أغنية أصدرها مجموعة من الفنانين الإماراتيين، حملت بين طياتها تحذيرًا للسياسة القطرية واتهامًا مباشرًا لها بدعم الإرهاب والارتماء في أحضان تركيا وإيران

كثيرًا ما تُستخدم الموسيقى والأغاني في السياقات السياسية، سواء كانت مؤيدة للمؤسسة وتتناول القيم الوطنية أو القضايا المتعلقة بالفخر والانتماء الوطني وتعزيز المواقف والحشد الاجتماعي من جهة، أو كانت مناهضة تدعو للاحتجاج والتمرد ورفض الواقع وسياسات المؤسسة من جهة أخرى.

تحاول الجهات السياسية إيصال رسائل إما واضحة أو غامضة من خلال الموسيقى والأغاني التي تصنعها تبعًا للأوضاع الراهنة والتطورات الحاصلة، وبالتالي يمكن لتلك الرسائل أن تهدف فقط لمراقبة الأوضاع السياسية ونقلها للعامة في قالب فني موسيقي، أو أن تأخذ منحى أبعد من ذلك، فتقدم رأي حزب محدد أو تدعو لسياسة معينة على حساب سياسة أخرى، ووفقًا لهذا التمييز، يمكننا القول إن الموسيقى السياسية إما أن تستخدم لزيادة وعي الجمهور أو الدعوة وتأييد جهة معينة.

شهد الوطن العربي في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في نمو الأغنية السياسية، خاصة بعد مرحلة الثورات العربية، وقد دعمت الحكومات، تمامًا كما الأفراد، هذا الجانب كوسيلة للحشد وبناء عقل جمعي بشأن سياسة أو توجه محدد.

آخر تلك الأغاني كانت التي صدرت بالأمس وحملت اسم "قولوا لقطر"، والتي نالت مشاهدات عالية فور إطلاقها وأصبحت "تريند" في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تحولت لموضوع حديث الآلاف من الأفراد ما بين مؤيد أو معارض أو حتى متهكم أو مراقب.

الأغنية التي أصدرها مجموعة من الفنانين الإماراتيين أكدت على استمرار تداعيات الأزمة الخليجية بين قطر والدول المجاورة لها، وحملت بين طياتها تحذيرًا للسياسة القطرية واتهامًا مباشرًا لها بدعم الإرهاب والارتماء في أحضان تركيا وإيران، كما وجهت كلماتها لمن اعتبرتهم "مساندين" للسياسة القطرية مثل رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي، والمدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة عزمي بشارة.

لم تكن "قولوا لقطر" الأغنية الأولى التي خرجت تبعًا للأزمة الخليجية الحالية، وإنما سبقتها الأغنية السعودية "علم قطر" من تأليف وغناء شاعر ومطربين سعوديين، وهاجمت بوضوح تام السياسيات القطرية في ضوء الأزمة الخليجية خاصة تجاه المملكة العربية السعودية.

ولو عدنا إلى تاريخ الأغنية السياسية العربية لوجدنا أنها تعود إلى بدايات القرن الماضي، أي في الفترة التي كانت الدول العربية لا تزال خاضعة لسيطرة الاحتلال والتقسيم، ولعل أكبر مثال على الأغنية في تلك الفترة هو ما غناه سيد درويش لتحريض الشعب وبث الحماسة فيه ورفع معنوياته من جهة، والتعبير عن هموم المصريين وتطلعاتهم الوطنية ورغبتهم في التحرر من الاستعمار من جهة أخرى، مستخدمًا بذلك المفردات الشعبية البسيطة والألحان الغنائية الجميلة التي خلدت اسمه كأحد أهم رائدي الغناء العربي، على سبيل المثال أغنية "قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك" عام 1919.

وإن صح التعبير، فقد جاءت بعد المرحلة الغنائية لسيد درويش مرحلة ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، والتي شهدت تصاعدًا كبيرًا للأغنية السياسية في أوساط كبار المغنيين مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم.

فغنت أم كلثوم في العام نفسه "مصر التي في خاطري وفي فمي"، كما أنشد عبد الحليم حافظ أكثر من 60 أغنية للثورة وللعروبة منها: "أحلف بسماها وبترابها"، كما اتخذت أغانيهم - لا سيما في المرحلة الناصرية - بُعدًا قوميًا واسعًا فغنوا لفلسطين وباقي الدول العربية، وحين قرر الرئيس جمال عبد الناصر تدشين مشروع السد العالي ظهرت أغانٍ مثل "حكاية شعب".

شهدت مصر أيضًا تملقًا كبيرًا للرؤساء والحكام، الأمر الذي كان أساسًا لأسباب سياسية، فقد كان الفنان يطلب من خلال أغانيه الدعم والحرية من السياسيين والحكام، أم كلثوم غنت للملك فؤاد والملك فاروق وعبد الناصر، وعبد الحليم حافظ على سبيل المثال غنى "ناصر ناصر".

ولو قفزنا قفزة سريعة من تلك المرحلة لمرحلة الثورات العربية، أي قفزة عمرها أكثر من 60 عامًا تقريبًا، ونظرنا للإنتاج السياسي في الأغنية العربية المصرية، سنجد أمامنا "تسلم الأيادي" التي غناها مجموعة من الفنانين المصريين وركزت على مدح السيسي والجيش المصري بعد الانقلاب على حكومة محمد مرسي.

وسواء اختلفت معها أو اتفقت، فلا شك أن هذه الأغنية تعتبر واحدة من أشهر الأغاني التي حملت توجهًا سياسيًا محددًا بعد الثورات العربية، خاصة أنها حققت إقبالًا شعبيًا واسعًا في الأوساط المصرية ومشاهدات ومشاركات عالية في مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من سطحيتها وابتذالها.

وليس من الصعب أن تحزر أن ثاني الأغاني الشهيرة - أو ربما أولاها لا أدري حقًا - هي "بشرة خير" أو الأغنية التي تخطت حاجز الـ263 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب، ولك أن تتعجب أنها باتت تُسمع في شوارع تركيا وأوروبا من قبل غير العرب للحنها الراقص ونغماتها الإيقاعية.

الأغنية طُرحت تزامنًا مع انتخابات الرئاسة المصرية عام 2014 لحث المواطنين المصريين على المشاركة في التصويت، وهي من كلمات أيمن بهجت قمر وألحان عمرو مصطفى، وأهداها المطرب الإماراتي حسين الجاسمي للشعب المصري.

دعنا نبتعد قليلًا عن مصر ونعود بالتاريخ مجددًا لمنتصف القرن الماضي، لكن إلى لبنان حيث الحقبة الرحبانية البديعة في الفن، فقد قدم كل من منصور وعاصي الرحباني ومعهم السيدة فيروز الكثير من الأغاني الوطنية التي ركزت على الوضع السياسي في لبنان والعالم العربي ككل مثل القدس ودمشق وعمان وبغداد وغيرها الكثير.

المتابع للأغنية السياسية اللبنانية آنذاك، سيلاحظ تركيزها على الوطن كمكان وحضارة بصورة أساسية، وليس على قضية سياسية محددة أو انتقاد واحتجاج مثلًا، أما في السنوات الأخيرة فقد ركزت الأغنية اللبنانية على الوضع العام للدولة والتي يشهد تدهورًا سياسيًا كبيرًا، فحملت الكلمات نقدًا شديدًا سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة لكل ما يحدث في البلد.

منصور رحباني استمر على نهج العائلة القديم، وقدم الكثير من الأغاني ذات الرسائل السياسية التي ركزت أساسًا على نداء الحرية والوحدة والديموقراطية ورفض الفرقة أو الحديث عن الفساد الحاصل، وربما كانت كل من كارول سماحة وهبة طوجي أكثر الأصوات المميزة التي استخدمها لإيصال رسائله التي جاء بعضها في إطار مسرحيات مغناة، مثل مسرحية "زنوبيا" و"آخر أيام سقراط" لكارول سماحة.

أما هبة طوجي وبالتعاون مع أسامة الرحباني فقد غنت للربيع العربي، ناعية إياه بقولها "حلمنا بربيع مزهر عطرو ينتشر عالناس، طلع الربيع محير، زهر دم ولاد وناس.. بديت بعربية خضرا ولعت ثورة بالميدان، عملوها ثورتنا حمرا تقتل باسم الأديان".

وعلى الصعيد اللبناني، وربما العربي بشكل عام، غنت هبة "تانغو الحرية" حاملة رسائل مبطنة عن غياب الحريات وسلبها، وعن دكتاتورية الحكام والسياسات الترويعية التي يتبعونها، ودعوات بالثورة والتمرد لنيل الحرية كما فعل الكثيرون في مدن أخرى سابقًا.

أما رسالتها الأخيرة فقد جاءت عن طريق أغنية "بلد التناقض" والتي ركزت على الأطياف المتناقضة والمختلفة في إطار السياسة اللبنانية، داعية لحل مشكلة الاختلاف والتفرقة بأسلوب تهكمي حمل قالبًا من الكوميديا السوداء "في عنا 18 طايفة والديون عنا طايفة" و"بلدنا مش طبيعي ونحنا مش طبيعيين".