لا يشك أحد أن هذه الأيام التي تمر بها المنطقة العربية تعد فترة ازدهار بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، فما كان يُعرف بالمقاطعة العربية لـ"إسرائيل" أصبح اليوم حبرًا على ورق، وسط دعوات من قادة عرب أنهم لا يرون مشكلة في التطبيع معها والترويج لها والتعامل معها اقتصاديًا وأمنيًا وعلى جميع الأصعدة. 

إذ أعرب ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة قبل يومين معارضته المقاطعة العربية لـ"إسرائيل" وقالت صحف "إسرائيلية" إن ملك البحرين أدلى بهذه الأقوال للحاخام اليهودي أبراهام كوبر رئيس مركز إيلي فيزنطال في لوس أنجلوس، خلال لقاء ديني تم خلاله التوقيع على بيان يستنكر الكراهية والعنف الديني. وهنا، لا يختلف هذا الأمر كثيرًا عن تصريحات سابقة لوزير الخارجية البحريني في الأعوام الماضية حول التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، فالبحرين وطوال السنوات الـ20 الماضية، عرفت بقربها من دولة الاحتلال وتوطيد علاقتها معها.

في 23 من سبتمبر/أيلول 2005 أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء محمد بن مبارك آل خليفة أن البحرين اتخذت قرارًا برفع الحظر عن البضائع "الإسرائيلية" وإغلاق مكتب المقاطعة "الإسرائيلية"

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2008 زار الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقر مؤسسة "American Friends of Lubavitch" اليهودية في الولايات المتحدة، وصرح خلال اللقاء "أتمنى أن يختار عدد أكبر منكم المجيء إلى البحرين، فلدينا أرض مخصصة لمن يعود منكم إلى البحرين، إنكم موضع ترحيب مثل مواطنينا".

يأتي كلام ملك البحرين الأخير بعد تصريحات لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، منذ فترة أسبوعين بشأن علاقة "إسرائيل" بالدول العربية خلال مشاركته في احتفال رفع الكؤوس احتفالًا بالسنة العبرية الجديدة بمبنى وزارة الخارجية في القدس الغربية، واصفًا إياها بالأفضل وتسجل رقمًا قياسيًا غير مسبوق في تاريخ هذه العلاقات.  

البحرين تدعو رعاياها لزيارة "إسرائيل"  

بحسب ما أشار إليه نتنياهو فإن عملية التعاون بين "إسرائيل" والدول العربية تتم بطرق مختلفة وعلى مستويات عدة ولم تصل بعد إلى مرحلة العلن، وأشار أن ما هو قائم تحت غطاء السرية أكبر بكثير من أي فترة أخرى بتاريخ "إسرائيل"، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2014 أفادت صحيفة "هآرتس" أن السعودية والبحرين والإمارات ودولًا عربية أخرى بدأوا بتغيير مفاهيمهم في مقاربة العلاقة مع "إسرائيل". 

الحقيقة فإن بعض الزعامات العربية متلهفة أكثر من "إسرائيل" نفسها لفتح بوابة العلاقات معها، حيث ذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية في 4 من مارس/آذار من العام الماضي 2016 أن الملك البحريني حمد بن عيسى آل خليفة التقى الحاخام مارك شنير، وهو ناشط ديني بارز ورئيس مؤسسة التفاهم العرقي ومقرها نيويورك، في قصره بالمنامة لمناقشة المخاوف في منطقة الشرق الأوسط. ونقلت الصحيفة أن الملك البحريني أشار للحاخام خلال اجتماعهما أنها ليست سوى مسألة وقت قبل أن تبدأ بعض الدول العربية فتح علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل".

قد يؤدي تغير العلاقة مع "إسرائيل" إلى تغييرات جذرية في خطاب الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال بما سينعكس على واقع الفلسطينيين وقضيتهم إضافة إلى الواقع العربي المتفتت بسبب الأزمات والحروب

تلك العلاقات السرية صار يُجاهر بها مع مرور الوقت وتبدل الأحوال في المنطقة العربية، فملك البحرين بات يدعو علانية للتطبيع مع "إسرائيل" ، وقال مدير مركز شمعون فيزيطال بلوس أنجلوس إنه سيسمح لرعاياه بزيارة "البحرين" رسميًا. 

وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية في عددها الصادر قبل يومين، فإن تصريحات ابن عيسى جاءت في سياق حديث نقله عنه الحاخام أفرهام كوبر رئيس مركز شمعون روزنتال، في أثناء حضور مناسبة شارك فيها العديد من المسؤولين من جنسيات مختلفة في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، للتوقيع على إعلان بإدانة الكراهية الدينية والعنف.

وكان الحاخام كوبر وشريكه الحاخام مرفين هاير زارا المنامة عاصمة البحرين، مطلع العام الحالي، حيث التقى كوبر حينها ملك البحرين وبحث معه إمكانية إقامة متحف للتسامح الديني في المنامة، وصرح الحاخام اليهودي وقتها بأن الزيارة كانت مثيرة للاهتمام.

بالإشارة إلى العلاقات السرية التي أشار إليها نتنياهو مع العديد من الدول العربية، فهناك علاقة سرية بين البحرين و"إسرائيل" يعود تاريخها إلى العام 1994، حين زار يوسي ساريد وزير البيئة الصهيوني في حكومة "إسحاق رابين"، العاصمة البحرينية المنامة على رأس وفد دبلوماسي رسمي كبير للمشاركة في المناقشات الإقليمية بشأن القضايا البيئية، كانت الزيارة جزءًا من عملية السلام متعددة الأطراف التي بدأت بعد انعقاد مؤتمر مدريد عام 1990، ووصفت الزيارة التي التقى فيها ساريد كلاً من وزير الخارجية البحريني آنذاك محمد بن مبارك آل خليفة ووزير الصحة جواد العريض، بأنها الأولى إلى دولة خليجية.

وفي معرض كلامه عن الزيارة قال نمرود غورين رئيس المعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية والمساهم في صحيفة "هآرتس": "وزير الخارجية البحريني طلب مني نقل رسالة سلام للشعب الإسرائيلي، وعزمه ورغبته في رؤية إنجاح عملية السلام، وإقامة تعاون اقتصادي مع "إسرائيل"، وينظر إلى اجتماع بين مجموعات عمل بشأن القضايا البيئية، وزيارتي هناك كانت كأول خطوة في عدد من المراحل التي من شأنها أن تؤدي إلى توثيق العلاقات بين البلدين".

تعد البحرين "الحديقة الخلفية" للسعودية، وتصريحات ملك البحرين لا بد أنها تشاركتها مع السلطات السعودية، فإذا كانت البحرين تذهب بالفعل للتطبيع بشكل علني فإن السلطات السعودية لا تمانع بذلك وقد أبدت موافقتها على ذلك

كان ذلك في العام 1994، وبعد 6 أعوام أي في العام 2000 عقد ولي عهد البحرين سلمان بن حمد آل خليفة اجتماعًا في دافوس مع شمعون بيريز، وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي آنذاك، وهو يعتبر الأول من نوعه بين مسؤول بحريني رفيع المستوى ومسؤول إسرائيلي. 

وفي 23 من سبتمبر/أيلول 2005 أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء محمد بن مبارك آل خليفة أن البحرين اتخذت قرارًا برفع الحظر عن البضائع "الإسرائيلية" وإغلاق مكتب المقاطعة "الإسرائيلية"، ودعا وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة في 13 من أكتوبر/تشرين الأول 2008 إلى تأسيس تجمع شرق أوسطي يضم، إضافة إلى الدول العربية، كل من "إسرائيل" وإيران وتركيا، وقال في تصريح أدلى به إلى صحيفة "الحياة" الصادرة في لندن إن هذا هو السبيل الوحيد لحل المشاكل القائمة بين دول المنطقة.

السعودية إلى الواجهة.. والبحرين بالون اختبار

المشكلة أن المسألة لا تتعلق بالبحرين وحسب، فالبحرين تعد الحديقة الخلفية للسعودية وهكذا قرارات مصيرية لا بد أنها تشاركتها مع السلطات السعودية، فإذا كانت البحرين تذهب بالفعل للتطبيع بشكل علني فإن السلطات السعودية لا تمانع بذلك وأبدت موافقتها ودعمها بكل تأكيد. 

وهذا يعيد إلى الأذهان الزيارة التي قام بها محمد بن سلمان ولي العهد السعودي إلى "إسرائيل" في الفترة القريبة الماضية، والتي أوردتها صحفًا إسرائيلية بأن أحد الأمراء السعوديين زار دولة الاحتلال، وبعد أيام صدرت تسريبات أن ذاك الأمير هو محمد بن سلمان، حيث بحث مع كبار المسؤولين الإسرائيليين فكرة دفع السلام الإقليمي إلى الأمام.  

وكان حساب مجتهد أشار قبل يومين إلى خطة يتم العمل عليها بين مصر والسعودية والإمارات وبالتعاون والتنسيق مع "إسرائيل"، لإحداث تغيير سياسي ثقافي ديني إعلامي في السعودية والخليج كافة، وأشار في إحدى تغريداته أن الخطة تهدف إلى إبعاد أي تأثير سياسي أو ثقافي أو تربوي أو مالي للدين في شعوب السعودية والخليج ومصر كتهيئة لتطبيع أبدي وكامل مع "إسرائيل".

يُشار أن صحفًا ومحطات تليفزيونية إسرائيلية رحبت بتعيين الأمير ابن سلمان وليًا للعهد، وقالت إن التغييرات الأخيرة في النظام السعودي من شأنها أن تحظى بترحيب ورضى تل أبيب، وهذا يشير إلى تقارب سابق بين ابن سلمان و"إسرائيل".

ليست السعودية فقط، بل هناك مصر التي ظهر رئيسها عبد الفتاح السيسي في أول لقاء علني مع رئيس الحكومة "الإسرائيلية" نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المعقودة حاليًا في نيويورك، حيث شهد اللقاء بحث سبل إحياء عملية السلام، أكد الرئيس السيسي الأهمية التي توليها مصر لمساعي استئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، بهدف التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقاً لحل الدولتين والمرجعيات الدولية ذات الصلة.

مسيرة العلاقات بين "إسرائيل" والدول العربية على رأسها البحرين والسعودية ومصر يبدو أنها تقابل باستحسان منقطع النظير في دولة الاحتلال، وربما تكون البحرين أولى الدول التي تعلن ذلك صراحة وتطبع العلاقات مع دولة الاحتلال بشكل كامل، وقد يؤدي تغير العلاقة مع "إسرائيل" إلى تغييرات جذرية في خطاب الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال بما سينعكس على واقع الفلسطينيين وقضيتهم إضافة إلى الواقع العربي المتفتت بسبب الأزمات والحروب.