما قيمته 900 مليون يورو من التجهيزات العسكرية في نفس السنة (...) ولم تصرح الحكومة إطلاقًا خلال السنتين الأخيرتين بأنها رفضت أو ألغت أو جمدت تراخيص تصدير".

للإشارة فإن معاهدة تجارة الأسلحة التي صادقت عليها فرنسا في 2 من أبريل/نيسان 2014 تحظر صادرات الأسلحة التي قد تستعمل في انتهاك القانون الدولي الإنساني، لكنها لم تتوقف عن بيع أسلحتها للسعودية بل ضاعفت من وتيرتها.