تراجع احتياط العملة الصعبة في الجزائر

تعرف الجزائر تراجعا كبيرا في احتياطاتها من العملة الصعبة، بلغ مستويات قياسية لم تشهدها البلاد في السابق، نتيجة تواصل أزمة النفط في الأسواق العالمية، ما حتّم على السلطات الحاكمة اتباع سياسات اقتصادية قاسية للحدّ من تداعيات هذا التراجع.

تآكل متسارع لاحتياطي النقد الأجنبي

تُظهر الأرقام الرسمية المتتابعة تآكلاً متسارعاً لاحتياطي النقد الأجنبي في الجزائر، التي كان يحوز مصرفها المركزي على ثاني أكبر كتلة عملة صعبة في المنطقة بعد المملكة العربية السعودية، قبل عامين ونصف.

ودخلت الجزائر، مؤخرا، في منعطف خطير من أزمتها الاقتصادية، حيث تقترب احتياطاتها من العملة الصعبة في بنكها المركزي من المنطقة الحمراء، وبلغت الاحتياطات النقدية للجزائر، نحو مئة مليار دولار بنهاية الشهر الماضي، مقابل 179.9 دولارا عند نهاية ديسمبر/كانون الأول 2014، ويتوقع أن تصل إلى 97 مليار دولار بنهاية العام الجاري.

تتوقع الجزائر أن ينخفض الاحتياطي إلى 85.2 مليار دولار العام المقبل

وفي ضوء هذه المؤشرات المفزعة تكون الجزائر قد فقدت نحو 80 مليار دولار من احتياطاتها النقدية منذ أن بدأت أزمة تراجع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية في منتصف عام 2014، ما يعني أن الجزائر فقدت نصف ما كان بحوزتها من عملات صعبة خلال ثلاثة أعوام من الأزمة.

وكانت احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي قد هوت من 192 مليار دولار بالنصف الأول من عام 2014 (قبل أزمة النفط)، إلى 144.13 مليار دولار نهاية 2015 إلى 114.14 نهاية 2016، ليفقد قرابة 30 مليار دولار خلال عام واحد، فيما كشف رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال، مطلع مارس/آذار الماضي، أن احتياطي البلاد بلغ 112 مليار دولار بنهاية الربع الأول من السنة الحالية.

البنك المركزي الجزائري

وفي وقت سابق قال وزير المالية عبد الرحمن راوية، أن بلاده تتوقع أن ينخفض الاحتياطي إلى 85.2 مليار دولار العام المقبل، أي ما يعادل 18.8 شهراً من الواردات، ليصل إلى 79.7 مليار دولار نهاية 2019، أي ما يعادل 18.4 شهراً من الاستيراد، ليصل الاحتياطي نهاية 2020 إلى ما يقرب 76.2 مليار دولار، ما يمثل 17.8 شهراً من الواردات.

فشل السياسات المالية

يعكس هذا التراجع الكبير في احتياط الجزائر من العملة الصعبة، حسب عديد من الخبراء الاقتصاديين، فشل السياسات المالية المتبعة من الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد طيلة السنوات الأخيرة، والتي تسببت في أزمة اقتصادية كبيرة نتيجة الاعتماد المفرط على عوائد صادرات النفط والغاز.

وتعتمد الجزائر،العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، على عائدات النفط والغاز بنسبة كبيرة في موازنتها، كما أن المحروقات تمثل نسبة 96% من صادراتها، وانخفضت عائدات الجزائر من النفط والغاز سنة 2016 إلى حدود 27.5 مليار دولار بعد أن كانت 35.7 مليار دولار في 2015، و60 مليار دولار في 2014، بحسب التقديرات الأولية للحكومة.

في شهر شباط/فبراير  الماضي، نفذ صندوق ضبط الايرادات كليا في البلاد حسب وثيقة حكومية

وينتظر أن تصل مداخيل البلاد من تصدير النفط والغاز إلى 32 مليار دولار في نهاية 2017، ما يعادل نصف قيمة ما كانت تصدره قبل أزمة الأسعار في صيف 2014، وتواجه الجزائر أزمة مالية حادة وعجزًا بلغ 13.7% من الناتج الداخلي الخام سنة 2016، مما اضطر الحكومة للجوء إلى طبع العملة. 

وفي شهر فبراير/شباط الماضي، نفذ صندوق ضبط الايرادات كليا في البلاد حسب وثيقة حكومية حذّرت من الوضع المقلق للمالية العمومية، وصندوق ضبط الإيرادات، عبارة عن مؤسسة مالية تم إقرارها في 2002 من طرف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، تقوم على أساس توفير (ادخار) الفارق المالي لفائض بيع برميل النفط الخام في السوق العالمي وسعره المعتمد في قانون الموازنة العامة لكل سنة.

إجراءات قاسية

تراجع احتياطها من النقد الأجنبي، حتّم على الجزائر اتخاذ إجراءات قاسية للحدّ من تداعيات ذلك على اقتصادها العليل، الذي يشهد تراجعا متواصلا منذ ثلاث سنوات، وبلغ ذروته هذه السنة، على أن تكون السنة المقبلة مطابقة للسنة الحالية

ومؤخرا، لجأت الحكومة الجزائرية إلى نظام الرخص المسبقة لتنظيم وكبح فاتورة الواردات، التي شملت 30 شريحة منها، مثل السيارات، وبعض منتجات الغذاء، والمواد الخام، وتستهدف خفضها بمقدار 15 مليار دولار في العام الحالي. لكن النتائج مخيبة للتوقعات حتى الآن، فقد بلغت قيمة الواردات 38.18 مليار دولار في الشهور العشرة الأولى من العام، بانخفاض 1.8 % عن الفترة نفسها من 2016، وزادت واردات الغذاء 4.5 %إلى 7.12 مليار دولار.

نظام الحصص أثبت عدم جدواه

ومطلع أكتوبر الماضي عدلت السلطات الجزائر قانون النقد والقرض الذي يحكم المنظومة المصرفية للبلاد، من أجل اعتماد التمويل غير التقليدي، الذي يسمح للخزينة العامة بالاقتراض مباشرة من البنك المركزي، وطباعة المزيد من الأوراق النقدية للعملة المحلية. وصرح وزير الجزائري عبد الرحمن راوية حينها بأن التمويل غير التقليدي جاء من أجل تفادي خيار الاستدانة الخارجية، والتجربة الأليمة للبلاد سنوات التسعينات، وسترافقه إجراءات صارمة للتحكم في نسب التضخم.

إلى جانب ذلك، تضمنت الموازنة العامة للبلاد للسنة المقبلة، حزمة جديدة من الزيادات في الرسوم والضرائب تمس عدة سلع وخدمات، منها فرض زيادات في الرسوم المطبقة على أسعار معظم مشتقات الوقود. وتعد هذه الزيادة الثالثة من نوعها التي تطاول أسعار الوقود في غضون ثلاث سنوات. بالتوازي مع ذلك حذّر خبراء اقتصاد من تداعيات هذه الإجراءات القاسية على المواطن الجزائري.