خلفت الحادثة سقوط 17 قتيلاً وعشرات الجرحى

الأحد الـ19 من شهر نوفمبر 2017، يوم لن ينساه المغاربة، ففيه كانت الفاجعة التي اهتزت لها المملكة ووصل صداها باقي دول العالم وتصدّرت المنابر الإعلامية، وخلاله أثبت "ضحايا الدقيق" زيف مقولة "الاستثناء المغربي"، وفضحن ادعاءات المسؤولين الذين توجهوا لتنمية إفريقيا ونسوا أو لعلهم تناسوا تنمية جهات بلادهم "المنكوبة".

17 قتيلاً

أسفر حادث تدافع في أثناء توزيع مساعدات غذائية على ساكني بلدات قروية تابعة لمحافظة الصويرة وسط غرب المملكة المغربية عن مقتل العديد من النساء، وبلغ عدد الضحايا حسب مصادر رسمية 17 شخصًا بينما أصيب العشرات وتم نقل 5 منهم في وضعية حرجة إلى المستشفى الجامعي في مراكش.

وأفادت وزارة الداخلية المغربية في بيان أن المأساة وقعت في أثناء توزيع المساعدات الغذائية في منطقة سيدي بولعلام، نحو 60 كيلومترًا شمال شرق الصويرة، وتجمع حشد من النساء العجائز خصوصًا صباحًا في ساحة السوق في البلدة الريفية سيدي بولعلام، للاستفادة من التوزيع السنوي لبعض الإعانات الغذائية (دقيق وزيت وسكر) على سكان البلدات القريبة التي تتبرع بها المنظمات الأهلية القادمة من مدينة الدار البيضاء بالتنسيق مع أبناء القرية، وفقًا لشهود عيان.

يؤكّد شهود العيان أن المواطنين رابطوا في السوق منذ ليلة السبت من أجل الحصول على المساعدة

وقال شهود العيان إن التجمّع كان كبيرًا جدًا وغالبيته من النساء، مما تسبّب في ازدحام شديد، الأمر الذي جعل العديد منهم يتدافعون بشكل قوي للحصول على نصيبهم وعند حصول التدافع سقطت الحواجز التي وضعت للتنظيم فخرجت الأمور عن السيطرة، ودأب أحد المحسنين من أبناء المنطقة، حسب ساكني القرية، على جلب مساعدات غذائية بتنسيق مع جمعيات قادمة من مدينة الدار البيضاء كل مرة.

https://www.youtube.com/watch?v=fJt660VIr4Q

ويؤكّد شهود العيان أن المواطنين رابطوا في السوق منذ ليلة السبت من أجل الحصول على المساعدة، فيما جاءت وفود من جماعات قروية أخرى تابعة لإقليم الصويرة وإقليم شيشاوة صوب منطقة سيدي بولعلام صباحًا، للحصول على المساعدات الغذائية، ورغم ذلك فإن الوجود الأمني كان ضعيفًا واقتصر على أربعة أعوان أمن فقط حسب قولهم.

وتظهر اللقطات التي بثتها مواقع إعلامية محلية، حشدًا ضخمًا تجمع في ساحة السوق، كما تظهر الصور أجسادًا ممددة على الأرض تحت لافتة "الجوع قتل العشرات من الفقراء في محافظة الصويرة" مؤكدة أن مأساة سيدي بو لعلام عار على المسؤولين وممثلي المنطقة المنتخبين.

غضب شعبي

مباشرة إثر الحادثة كتبت الصحفية المغربية شادية بوطويل تدوينة في صفحتها الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك جاء فيها: "حين يحصد الفقر أرواحًا جاعت أجسادها، فاندفعت خلف نزعة البقاء دون الخوف من أن تخسر شيئًا، لأن لا شيء لديها لتخسره، حين تؤجج الحاجة شعلة الأمل الذي يلوح من بعيد، في صورة كيس دقيق أو قنينة زيت أو بضع حبات أرز".

من جانبها نشرت صفحة شوف تيفي، تدوينة جاء فيها: "بسبب السمك مات #محسن_فكري، وبسبب الدقيق ماتت 15 امرأة من الأمهات الفقيرات دفعة واحدة في#الصويرة، إنها لقمة العيش تقتل ضعفاء هذا الوطن يا سادة، أو ربما بعض مسؤوليه من يقتلون من يطلب القليل ليعيش، ومع كلّ ذلك قد لا نشهد لا اعتقالات ولا إعفاءات ولا زلازل، فقط سنكون أمام تكفل جلالته بالضحايا كما هي عادته عند كل حادثة وستفتح الداخلية كما هي عادتها تحقيقًا يذهب إلى أبعد مدى ولا يعود أبدًا.

فيما كتبت ناشط يدعى لقمان في حسابه على تويتر تعقيبًا على الحادثة: "بلاد أنفقت 500 مليار من أجل قمر صناعي يموت فيها 15 امرأة في صراع من أجل حفنة دقيق، سئمنا من استحمار ذكاء الشعب وتملق للخارج على حساب تفقير وتهميش الداخل".

https://twitter.com/Loqman40sec/status/932347098435149830

سيدي بولعلام "القرية المنكوبة"

تفيد العديد من المؤشرات أن قرية سيدي بولعلام التي يقطنها أكثر من 8 آلاف ساكن، جماعة فقيرة على غرار أغلب جماعات إقليم الصويرة الذي يعد الإقليم الرابع وطنيًا من حيث الفقر المتعدد الأبعاد، بعد شفشاون وتاونات ومولاي يعقوب.

ويبلغ المؤشر المتعدد الأبعاد للتنمية المحلية المتعددة الأبعاد بالقرية 0.514، وهو مؤشر ضعيف جدًا ويعتبر أقل من المعدل الوطني المتوسط في المملكة (0.700)، وأقل من المعدل العام لإقليم الصويرة (0.595)، الذي تنتمي إليه الجماعة، وهو ما يرجع إلى حالة سيئة لأوضاع الصحة والنشاط الاقتصادي والسكن والخدمات الاجتماعية ومستوى العيش، في الجماعة، حسب تقرير رسمي صدر نهاية سبتمبر الماضي، بعنوان "خريطة التنمية المحلية المتعددة الأبعاد بالمغرب، المستوى والعجز".

تصل نسبة الأمية في القرية إلى 56%، وهو رقم مطابق لمستوى الدراسة لدى سكان الجماعة

ولا تتجاوز قيمة المؤشر المتعدد في قطاع الصحة في هذه القرية 0.412، وتنهار قيمة المؤشّر أكثر بالنسبة للنشاط الاقتصادي (0.387)، وفي السكن (0.370)، ليعاود التحسن في الخدمات الاجتماعية (0.447)، ولكن بعيدًا، دائمًا عن المعدل الوطني المتوسط (0.700).

وتصل نسبة الأمية في القرية إلى 56%، وهو رقم مطابق لمستوى الدراسة لدى سكان الجماعة، فنسبة 57.4% منهم مستواهم الدراسي "لا شيء"، مقابل 5.4% فقط تلقوا تعليمًا أوليًا، و4.5% بلغوا مستوى الإعدادي، مقابل 1% أنهوا المرحلة الثانوية، في حين لا تتعدى نسبة سكان الجماعة الذين تلقوا تعليمًا جامعيًا 0.2%، حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمغرب في 2014.

ويقطن 96% من سكان الجماعة في بيوت قروية، و6.2% فقط لديهم حمام منزلي، وإذا كان 85.2% منهم يستفيدون من الربط بالكهرباء، فإن نسبة الذين يتوفر في منازلهم الماء الجاري لا تتعدى 35.6%، وتمتلك 96.5% من الأسر مطابخ في بيوتها، ولدى 44.1% منهم ثلاجة، حسب النتائج التفصيلية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014.

معاناة مشتركة

هذه الأرقام المفزعة والمعاناة التي يعانيها سكان قرية سيدي بولعلام المغربية ليست حصرًا عليهم فقط، بل تشترك معها العديد من المناطق الأخرى وتقاسمها نفس الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية أو لعلها تفوقها في معاناتها، وفي أحدث تقرير لهما، يرصد مجهودات الحكومات للحدّ من انعدام المساواة الاقتصادية صنّفت منظمة "أوكسفام" العالمية ومنظمة التنمية المالية الدولية، المغرب في المرتبة 103 من أصل 152 دولة شملها الاستطلاع الذي يعتمد على ثلاثة مؤشرات أساسية هي: مقدار استثمار الحكومات في الإنفاق الاجتماعي وكيفية استخدامها لأموال الضرائب لموازنة مستوى التفاوت في الدخل وحقوق العاملين.

وقبل ذلك، أظهر مؤشر الجوع العالمي لسنة 2016 الذي يصدره المعهد الدولي للبحوث السياسية التابع للأمم المتحدة، أن 4.4%من مجموع سكان المغرب يعانون نقصًا في التغذية، و2.3% من الأطفال دون سن الخمس سنوات يعانون من الهزال الناتج عن ضعف التغذية، بينما 14.9% من الأطفال دون الخامسة يعانون من التقزم، و2.8%من الأطفال الرضع تحت معدل الوفيات.

ويمثّل عدد الذي يعانون من سوء التغذية في المغرب 5% من السكان، حسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية وبرنامج الغذاء العالمي بشأن القضاء على الجوع، ويقول التقرير إنّ كلفة اجتثاث هذه الظاهرة يقدر بحدود 0.18% من الناتج الإجمالي المحلي.

انتشار مظاهر الفقر في المملكة

وفي أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة عن مؤشر التنمية البشرية الذي شمل 188 دولة، جاءت المملكة المغربية في مراتب متأخرة بعدما احتلت المرتبة 123 عالميًا، واستند التقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مارس الماضي، على عدة مؤشرات أهمها الصحة والتعليم والفقر وأمد الحياة ومعدل الدخل الفردي، ويعتمد التقرير على أربعة مؤشرات هم: مؤشر التنمية البشرية المعدل بحسب درجة الفوارق ومؤشر التنمية الجنسية ومؤشر الفوارق بين الجنسيين الذي يركز على تمكين المرأة ومؤشر الفقر المتعدد الأبعاد الذي يقيس جوانب الفقر غير المتصلة بالدخل.

دور الملك

كثيرًا ما نسمع العاهل المغربي ينتقد الأوضاع في المملكة خاصة الاجتماعية منها، داعيًا إلى ضرورة مكافحتها والحدّ منها، محملاً بعض المسؤولين مسؤولية ما وصلت له الأوضاع دون أن يحمّل نفسه يومًا المسؤولية، متناسيًا أنه في أعلى سلطة والمسؤول الأول في المملكة المغربية.

ويرى العديد من المراقبين أن النموذج السياسي الذي اعتمده الملك المغربي محمد السادس وقبله والده محمد الخامس، كان بمثابة الحاجز أمام عمليات التنمية في المملكة، ذلك أن هذا النموذج السياسي ما فتئ يكرس الفوارق الاجتماعية والطبقية والمجالية، ويولد الإقصاء والتفقير في حق عدد كبير من مواطني المملكة.

تحتاج المملكة المغربية حسب العديد من الخبراء إلى مقاربة جديدة في مجال التنمية تعالج نقاط الضعف والاختلالات التي ظهرت خلال السنوات الماضية

 ويؤكّد خبراء، أن هذا النموذج يهدف إلى تكوين مجموعات مالية مرتبطة بالسلطة السياسية وتلبية احتياجات هذه المجموعات، وكانت تقارير سابقة قد أكّدت أن "فئة اجتماعية قليلة مقربة من دوائر القرار السياسي في المغرب هي الوحيدة التي استفادت من الثروة التي أنتجتها المملكة في العشرية الأولى للقرن الـ21، فيما لم يتم توزيع هذا الكم من الإنتاج بشكل عادل بين كل فئات المجتمع".

وتحتاج المملكة المغربية حسب العديد من الخبراء إلى مقاربة جديدة في مجال التنمية تعالج نقاط الضعف والاختلالات التي ظهرت خلال السنوات الماضية، في النموذج التنموي المعتمد في المملكة غير القادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي.