"إذا ذهب المونديال عن قطر سترحل أزمة قطر، لأن الأزمة مفتعلة من أجل الفكة منه، التكلفة عودة أكبر مما خطط تنظيم الحمدين له"، كشفت هذه التغريدة التي كتبها ضاحي خلفان نائب رئيس الشرطة والأمن في دبي، على حسابه الشخصي، أمس الأحد، النقاب عن بعض ملامح خطة حصار قطر الذي يدخل يومه الخامس والخمسين بعد المئة.

تأتي هذه التغريدة بعد ساعات قليلة من الأجواء التفاؤلية بحلحلة الأزمة الخليجية في أعقاب التصريحات الصادرة عن سفير الكويت في المنامة عزام الصباح، والذي قال فيها إن القمة الخليجية القادمة في الكويت والمقرر لها نهاية هذا العام، ستنهي الخلاف بين دول مجلس التعاون، وتشهد انفراجة قوية في تقريب وجهات النظر بين الجميع.

الكثير من التساؤلات عن نوايا الدول الرباعية من وراء الحصار المفروض على الدوحة بدأت تفرض نفسها بقوة في أعقاب هذه التغريدة المثيرة للجدل، إذ إنه وللمرة الأولى تكشف أبو ظبي عن حقدها لاستضافة قطر كأس العالم 2022، وذلك على لسان أحد أبرز القيادات الأمنية بها، والذي طلب التخلي عن هذا الملف كشرط وحيد للحل، مما يميط اللثام عن دور الإمارات الخفي وراء التحريض وتشويه سمعة قطر خارجيًا لدفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى سحب استضافة المونديال منها.

تقرير مسرب.. البداية

الإرهاصات الأولى  لمؤامرة سحب استضافة مونديال 2022 من قطر بدأت تتكشف  ملامحها منذ بداية الأزمة الخليجية في يونيو الماضي، فبعد نحو 40 يومًا فقط من مقاطعة الدول الرباعية الدوحة دبلوماسيًا، وتحديدًا في 16 من يوليو الماضي نقل موقع thelocal" " السويسري، تصريحات خاصة لجياني أنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، قال فيها إن 6 دول عربية تقدمت بطلب لسحب استضافة مونديال بطولة كأس العالم 2022 من قطر، وهم: السعودية واليمن وموريتانيا والإمارات والبحرين ومصر، وذلك في إطار المادة 85 من لوائح الفيفا والتي تؤكد على أن "سحب التنظيم ممكن في حالة ظروف غير متوقعة وقوة قاهرة".

ورغم نفى "الفيفا"، تلقيه أي طلب رسمي لسحب تنظيم كأس العالم 2022 من الدوحة، حسبما جاء على لسان المتحدث باسمه حين أكد أن "رئيس الاتحاد لم يتلق أي خطاب من هذا النوع، وبالتالي، فلم تصدر منه تعليقات في هذا الأمر"، فإن وسائل الإعلام العربية والأجنبية المدعومة سعوديًا وإماراتيًا بدأت سيمفونيات العزف المتواصل.

إلا أنه وبعد أن هدأت العاصفة دون تحقيق الهدف المنشود منها، كان لا بد من البحث عن استراتيجية جديدة تسعى إلى التشكيك في قدرة قطر على الوفاء بالتزاماتها حيال مخططات الاستعداد لاستضافة كأس العالم، لذا كان هذا التقرير  الذي تم تسريبه إلى هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" تحت عنوان  "قطر تحت المجهر: هل كأس العالم لكرة القدم 2022 في خطر؟".

هذا التقرير الذي نشرته مؤسسة "كورنرستون جلوبال" العالمية للاستشارات زعم أنه يستند إلى مصادر داخلية من العاملين في ملف كأس العالم، خلص إلى أن الدوحة لن تستطيع الوفاء بما التزمت بها سابقًا حين أسند لها هذا الملف سواء من حيث المطلوب إنجازه فنيًا أو الوقت المخصص لذلك، ومن ثم لا بد من إعادة النظر في مسألة استمرارية استضافتها لهذا الحدث العالمي، ولم يقتصر التقرير على هذا فحسب، بل حرض الشركات المتعاقدة مع الدوحة على إلغاء مشاريعها ومغادرة قطر، إذ إن استمرارها محفوف بالمخاطر الاقتصادية البالغة في أعقاب الحصار المفروض عليها.

وقبل الذهاب إلى موقف الدوحة حيال هذا التقرير ورد اللجنة العليا للمشاريع والإرث المسؤولة عن هذا الملف بشأن تفاصيل ما تم ذكره في التقرير السابق، لا بد من السؤال أولاً عن علاقة الإمارات بمؤسسة "كورنرستون جلوبال" وهو ما يقد يكشف بعض ملامح المؤامرة.

هل للإمارات علاقة بهذا التقرير؟

تسريب التقرير لبعض وسائل الإعلام العالمية والعزف عليه عبر شاشات العربية وسكاي نيوز فضلاً عن بقية المنصات الإعلامية الأخرى أثار اهتمام وحفيظة الكثيرين، عن هوية من يقف وراءه، وما دوافعه، وعند البحث عن خلفيات مؤسسة "كورنرستون جلوبال" صاحبة التقرير، اتضح أن مؤسسها وهو غانم نسيبة، تربطه علاقات قوية مع أبو ظبي وبعض رجالاتها.

ابتداءً فالرجل ضيف دائم على موائد الإعلام الإماراتي والسعودي، إضافة إلى علاقة المال التي تجمع بينه وبين مستثمرين إماراتيين، حيث تربطه علاقات استثمارية قوية مع دبي، إذ إنه دائم التنقل بينها وبين لندن والتي بها مقر مؤسسته الاستشارية غير المعروف جزء كبير من مصادر تمويلها حتى الآن بحسب بعض التقارير.

بعد أن هدأت العاصفة دون تحقيق الهدف المنشود منها، كان لا بد من البحث عن استراتيجية جديدة تسعى للتشكيك في قدرة قطر على الوفاء بالتزاماتها حيال مخططات الاستعداد لاستضافة كأس العالم، لذا كان هذا التقرير  الذي تم تسريبه إلى هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

كما أن نسيبة واحد أمن أبرز من سخروا أنفسهم لمناهضة قطر منذ بداية الأزمة، حيث يعد رأس حربة في حملة التحريض ضدها، وهو الذي وصفها سابقًا بأنها "منظمة إرهابية يحكمها غسل أموال إرهابيين إسلاميين"، هذا بخلاف دوره الواضح في بث الفتنة في المجتمع القطري من خلال دعمه  لخالد الهيل، الذي نصّب نفسه "زعيمًا للمعارضة القطريّة في الخارج"، وحضوره الدائم في وسائل الإعلام الممولة إماراتيًّا.

ويمكن الوقوف على كراهية مؤسس "كورنرستون جلوبال" صاحبة التقرير المسرب، لقطر ودعمه لمؤامرة سحب ملف استضافة كأس العالم 2022 منها، من خلال عدد من التغريدات التي دونها على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر":

في 25 من أغسطس الماضي غرد نسيبة قائلاً إنّه "واثق من أنّ قطر لن تستضيف البطولة"، مضيفًا "كلما كان سحب قابس الكهرباء أسرع كان ذلك أفضل".

وفي 26 من أغسطس: قال: "قطر تشكل خطرًا أكبر على أوروبا من تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)".

وفي 9 من سبتمبر وصف قطر بأنها "أكبر دولة ممولة في العالم للإخوان المسلمين وداعش والقاعدة".

وفي 12 من سبتمبر.. كتب يقول  "لم تعد قطر دولة، حتى ليست دولة مارقة، بل منظمة إرهابية يحكمها غسل أموال إرهابيين إسلاميين".

وفي نفس اليوم، كشف عن مؤامرته لبث الفتنة داخل المجتمع القطري حين غرد يقول إنّ خالد الهيل منظم مؤتمر "قطر، الأمن والاستقرار الدولي"، الشهر الماضي، يستحق الدعم الكامل.

وفي 5 من أكتوبر دعا لنقل كأس العالم 2022 إلى إنجلترا، قائلاً: "من غير المحتمل على الإطلاق أن تستضيف قطر البطولة".

في ظل هذه العلاقة القوية التي تربط بين غانم نسيبة ودول الحصار، خاصة الإمارات والسعودية، فضلاً عما يكنه الرجل من كراهية وحقد لقطر، تكشفت النوايا الحقيقية من وراء التقرير المسرب، والذي نشره موقع "بي بي سي"، وباتت ملامح المؤامرة أكثر وضوحًا، إلا أن هذا لا يعفي من التساؤل عن صحة ما ورد في التقرير بصرف النظر عن نواياه.

نسيبة واحد أمن أبرز من سخروا أنفسهم لمناهضة قطر منذ بداية الأزمة، حيث يعد رأس حربة في حملة التحريض ضدها، وهو الذي وصفها سابقًا بأنها "منظمة إرهابية يحكمها غسل أموال إرهابيين إسلاميين"

ماذا عن الدوحة؟

في أول رد فعل لها على هذا التقرير، نفت اللجنة القطرية العليا للمشاريع والإرث المنظمة لكأس العالم هذه التحذيرات، مستبعدة أي تأثير للحصار على مسار البطولة، ومشاريع البنية التحتية ذات الصلة، وإن تساءلت عن دوافع نشر التقرير في هذا التوقيت ومن يقف وراءه.

اللجنة قالت في بيان لها: "ليس هناك أي خطر على مستقبل أول كأس عالم في الشرق الأوسط"، و"في سياق الوضع السياسي الحالي، نتساءل عن دوافع منظمة، لا تخفي انتماءها إلى البلدان التي تحاصر قطر، بنشر تقرير يستند بالكامل إلى تقارير إعلامية ومصادر مجهولة"، معتبرة أنَ "نوايا خلق شكوك بشأن البطولة ومحاولة إثارة استياء المواطنين القطريين وقلق الشركات الأجنبية والمقيمين واضحة بقدر ما هي مضحكة".

الأمين العام للجنة حسن الذوادي، أكد بدوره على قدرة الدوحة على "التغلب على العقبات اللوجستية التي ربما تسبب فيها الحصار، وأن أعمال البناء مستمرة بزيادة في الحدود الدنيا على التكاليف"، مضيفًا خلال مقابلة له مع وكالة "أسوشيتد برس" نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" أن "كل مشروع لديه خطط طوارئ، وكان لدينا خطط طوارئ منذ البداية"، مضيفًا أنه عندما بدأ الحصار "اتصلنا بالمتعاقدين الرئيسيين، ووضعنا سلاسل توريد بديلة، كما تمكنا من الحصول على مواد بديلة من موردين بدلاء"، مختتمًا حديثه: "لقد تعرضنا للهجوم والانتقادات منذ سنين، لكننا نواجه هذه الانتقادات، ومشاريعنا تسير كما هو مقرر، وهذا الحصار لا يشكل أي خطر على استضافة كأس العالم".

في إطار مساعيها نحو توسعة رقعة نفوذها في المنطقة تسعى أبو ظبي إلى سحب البساط من تحت أقدام الجميع، بدءًا بالمملكة العربية السعودية والتي بات قرارها السياسي في كثير من المواقف مرهونًا بالموقف الإماراتي

كما استعرضت صحيفة "الشرق" القطرية بعض الجهود التي قامت بها في إطار الاستعداد للمونديال، منها البدء في الخطوات الأولى للتركيب السقف المميز في استاد الوكرة المرشح لاستضافة البطولة، والذي يتميز أنه متحرك بحيث يمكن تحويل الاستاد إلى استاد مغطى بالكامل، وذلك بعد أقل من شهر من الكشف عن تصميم استاد الثمامة، الذي يعد، أول استادات كأس العالم التي تُصمم بالكامل بأيدٍ قطرية عربية.

كانت قطر قد خصَّصَت 200 مليار دولار لبناء ملاعب جديدة، و35 مليار دولار لبناء نظام مترو وسكك حديدية، وبناء مدينة جديدة لمئتي ألف شخص، وبدأت أيضًا في مضاعفة حجم مطارها ليستوعب ما يصل إلى 53 مليون مسافر سنويًا، إلا أن الحصار المفروض عليها دفعها لمضاعفة هذا الرقم وزيادة معدلات الإنفاق وهو ما كشفه "هاف بوست" نقلاً عن وكالة "بلومبرج" التي استعرضت خطة الدوحة لاستكمال تحضيرات مونديال 2022 رغم الحصار.

وفي هذا السياق قال عادل عبد الغفار الزميل الزائر بمركز بروكينجز الدوحة: "مشروع كأس العالم مسألة حياةٍ أو موت بالنسبةِ لقطر، وسوف تدفع تكاليفه، فالأمر مسألة هيبة وفخر قومي وهم ملتزمون به تمامًا، لذا فلا أتوقَّع توقُّف العمل في المشروع".

خطوات ثابتة تسير بها الدوحة في مشوار الاستعداد لمونديال 2022

ماذا تريد أبو ظبي؟

في إطار مساعيها نحو توسعة رقعة نفوذها في المنطقة تسعى أبو ظبي إلى سحب البساط من تحت أقدام الجميع، بدءًا بالمملكة العربية السعودية والتي بات قرارها السياسي في كثير من المواقف مرهونًا بالموقف الإماراتي وهو ما حدث جليًا في التغير الواضح في توجهات الرياض حيال بعض الملفات، على رأسها الملف السوري واليمني، في ظل تبعية محمد بن سلمان الواضحة لمحمد بن زايد صاحب الفضل الأول في صعود ولي العهد السعودي وتمهيد الطريق أمامه نحو خلافة والده.

ثم تهميش الدور المصري عبر إضعافه وتقليل نفوذه الإقليمي من خلال دعم النظام العسكري في وأد أي مساعٍ نحو التحرر، وصولاً إلى محاولة إغلاق النوافذ كافة أمام قطر والتي تمثل حجر عثرة في مواجهة التمدد الإماراتي في المنطقة، وهو ما كشفته تسريبات يوسف العتيبة، سفير الإمارات في واشنطن، التي فضحت مخطط أبو ظبي نحو علمنة دول الشرق الأوسط بما يتماشى وأهواء واشنطن تمهيدًا لتصدرها المشهد على أنقاض القاهرة والرياض.

مشروع كأس العالم مسألةُ حياةٍ أو موت بالنسبة لقطر، وسوف تدفع تكاليفه، فالأمر مسألة هيبة وفخر قومي وهم ملتزمون به تمامًا، لذا فلا أتوقَّع توقُّف العمل في المشروع

أبو ظبي تعلم يقينًا أن صمود الدوحة في مواجهة الحصار المفروض عليها منذ الخامس من يونيو وحتى الآن مرهون ببعض التطورات والاستراتيجيات المتبعة التي نجحت قطر في الاعتماد عليها في مواجهة الضغوط الاقتصادية المفروضة ضدها، فضلاً عما حققته من نجاحات ملموسة على المستوى الدبلوماسي أكسبها دعم وتأييد العديد من القوى الإقليمية والدولية، وهو السيناريو الذي تخشاه الإمارات.

استمرار الدوحة في صمودها على هذا المنوال يعزز يومًا تلو الآخر، وهو ما دفع الكويت إلى إحياء جهود الوساطة مرة أخرى حسبما جاء على لسان سفيرها في المنامة، والذي تفاءل بشأن ما تحمله القمة الخليجية القادمة من أخبار سارة في إطار حلحلة الأزمة، في الوقت الذي تبذل فيه الإمارات قصارى جهدها لإجهاض هذه المحاولات كافة، خوفًا منها على مساحة نفوذها في المنطقة والتي ربما تهددها قطر حال خروجها من مأزقها الراهن والتي ستكون أكثر قوة بحسب آراء محللين.