اليابان ترفع شعار "لا للعمل حتى الموت" لتقليل نسبة الوفيات بسبب الإفراط في العمل

أجبرت محكمة في اليابان قبل يومين شركة "دنتسو" كبرى وكالات الدعاية والإعلان على دفع غرامة مالية بسبب ساعات العمل الإضافية التي تسمح بها الشركة للموظفين. يأتي هذا بعدما تعرضت الشركة للتدقيق من جانب المسؤولين بعد انتحار موظفة شابة تُدعى "ماتسوري تاكاهاشي" في عام 2015.

وتمثل الوفاة جراء العمل الإضافي مشكلة قائمة منذ فترة طويلة في اليابان، وتُعرف هذه المشكلة في اليابان باسم "كاروشي". وقد توصلت السلطات اليابانية إلى أن العمل المُفرط لتاكاهاشي، والذي أفادت تقارير بأنه وصل إلى 100 ساعة من العمل الإضافي في الشهر قبل وفاتها، قد أدى إلى انتحارها.

ساعات العمل الإضافية 

قد يعتقد البعض أن العمل لساعات إضافية مفيد للإنتاجية وللاقتصاد بالمحصلة، ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح بالمطلق، بل إن هناك منظمات وحكومات حول العالم تحارب ظاهرة الإفراط في العمل، كما تتنافس الدول المتقدمة في تقليل ساعات العمل مع الحفاظ على الإنتاجية.  

بلد "المعجزة الاقتصادية" وبوصلة التقنية والانضباط لعدد من الدول والدولة التي لديها تقديس غير عادي للعمل والوقت، اليابان، تعاني منذ فترة من ظاهرة خطيرة وهي موت الموظفين بسبب الإفراط بالعمل، بل وأصبحت هذه الظاهرة مع مرور الوقت أمرًا شائعًا للغاية في اليابان، إلى حد أنه توجد كلمة في اللغة اليابانية تدل على هذا المعنى وهي كما ذُكر أعلاه " كاروشي".

الأشخاص الذين يعملون 55 ساعة في الأسبوع يصبحون أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية بواقع الثلث، مقارنة بأولئك الذين يعملون أقل من 40 ساعة في الأسبوع

لكي يعتبر الموت ناجمًا عن ظاهرة "كاروشي"، يجب أن يكون الضحية قد عمل ما يزيد عن 100 ساعة إضافية في الشهر السابق للموت، أو 80 ساعة إضافية على مدار شهرين متتابعين أو أكثر في الشهور الستة السابقة لموته، كما حصل مع الضحية تاكاهاشي التي انتحرت بسبب ضغط وكثرة العمل. طوال السنوات الماضية كانت الصحف تكاد لا تخلو من تقارير تشير إلى أشخاص توفوا بسبب الإفراط في العمل، وجراء موت الموظف تتلقى عائلة الضحية تعويضًا ماليًا قدره 20 ألف دولار وتدفع الشركة ما يصل إلى مليون و 600 ألف دولار.

وبحسب تقرير أعدته وزارة العمل اليابانية، ارتفع عدد طلبات التعويض، مع حلول عام 2015، ليحقق رقمًا قياسيًا قدره ألفين و310 طلبات، بينما يشير المجلس الوطني للدفاع عن ظاهرة "كاروشي" أن العدد الفعلي لضحايا هذه الظاهرة يصل إلى 10 آلاف ضحية ويوازي هذا الرقم عدد ضحايا حوادث الطرق كل عام تقريبًا. يُشار أن السنوات اللاحقة للفقاعة الاقتصادية في بداية تسعينيات القرن الماضي وازدياد ثقافة الإفراط في العمل، شهدت انتشارًا واسعًا لحالات الوفاة الناجمة عن الإفراط في العمل، وارتفعت معدلات الوفيات بين الموظفين في المناصب الإدارية والمهنية ارتفاعًا مفاجئًا، ولم تهبط منذ ذلك الحين.

على العموم فهذه الظاهرة متجذرة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية في اليابان، فبعد الحرب بذل اليابانيين جهدًا مضاعفًا في العمل لبناء بلدهم والنهوض مجددًا، حيث كانوا يعملون نحو 60 ساعة في الأسبوع أي نحو 12 ساعة يوميًا مع اعتبار يومين عطلة في الأسبوع، في حين أن دولا مثل أمريكا وبريطانيا وألمانيا كانت تطبق نظام ساعات أكثر تسامحًا يقدر بـ8 ساعات يوميًا بحيث يبدأ من الساعة التاسعة وينتهي في الساعة الخامسة مساءًا أي نحو 40 ساعة أسبوعيًا. 

وقد اكتشف الباحثون أن الأشخاص الذين يعملون 55 ساعة في الأسبوع يصبحون أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية بواقع الثلث، مقارنة بأولئك الذين يعملون أقل من 40 ساعة في الأسبوع. وعلى إثر ذلك، تجددت الدعوات لإدخال تعديلات على نظام ساعات العمل الطويلة والعمل الإضافي غير مدفوع الأجر المخالف للقانون.

أكبر 10 دول من ناحية إجمالي الناتج المحلي الإجمالي السنوي، 7 منهم ضمن قائمة الدول صاحبة الأقل ساعات عمل في العالم.

على كل حال، فاليابان تمكنت من تقليل هذه الظاهرة عبر اتباع عدد من السياسات، ورفعت شعار "لا للعمل حتى الموت" فبناءًا على طلب الحكومة، تتجه العديد من أماكن العمل الآن إلى تقليص ساعات العمل الإضافية، لتطبيق شعار تلك الحملة، ودفع العاملين لمغادرة أماكن عملهم في أوقات مبكرة، ومن بين التغيرات الأخرى التي ظهرت مؤخرا في اليابان تمكين الموظفين من العمل عن بعد، ودعم المرأة في أماكن العمل.

إضىافة إلى تقديم الدعم اللازم لمن لديهم أطفال، مثل تقليل عدد ساعات العمل المقررة. وتسعى الحكومة اليابانية بخفض نسبة العاملين الذين يعملون أكثر من 50 ساعة أسبوعيًّا من 22.3% إلى 5% بحلول عام 2020. وليست اليابان وحدها من تعاني من هذه الظاهرة، إذ تفقد الصين نحو 600 ألف شخص سنويًا، أي نحو ألف و600 شخص يوميًا، بسبب ما يعرف في الصين باسم "غوالوسي" أو الموت الناتج عن الإفراط في العمل.

لا علاقة للإنتاجية بالعمل الزائد 

حسب دارسة صادرة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بينت أن أكبر 10 دول من ناحية إجمالي الناتج المحلي الإجمالي السنوي، 7 منهم ضمن قائمة الدول صاحبة الأقل ساعات عمل في العالم. بحيث لا يزيد فيها ساعات العمل عن 7 ساعات خلال اليوم، وهذه الدول هي لوكسمبورغ والنرويج وأستراليا وسويسرا وهولندا وألمانيا والدنمارك والولايات المتحدة وأيرلندا والسويد.

يشير المجلس الوطني للدفاع عن ظاهرة "كاروشي" أن العدد الفعلي لضحايا هذه الظاهرة يصل إلى 10 آلاف ضحية ويوازي هذا الرقم عدد ضحايا حوادث الطرق كل عام تقريبًا

وأشارت نفس المنظمة في دراسة لها، أوضحت أن أغلب الدول التي تكون ساعات العمل بها أكبر هي أكثر معاناة، ففي المكسيك مثلاً تبلغ عدد ساعات العمل 2237 ساعة سنوية لكل عامل حيث يعمل 50% من الموظفين أكثر من 50 ساعة أسبوعيًا، وفي روسيا تبلغ عدد ساعات العمل للفرد نحو 1980 ساعة سنويًا وفي تركيا حدد قانون العمل أن عدد ساعات العمل الأسبوعي هي 45 ساعة بمعدل 9 ساعات يوميًا أي نحو 2214 ساعة سنوية.

وجاءت المكسيك في المركز الأول من بين الدول التي يعمل فيها العاملون ساعات عمل كثيرة نسبة إلى باقي دول العالم، وحلت كوريا الجنوبية في المركز الثاني التي تعمل حكوماتها باستمرار على خفض عدد ساعات العمل حتى يتمتع الموظفون بمزيد من الراحة إلا أنه بالرغم من ذلك يصل متوسط عدد ساعات العمل إلى 2163 ساعة سنويًا. وفي المنطقة العربية بينت دراسات أن أكثر من 40% من العاملين في الخليج يقضون حوالي 11 ساعة عمل يوميًا، ونحو 30% يحملون أعمالهم معهم إلى منازلهم ليكملوا ما بدأوه أثناء ساعات عملهم النهاري.

لقد بينت تجارب الدول المتقدمة أن العمل لساعات طويل فوق طاقة الإنسان لن يفيد في رفع الإنتاجية بشيء، بل على العكس يعد استهلاكًا للعامل واسنتزافًا له أضف أن له انعكاسات خطيرة على العائلة والمجتمع بالعموم.