دعنا نتوقف عن التفكير بعض الشيء ونشاهد، المنتج الذي سنخرج به في النهاية هو فيلم حركة من الطراز الأول، تصوير جيد في معظم الأوقات، بداية مشجعة، ونهاية بطولية آملة! 

لكن ربما هذا تحديدا هو ما يُراد للمشاهد أن يفعله، يتوقف تماما عن التفكير ثم يبدأ المشاهدة! 

الفيلم الذي تكلف قرابة 40 مليون دولار وحصد أرباحا تقدر ب123 مليون دولار تم اقتباسه من كتاب للناجي الوحيد من العملية الأمريكية الفاشلة، ماركوس لوتيريل، بنفس العنوان.

قصة الفيلم تحكي عن عملية غير اعتيادية للقوات الخاصة من مشاة البحرية الأمريكية (الفيلم صورها أنها عملية روتينية للغاية لكن الكتاب لم يقل أنها كانت كذلك)، يريدون فيها اعتقال أو اغتيال أحمد شاه، أحد زعماء طالبان الذين كما يظهر من الفيلم: كان مسؤولا عن قتل 20 من جنود المارينز فقط في الأسبوع الذي سبق العملية.

يبدأ الفيلم بتدريبات تلك القوات الخاصة، ربما هذه صور حقيقية بالفعل من عدد من التدريبات التي يتعرض لها جنود البحرية الأمريكية، ربما ليبرر لك كم القوة التي يتمتع بها هؤلاء الجنود كما سيظهر في المشاهد اللاحقة من الفيلم.

وبعدها يعرض الفيلم كيف أن الجميع لديه عائلات، ورغم ذلك فالجميع متحمس للمشاركة في قتل “الرجال السيئين”، - كانت أول كلمات القائد أثناء تعريفهم بالهدف “أحمد شاه” أنه “شخص سيء” Bad Guy” لينزع عنه صفته الإنسانية أمام المشاهد تماما - تبدأ الاستعدادات للعملية، ويذهب أربعة أشخاص للقيام بالعملية، هم أبطال الفيلم.

أحمد شاه الحقيقي

وبالتوازي مع ذلك يُظهر الفيلم جنود طالبان يقتادون قرويا بسيطا من داخل منزله لسبب مجهول بعد شجار لفظي معه وبدون ترجمة الحوار الذي يجري بالبشتو إلى الانجليزية، فالمشاهد لا يحتاج أن يعرف أسبابا .. إننا نحتاج فقط أن نرى الرجال السيئين يقتادون رجلا إلى حتفه ليذبحوه بالسيف وهم يضجون بالتكبير!

وجوههم شديدة الحدة، خاصة أحمد شاه، الذي كانت ملامحه الحقيقية أكثر هدوءا بكثير من الشكل الذي صوره به الفيلم.

أحمد شاه كما صوره الفيلم

بعدها نعود إلى أبطال المهمة الذين يجدون مكانا جيدا للانتظار فيه لحين استطاعة تنفيذ مهمتهم، إلا أنهم يواجهون عددا كبيرا من الماعز يرعاها قرويون أفغان، طفلين ورجل عجوز، ويبدأ أحد من أهم الحوارات في أفلام الحروب الأمريكية.

مثل فيلم Zero Dark Thirty و فيلم Unthinkable اللذان يبرران التعذيب الوحشي الذي تقوم به وكالة الاستخبارات الأمريكية والأمن القومي للحصول على المعلومات لإنقاذ الأمريكيين، يظهر هذا الحوار كيف أن الجندي الأمريكي يهتم إلى أقصى حد بالإنسانية ويحرص على ألا تُنتهك أبدا. 

يدور الحوار بين الجنود الأربعة عما إذا كانوا سيسمحون للمدنيين بالرحيل وتعريض المهمة للخطر، أم قتلهم حفاظا على المهمة، وبعد مداولات طويلة بينهم يقررون التصويت والسماح لهم بالرحيل. 

إن طيبة قلب الجنود الأمريكيين هي عيبهم الوحيد! فلو كانوا ذبحوا المدنيين لما كانوا قد قُتلوا! فأحد الأطفال يسرع يقفز عبر الصخور الجبلية لأفغانستان (الفيلم تم تصويره في ولاية نيومكسيكو الأمريكية)، ليخبر جنود طالبان الذين يأتون لتبدأ معركة حامية الوطيس مع الجنود الأمريكيين. 

بعد العديد من اللقطات العاطفية والمليئة بالحركة ووصول طائرة للمساعدة وإسقاطها بصاروخ أفغاني يتبقى ناج واحد فقط هو بطلنا والبيرج، أو الجندي ماركوس. 

في هذا الفصل من الفيلم يظهر الأفغاني الطيب، الشخص الذي يريد إنقاذ الأمريكي، ويذهب به إلى منزله بالفعل، وفي البيت ينام الرجل ويلبس ملابس أفغانية ويبدأ بالتعامل مع ابن الرجل الذي أنقذه، الطفل الصغير. 

ومع الدقائق التالية تظهر رابطة ما بين الطفل وبين الجندي الجريح، ما يجعل الجندي يطلب من الطفل أن يحضر له سكينا، ويحاول الطفل حينها أن ينطق الكلمات الانجليزية، وهو الأمر الذي يتكرر عدة مرات حتى نهاية الفيلم.

طالبان يعلمون بالخبر فيأتون لاقتحام القرية الصغيرة والحصول على الأمريكي لقتله. إلا أن الرجل الذي أنقذه (واسمه الحقيقي محمد غلاب) ينقذه مرة أخرى عبر توجيه سلاحه إلى صدور الرجال السيئين، الذين يقررون التولي والتحيز إلى فئة لنصرتهم على القرية! 

وفي الوقت نفسه يصل الخبر إلى الأمريكيين في قاعدة باغرام الجوية فيأتون لإنقاذ الجندي.

يعود طالبان، وتحدث اشتباكات ضارية بينهم وبين أهالي القرية وينفرد أحدهم بالجندي الأمريكي محاولا قتله إلا أن الطفل الصغير يعطيه سكينا ليقتل به الأمريكي الرجل “الطالباني” قبل أن يأتي الأمريكيون لإخراجه في النهاية. 

في النهاية أثناء رحيل الأمريكيين، يأتي الطفل مسرعا إلى الجندي ليحتضنه قبل أن يبتعد في الطائرة التي تأخذه إلى “المنزل”.  وفي نهاية الفيلم يعرض المخرج الوجوه الحقيقية لمنفذي العملية ومشاهد من حياتهم في نهاية شديدة العاطفية والتأثير. 

يأتي هذا الفيلم (وقد عُرض لأول مرة بداية هذا العام في السينما الأمريكية) في العام الذي يتقرر فيه انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وعلى العكس من كل الحقائق على الأرض، يؤكد الفيلم ادعاءات بعض الساسة الأمريكيين من أن الأمريكيين قد حققوا نجاحات باهرة على الأرض.

الفيلم يصور الطفل (الأجيال القادمة من الأفغان) كأصدقاء للأمريكيين، يساعدونهم في قتل طالبان، يحاول التقرب منه وتعلم اللغة منه، يودعه أثناء رحيله، هذه الصورة تنطوي على كذبة مفضوحة، الحقيقة منها أن الأمريكيون يستمرون في قصف القرى الباكستانية والأفغانية بالطائرات بدون طيار، ما يؤدي لمقتل مئات المدنيين وتدمير عشرات الممتلكات وزيادة الكراهية للولايات المتحدة وللجنود الأمريكيين.

في مشهد الرحيل، يقول الأمريكي للجنود، أنه يريد أخذ عائلة الرجل الأفغاني الذي أنقذه معه، يبدو الرجل الأفغاني مستسلما ومستعدا للرحيل، لكن أحد الجنود يقول “أخشى أن هذا لن يحدث”، يمكن ربط هذا المشهد تحديدا بآلاف الحالات للمترجمين الأفغان والسائقين وغيرهم ممن ساعدوا القوات الأمريكية في أفغانستان، ويتركهم الأمريكيون عرضة للقتل بعد أن استنفذوا غرضهم منهم. بعضهم يحصلون على الإقامة في الولايات المتحدة لكن الكثيرين لا تتاح لهم تلك الفرصة.

أما الحقيقة التي يقرها الفيلم في آخر جمله التي تظهر على الشاشة، أن تلك القرية الصغيرة ما زالت تقاوم طالبان. 

فبعد رحيل الأمريكي عن أفغانستان، يترك الاحتلال تلك البلاد في أوضاع أسوأ كثيرا، لم ترحل عنها طالبان، ولم يجلب لها شيئا سوى المزيد من القتل والدمار. قبائل تصارع بعضها البعض، ومتطرفون يسيطرون على مقدرات الأمور، وغياب للدولة المركزية ومؤسساتها، مرض وفقر وجوع، يعرض الفيلم تلك الحقيقة بجلاء: فشلت العملية ولم يستطع الأمريكيون اعتقال أو اغتيال أحمد شاه الذي يمثل طالبان (الذي قُتل لاحقا في 2008 في اشتباكات مع الجيش الباكستاني)، وعاد الأمريكي بعد أن فقد أصدقاءه وجنوده إلى “المنزل”، وبقي من ساعدوه في مواجهة المتطرفين الذين جاء الأمريكيون منذ البداية للقضاء عليهم.

عندما بحثت عن بعض ردود أفعال المتابعين العرب، لم أستطع أن أقاوم دهشتي ورغبتي في عرض بعض ردود الأفعال التي شاهدتها على تويتر، يمكنكم قراءة بعض تلك التعليقات:

https://twitter.com/qatari90/status/440334269425020928