لم يترك سليماني حيلة واحدة إلا ولجأ إليها، لعب القائد المخضرم على جملة من العوامل النفسية المستندة إلى حقائق تاريخية

وكأن شيئًا لم يكن، اتصالات دبلوماسية للتهنئة حتى الأمس وخصوصًا من الإدارة الأمريكية التي رحبت ربما بشكل مبالغ فيه لا يتناسب ودورها بمبادرة إدارة إقليم كردستان تجاه حل الأزمة الجارية في العراق بعد إعلانها وقف النار فورًا، بجانب وقف جميع العمليات العسكرية الدائرة في الإقليم، وكذلك تجميد نتائج عملية استفتاء انفصال كردستان، سارع الجميع لنسب النصر إليه ولو بالإيحاء، وهي حقيقة لا يماري فيها إنسان تجاه كل من ساهم ولو بالتضامن في منع الكارثة، ولكن للموقعة رجلاً ما زال صامتًا رغم لمساته السحرية لإنقاذ العراق من التقسيم والدماء، هو قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني.

ما قبل تدخل الجنزال الإيراني لإنقاذ بلاد الرافدين من الانقسام

في أول مؤتمر صحفي لمسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان، في خضم سيطرة الجيش العراقي والحشد الشعبي على مدينة كركوك، وبالتبعية تأمين آبار النفظ والمطار والقاعدة العسكرية، كان لافتًا أن الرجل الذي لم يحمل نفسه مسؤولية تصعيد الأزمة بشكل لافت، عاجز عن تفسير ما حدث ولم يجد إلا كيل الاتهامات في كل الاتجاهات خلال محاولة يائسة وعاجزة لتفسير الانسحاب السريع لقوات البشمركة من كركوك، مما سهل  للقوات الاتحادية التابعة للحكومة المركزية بالسيطرة عليها.

فقد البارزاني في لحظات فارقة أوراقه كافة، تخلت عنه أمريكا و"إسرائيل" ووقفت السليمانية مثل الشوكة في الظهر، فخسر عسكريًا كركوك

بدا واضحًا أن السياسي والمناضل الكردي العجوز كان يستند إلى معطيات ودراسات خاطئة عن كيفية تصور الأزمة حال حدوث مواجهة عسكرية مع القوات الاتحادية المدعومة بالحشد الشعبي، ولم تكن لديه لا القدرة ولا الدهاء على تقديم قراءة مختلفة وشافية وتاريخية لحقائق موازين القوى الإقليمية والدولية على الأرض، وما يمكن أن يواجه قواته في ظل عدم وجود غطاء جوي، ودعم أمريكي واضح وصريح دون أن يكون متلاعبًا كالعادة لتحقيق أقصى استفادة من الأزمة، الأمر الذي فسرته مراكز بحثية ووسائل إعلام دولية بالانسحاب الحكيم للقوات الكردية، لأنها بالطبع قلصت الخسائر وحقنت دماء الطّرفيين، وفتحت باب الحوار الهادئ السلمي لوضع حلول للأزمة الكردية من جديد.

القراءة الخاطئة للأزمة جعلت من كردستان العراق الذي كان صلبًا كالحديد خلف حكومته حتى يوم إجراء الاستفتاء، يتفتت إلى جبهات عدة، خصوصًا أن إصرار مسعود بارزاني على المُضي فيه للنهاية لم يكن مُعبرًا عن كامل إرادة الشعب الكردي الذي انقسم على أمره، وأظهر قطاع كبير منه في السليمانية أنه ما زال يؤيد التبعية للحكومة الاتحادية بشروط، بينما كان شطره الثاني في أربيل يرفض الحلول كافة التي لا تمنح كردستان العراق العلامة الكاملة في تأسيس وطن مستقل، مما نقل المعركة التي اندلعت على جبهات عدة خارجيًا وعلى مدار أسابيع طويلة سبقت الاستفتاء إلى صراع داخلي بين المواليين لحزب الاتحاد الوطني وأنصار الحزب الديمقراطي، فضلاً عن تفتت آراء أخرى تحولت إلى تكتلات للمستقلين عن طالباني والبرازاني.

فقد البارزاني في لحظات فارقة أوراقه كافة، تخلت عنه أمريكا و"إسرائيل" ووقفت السليمانية مثل الشوكة في الظهر، فخسر عسكريًا كركوك وآبار نفطها ومطارها العسكري، علاوة على سنجار وخانقين، في نفس الوقت الذي خسر فيه حلبجة والسليمانية تبعًا لمعارضة مؤيدي الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني دعاوى الاستقلال عن العراق.

استغل بارزاني رحيل طالباني، الرجل الذي دعا العراقيين جميعًا بالتقدم والرقى وترك الخلافات، ولم يجد قائد الحزب الديمقراطي إلا تصعيد النبرات العرقية وتغليب صوت الاستقلال على التفاهم مع الحكومة المركزية، دون أن يخطط لما سيحدث في اليوم التالي لتنفيذ الاستفتاء المزعوم، وكيفيات التعامل مع ردود الفعل على المستويات كافة، مما ساهم في تصعيد الأزمة رغم النداءات الإقليمية والدولية الرافضة لاستقلال الإقليم عن الدولة العراقية، وهو ما أجبر إيران على إرسال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، القائد المخضرم الذي حول مسار القضية رأسًا على عقب.

العلاقة الذكية لطهران التي جمعتها مع الحكومة المركزية والكرد العراقيين في نفس الوقت، كان لها مفعول السحر في تحقيق نتائج على أرض الواقع

سليماني.. كيف تكون حاسمًا وتحقن الدماء؟

لعب قاسم سليماني دور الوسيط بين الفرقاء ليس جديدًا، بصمات الرجل في العراق كانت واضحة بقوة وخاصة خلال قيادته للمعارك الأمامية ضد تنظيم داعش، وكثيرًا ما شوهد في لقطات تليفزيونية وهو يشرح للقوات كيفيات السير بالعمليات العسكرية من خلاله ممارسة مهامه باعتباره مستشارًا لفصائل الحشد الشعبي.

في 3 من أكتوبر الحاليّ وخلال مشاركته في جنازة الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، حملت تصريحات الرجل منحى سياسي واضح، بعدما حمّل الحزبان الرئيسيان في شمال العراق اللوم لبعضهما البعض بسبب خساراتهما في المدينة، وبعدها كثف القائد الإيراني من زياراته إلى كردستان للقاء الزعماء الأكراد وخصوصًا الذين بدوا منقسمين بشأن الأزمة.

ورغم سعي سليماني لإيجاد حل إلا أنه لم يخف لحظة واحدة مواقف بلاده من الأزمة، فقبل تنفيذ الاستفتاء مباشرة أطلق تصريحات مباشرة اتهم فيها الحزب الديموقراطي الكردستاني برئاسة برزاني بتعريض الأكراد لخطر التدخل العسكري من خلال دفعهم إلى التصويت المخالف للقانون والدستور على الاستقلال، ورغم القوة التي عبر عنها في تصريحاته إلا أنها لم تخل من عقلانية شديدة كانت تضع إيران دائمًا في موقف الحكيم الذي يدرك أخطار المقدمات والاستنتاجات.

الأمور كانت تشي بالسير تجاه الحرب الأهلية مع السلطة المركزية في بغداد، ولكن الرجل القوي استطاع التوفيق بين الأطراف المتنازعة خلال محادثات ضمته، وأسفرت عن اتفاق من تسع نقاط ينص على انسحاب البشمركة من محافظة كركوك، وتسليمها إلى الحكومة المركزية في بغداد.

ديناميكية القائد العسكري الإيراني جعلت الزعماء الأكراد أنفسهم يؤكدون أهمية الدور الذي لعبه في تمكين الحكومة العراقية من استعادة السيطرة على المدينة بهذه السرعة

بدا للجميع أن هناك درسًا يجب أن يؤخذ في الاعتبار، فالعلاقة الذكية لطهران التي جمعتها مع الحكومة المركزية والكرد العراقيين في نفس الوقت، كان لها مفعول السحر في تحقيق نتائج على أرض الواقع، بعكس العرب الذين اكتفوا بكيل الشتائم والسب واللعن والتجريح في الكرد واتهامهم بالتبعية لـ"إسرائيل"، ومحاولة استغلال الأزمة لحسابات نفسية وأيدلوجية دون أن تتمكن دولة واحدة منهم من ممارسة أي دور حقيقي لحل الأزمة.

ورغم المعارضة الواضحة للاستقلال الكردي عن العراق، والتي أعلنتها طهران منذ البداية، فإنها عمليًا كانت فرس الرهان، وكان رجلها في المفاوضات قاسم سليماني يعارض إجراء الاستفتاء على الاستقلال في الإقليم الكردي بشكل استراتيجي وحاسم، في الوقت الذي كان لخلفيته العسكرية وأنماط حديثه الواثقة الهادئة التي لم تتخل عن طرح حلول تعظم من ضرورة ضبط النفس وتصفية القضية سلميا دون إراقة دماء عبر شرح فاتوة الدماء التي لن يستطع أحد تصورها ولا تحمل أوزارها على مستقبل القضية، مفعول السحر في هندسة إنهاء الأزمة ولو بشكل مؤقت بعدما شغلت ضمير العالم طوال أسابيع مضت.

ديناميكية القائد العسكري الإيراني جعلت الزعماء الأكراد أنفسهم يؤكدون أهمية الدور الذي لعبه في تمكين الحكومة العراقية من استعادة السيطرة على المدينة بهذه السرعة، خصوصًا بعدما نجح في تحليل مستويات القوة وحقائق الخلافات على الأرض، فضلاً عن استغلاله للعلاقات الوثيقة التي تجمع بين إيران وقادة الاتحاد الوطني الكردستاني، أحد أهم الأحزاب السياسية الرئيسية في العراق، وحليف طهران الاستراتيجي في مدينة السليمانية، والمعارض الأبرز والأشرس لمسعود برزاني، وهو ما سرع من النتيجة المفاجئة التي تحققت في الإقليم المضطرب.

لم يترك سليماني حيلة واحدة إلا ولجأ إليها، لعب القائد المخضرم على جملة من العوامل النفسية المستندة إلى حقائق تاريخية، أعاد تدوير اللحظات السوادء في التاريخ العراقي بمخيلة الجميع، وشرح كيف انتهى جمود السياسي والتصميم على الانفصال على النحو الذي قاد صدام حسين لإنهاء التمرد الكردي في عام 1991 بالعنف المفرط لا يزال يمثل وجعًا لا ينتهي في مفاصل الجسد العراقي حتى الآن.

ضغط القائد الفارسي بقوة على اعتبار مفاوضاته حلاً سحريًا في اللحظات الأخيرة التي ربما لن تعود مرة أخرى، لإعطاء الفرصة لصناع القرار الكرد في التفكير جديًا وإعادة طرح حساباتهم من جديد حتى يتفادون ارتكاب أخطاء كارثية سيدفع حتمًا ثمنها الجميع، ولكنها لن تقود الكرد في النهاية إلى الاستقلال المزعوم، حتى تحقق له ما أراد لتثبت إيران ومن خلال مواقفها الأخيرة أنه لا تماس في الإرادة السياسية بين إيران والعرب، فهذا شيء وذاك شيئًا آخر .