يمثل نهاية الأسبوع الأول من شهر أغسطس من كل عام، موعد السحابة السوداء التي تظلل مصر، نتيجة بدء الفلاحين في حصاد محصول الأرز، الذي تبدأ زراعته مطلع مايو ويبدأ حصاده في الأسبوع الأول من أغسطس حتى نهاية نوفمبر.

فور انتهاء الفلاحين من حصد المحصول، يبدأون في فصل حبات الأرز عن أعوادها وما يُعرف بـ"دَرس الأرز"، حيث تقوم ماكيناتٌ مخصصة لذلك بهذه العملية، ويقوم أصحاب الأراضي بفرد الأعواد طوليًا بطول الأرض على أشكال مستطيلات ثم يبدأون بحرقها، مئات الآلاف من الأفدنة في دلتا مصر، تقوم بهذه العملية في نفس الموعد لتسبب حالةً من التلوث العام، تخنق سكان القرى والمدن، وتؤثر بشكل سلبي على المناخ العام للبلاد ويزداد التلوث عشرة أضعاف المعدل الطبيعي، حسب التقارير الحكومية.

عام ١٩٩٤ صدر قانون يجرم هذا الفعل، وفرضت غرامة مالية على مركتبيه، لذلك يلجأ الفلاحون إلى جُنح الليل للقيام بحرق القش، وما هي إلا ثواني حتى تتصاعد ألسنة الدخان ويعُم التلوث، بنهايات عام ٢٠٠٩ بدأت السلطات في التعاون مع الفلاحين بأخذ القش منهم بدلًا من حرقه، حيث يمكن لهذه الأعواد أن تدخل في أعلاف الحيوان وبعض الصناعات الأخرى كتصنيع الأوراق، إلا أن هناك أسطورة يتناقلها الفلاحون تقول إن حرق القش يزيد من خصوبة الأرض ويساعد على الإنتاج.

وزير البيئة المصري خالد فهمي أوضح في تصريحاتٍ صحفية، أن المساحات المزروعة من الأرز عام 2016 بلغت 1.3 مليون فدان

قدمت مراكز مصرية (حكومية وخاصة) إفادات توعوية للتأكيد على ضرر هذه العملية، حيث أفادت المراكز أن تلوث الجو يصل في هذا الوقت من العام إلى ٤٢%، بينما يصاب كبار السن والأطفال بأمراض في الصدر تصل إلى حد الإضرار بالجهاز التنفسي، كما تفيد التقارير أن تعرض المواطنين لاستنشاق هذا الدخان الذي يحتوي على ١١ مادة مسرطنة قد يصيبهم بأمراض الربو والذبحات الصدرية والأزمات القلبية.

ورغم أن جهاز شؤون البيئة قرر أن الغرامة التي سيتم توقيعها على حارقي قش الأرز قد تصل إلى عشرة آلاف جنيه مصري، فإنه منذ بداية الموسم، حرر الجهاز حتى منتصف سبتمبر أكثر من ٧٠٠ محضر، في محافظتي الغربية وكفر الشيخ فقط، وتجاوزت أضرار حرق قش الأرز التلوث البيئي، لتتسبب في حرق ٤٠٠ شجرة في محافظة كفر الشيخ، حيث وصل حرق القش إليها والتهمها.

وزير البيئة المصري خالد فهمي أوضح في تصريحاتٍ صحفية، أن المساحات المزروعة من الأرز عام 2016 بلغت 1.3 مليون فدان، ينتج عن كل فدان طنا قش أرز، وبالتالى يتولد عن كمية المساحة المزروعة 2.6 مليون طن قش أرز، حيث يستخدم الفلاح نصف الكمية ويتبقى 1.3 مليون طن قش أرز، مؤكدًا أنه حسب القانون لا يمكن التصالح مع كل حارقي القش، مضيفًا أن الوزارة حررت خلال العام الماضي ما يزيد على ١٣ ألف محضر خلال الموسم الأخير، والذي انتهى في نوفمبر من العام الماضي.

تتخذ الحكومة المصرية على مستوى التحرك القانوني، بعض الإجراءات التي يمكن أن تحد من هذه الظاهرة، لكن هذه الإجراءات سرعان ما تثبت فشلها وهو ما حدث خلال كل الأعوام الماضية، حيث تستمر هذه الظاهرة بلا توقف منذ تسعينيات القرن الماضي، كما أن إجراء شراء القش من المزارعين لا يعد محفزًا حقيقيًا ليتوقف الفلاحون عن الحرق، حيث تقوم الحكومة بشراء طن القمح بـ50 جنيهًا فقط (أقل من 3 دولار)، وربما تنتج بعض الأراضي أقل من طن، فسيكون العائد دولارًا واحدًا أو أقل.

غياب دور وزارة الحكم المحلي، له دور أيضًا في عدم حل المشلكة

كما أن هناك بعض التصريحات الحكومية التي لا تثبت جدية بعض الجهات للتحرك لمواجهة هذه الظاهرة، حيث صرح رئيس قطاع الفروع الإقليمية بوزارة البيئة لفضائية مصرية، إن وزارته تسعى للحد من هذه الظاهرة، رغم أن هذا الملف ليس من اختصاصها، بل من اختصاص وزارة الزراعة التي تتعامل مع الفلاح مباشرة، مما يثبت حجم التخبط الحكومي الكبير تجاه هذه الظاهرة.

تحدثت إلى الدكتورة راجية الجرزاوي مسؤولة ملف الصحة والبيئة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي أكدت عمق المشكلة التي تعاني منها مصر منذ عقود، فعدم تحديد كميات زراعة الأرز وإطلاق أيدي الفلاحين لزراعة ما يشاؤون يؤثر سلبًا على الموارد المائية لمصر، لينتج لدينا فيما بعد مشكلة قش الأرز.

تتساءل الدكتورة وهي باحثة مختصة بمجال البيئة في مصر، عن إشكالية استمرار معاناة المصريين لهذه الظاهرة على مدار عقود دون حل، مؤكدةً في حديثها أن مجرد إصدار القوانين وإعلان توقيع غرامات على المتسببين، ليست نهاية المطاف في وقف هذا العمل، فكل المشاكل البيئية في مصر توجد قوانين لمحاربتها، لكن تظل البلاد على قائمة الدول الأكثر تلوثًا في العالم.

وتضيف أن غياب دور وزارة الحكم المحلي، له دور أيضًا في عدم حل المشكلة، فوزراة البيئة دورها تنسيقي بين الوزارات الأخرى التي لها مكاتب منتشرة في كل محافظات مصر، مؤكدة على أهمية إيجاد حلول جادة ومقبولة تساعد الفلاح على التخلص من القش بطريقة سليمة بدلًا من حرقه، فيجب توفير وسائل نقل ومكابس للقش، لا يتحمل فيها الفلاح أي عبء، كما يجدر بالدولة بناء منظومة كاملة، بعضها توعوي وبعضها إداري وبعضها تنفيذي وعدم الاكتفاء بالقوانين التي يعد دورها تيسيريًا فقط.