لا يسلم الإسلاميون من غربال الرقابة الخفي للحكومات العربية، مهما كان هناك ارتفاعًا في منسوب الثقة وحالة السلام بين الطرفين، فعند كل تعثر وقبيل تعطل لغة الحوار، ستجد عُقد الإرث القديم تلقي بظلالها على الأحداث وتسلب الحركة الإسلامية أحد مكاسبها سواء كان ماديًا أو معنويًا، وهو ما جرى بالفعل صباح السبت الماضي بعدما اقتحمت قوة أمنية أردنية أحد مقار حزب جبهة العمل الإسلامي التابع لجماعة الإخوان المسلمين في محافظة إربد شمال العاصمة عمان في الأردن، وطلبت من أعضائه إخلاء المقر ومغادرته وتسليمه لها بالسرعة الممكنة، إلا أنهم رفضوا الانصياع لقرارات القوة الأمنية.

قرار الدولة كان واضحًا وحاسمًا رغم محاولة إدارة الحزب التماسك وإعلان العصيان في وجه القرار، خاصة أن المقر ملكية خاصة لـ"جبهة العمل الإسلامي"، كما أنه يخالف الدستور الأردني وقانون الأحزاب، بالإضافة إلى تعديه على الحريات الحزبية والعامة، إلا أن نائب محافظ إربد لم يتردد في اتخاذ قرار فوري بإغلاق المقر وتشميعه بالشمع الأحمر ردًا على رفض الأعضاء أمر المغادرة.

تصعيد على استحياء

بقدر ما تسبب قرار المحافظ في جرح كبرياء أعضاء الحزب، بقدر ما كان هناك تخوفًا كبيرًا من العودة لسياسة إغلاق المقرات والتهامها واحدًا بعد الآخر، فقبل عام من الآن أقدمت الأجهزة الأمنية على إغلاق 3 مقرات للحزب في الكرك والمفرق وسحاب، بجانب المقر العام في العاصمة الأردنية عمان، وهو ما جعل بعض الأعضاء يلجأون لإعلان الاعتصام في مقرهم، وعقدوا هيئة عامة مفتوحة مطالبين أصحاب القرار العقلاء بالتدخل لإيقاف ما وصفوه بالمجزرة الديمقراطية والإجرام القانوني.

قبل عام من الآن أقدمت الأجهزة الأمنية على إغلاق 3 مقرات للحزب في الكرك والمفرق وسحاب، بجانب المقر العام في العاصمة الأردنية عمان

قانونيًا لا يمكن إدانة النظام الأردني ومؤسساته الأمنية التي أقدمت على غلق مقر حزب جبهة العمل في مدينة إربد بسبب النزاع بين الجماعة، وجمعية الإخوان المسلمين الجديدة والمرخصة من الدولة ويرأسها مراقب عام الجماعة الأسبق عبد المجيد ذنيبات، والتي رفعت دعاوى قضائية لضم جميع أصول الجماعة الأم إليها باعتبارها الجماعة الشرعية والوحيدة المسموح لها بالعمل في الأردن. وهو الإجراء الذي لا تزال الجماعة تعتبره انقلابًا مدبرًا عليها، خصوصًا بعد حالة الوفاق المريبة بين الجمعية والحكومة الأردنية التي سارعت عبر وزارة التنمية الاجتماعية إلى منح الجمعية الجديدة ترخيصًا في مارس 2015، رغم التوتر التاريخي بين الإسلاميين والسلطات الأردنية وخاصة الأمنية منها، كما هو الحال في البلدان العربية كافة.

زاد الأمر تعقيدًا، إعلان الجمعية المنشقة عن استلامها رسميًا المقر المتنازع عليه مع الجماعة الأم بعد أقل من أسبوع على إغلاقه بالشمع الأحمر، وطرد أعضاء حزب جبهة العمل الإسلامي منه، كما أصدرت الجمعية بيانًا قالت فيه إن الحاكم الإداري للمدينة سلمها رسميًا المقر، وزعمت أنها تملك كل الوثائق والسندات التي تثبت ملكيتها كجمعية مرخصة لهذا المقر، نافية بذلك أي تدخل للسلطة السياسية في القضية، معتبرة أن الدولة فقط طبقت القانون ونفذت قرارًا قضائيًا وليس أكثر.

حزب العمل الإسلامي من ناحيته، لم تحمل ردود فعله أكثر من بيانات استنكارية لما حدث، وهو الأمر الذي اعتبره مقربون من الجماعة حرصًا مدروسًا من قيادات الإخوان لاحتواء الأزمة، وتفويت الفرصة على الحكومة في تزكية الصدام معها، خاصة أن الإجراء إداري في إطار القانون فقط ولا يمكن نسج دلالات سياسية له إذا أرادت جماعة الإخوان هذا، وهو ما يتضح من تصرفاتها بالفعل حتى الآن، فدروس الصدام مع الأنظمة تقدم الذرائع لسحق الجماعة وتقوض أي أساس لبناء تفاهمات سياسية أكثر عمقًا مستقبلاً. ومن زاوية أخرى إخوان الأردن بمعزل عن الكثير من الأفرع الأخرى للجماعة في العام العربي، خاضت الانتخابات ولديها شرعية برلمانية، وهو الأمر الذي سيمنع السلطة من الاستمرار في تقديم خدمات تدعم الانشقاق المرخص بقيادة الذنيبات، حال إذا ما استمرت الجماعة في سياسة اللين وعدم التصعيد غير المتكافئ مع الدولة.

بقدر ما تسبب قرار المحافظ في جرح كبرياء أعضاء الحزب، بقدر ما كان هناك تخوفًا كبيرًا من التصعيد حتى لا تعود سياسة إغلاق المقرات والتهامها واحدًا بعد الآخر

كما تعي قيادات الإخوان جيدًا الرسائل المتتالية من خلف سياسات إغلاق المقرات، لتذكيرهم دائمًا أن لغة التصعيد ستقابل بتصعيد أعنف، وهو ما ظهر من حسم الحاكم الإداري لمدينة إربد الذي طالب أعضاء الحزب بترك المقر، وأصدر على الفور قرارًا بتشميعه.  

الانهيار من الداخل.. كيف تضرب الإخوان في مقتل؟

لا يمكن لأي حكومة عربية اختراق الإخوان وتقويض حركتها إلا إذا عملت على ضربها من الداخل، أغلب الأنظمة تعي جيدًا هذا المبدأ، لذا تحتوي المنشقين عن الجماعة وتعطي لهم المجال الإعلامي وتفتح لهم الشاشات كافة لشق بطن الإخوان وإخراج ما خفي عن الناس، وإزكاء صورة ميكيافلية انتهازية عن الجماعة سواء بحق أو من دون.

في الأردن تتلاعب السلطة بالإخوان بسياسة شديدة الدهاء، وبفضل هذه السياسة انقلبت الجماعة رأسًا على عقب، واستبدلت مناكفاتها الممتدة مع السلطة بصراع جديد من نوعه بين قادة الحركة الإسلامية الكبرى، ووصل الأمر بينهم إلى ساحات القضاء وبات هناك ما يشبه الثأر بين مراقب عام الإخوان الشيخ همام سعيد، وسلفه الأسبق عبد المجيد الذنيبات، الذي يقود حركة تمرد على الجماعة مدعومًا من السلطة بشكل علني.

كما هو الحال في فتح ملفات الإخوان على الفضائيات من أولادها القدامى بالبلدان العربية المختلفة، يتصارع الذنيبات وهمام على مّد القنوات الأردنية والفضائيات الدولية بصكوك شرعية وقانونية كل منهما في استعمال اسم الجماعة، وهكذا يقدم الطرفان فرص الإخوان على طبق من ذهب لخصوم الجماعة في الانتخابات المقبلة، خاصة أن نجاح حركة أو حزب يقف خلفه ثبات ذهنيته داخل الكتل الانتخابية والمجتمع بشكل عام، بالإضافة إلى عدم تشوش الرسالة السياسية والقيمية خاصة لو كان الحزب يتبع حركة إسلامية ضاربة في الأعماق ولديها مشروع سياسي وأخلاقي كالإخوان.  

ولا تقف أزمة الإخوان على الذنيبات وهمام فقط، بل يدخل على الخط "حزب زمزم" الذي فصلت الجماعة قياداته ردًا على إطلاقهم مبادرة للإصلاح تحولت فيما بعد إلى حزب مرخص برئاسة الدكتور رحيل غرايبة، بعدما اكتفت القيادة التاريخية للإخوان باعتبار المبادرة وأصحابها خطوة انشقاقية، فبادرت بفصلهم بعد صراع داخلي تفجر خلال العام الماضي، ولم تقتنع قيادة الجماعة آنذاك بـ18 مبادرة طرحت لإيجاد حلول لأزمتها من أطراف مختلفة.

زاد الأمر تعقيدًا، إعلان الجمعية المنشقة استلامها رسميًا المقر المتنازع عليه مع الجماعة الأم بعد أقل من أسبوع على إغلاقه بالشمع الأحمر

ولم يختلف رد فعل "عواجيز الجماعة" في الأردن برئاسة المراقب العام همام سعيد، عما يحدث حاليًا من القيادات الكبرى لإخوان مصر تجاه الجبهة الشبابية، ولم يرّ همام فيما يحدث داخل الجماعة إلا زوبعة حكومية تستهدفه شخصيًا بل إنه اعتبر بقاءه على رأس الجماعة من مصلحة الإخوان وليس العكس، وذلك ردًا على مبادرة زمزم التي طالبت همام بالتنحي والإتيان بآخر متفق عليه إخوانيًا واجتماعيًا مثل عبد اللطيف عربيات، إلا أن المقترح قوبل بالرفض.

طغيان الفكر المحافظ يدمر الأحزاب الإسلامية

الغريب في الأمر أن الأسباب التي أنشئ من أجلها "حزب زمزم" سرعان ما واجهت الحزب الوليد نفسه، وكأن عدوى التسلط والديكتاتورية باتت نبتة شيطانية تصيب كل من يجلس على كرسي سواء الإسلاميين أو غيرهم، فقبل شهرين فوجئ المتابعون لشؤون الجماعة بإبعاد الدكتور نبيل الكوفحي، القيادي المؤسس للمبادرة عن تشكيلات القيادة دون سابق إنذار وبات الرجل الذي تولى الدفاع عن الفكرة والحشد لها منذ بدايتها خارج منظومة اتخاذ القرار بالحزب، بعدما أطيح به في الانتخابات الداخلية نزولاً على عدة تربيطات استهدفت إزاحته من المشهد.

ويبدو أن تحكم إرحيل الغرايبة وجميل الدهيسات بالمشهد بعد انزواء الكوفحي وتفضيل الأخير للصمت حتى لا تتأثر مسيرة الحزب، لم يمنع التفاعلات الداخلية وتعبير الكثير من الأعضاء عن مخاوفهم مما يمكن أن يؤول إليه "زمزم" مستقبلاً بسبب نزعة التجريف التي بدأت تظهر سريعًا على قيادته، والذين تخلصوا مبكرًا من أحد أهم الكوادر التي تدعو دائمًا لتعزيز الوحدة الوطنية والانفتاح على القوى الاجتماعية كافة، وهو حجر الزّاوية في الانفتاح الديمقراطي الذي ينقص مطبخ الحركات والأحزاب الإسلامية. ولكن يبدو أن طغيان الفكر المحافظ سيحول دائمًا بين الإسلاميين وأحلام بعضهم في القيام بإصلاحات كبرى تجعل من الحركة الإسلامية رقمًا فاعلاً في الحياة السياسة والاجتماعية، فالاكتفاء بالشعارات الدينية ولعن وثن المستبد لم ولن يكفي.