مرة أخرى، يأتي الدرس من تونس الثورة، تونس التي تكسرت الأمواج على سطح أرضها، تونس بلاد الحضارة والثقافة والعلم التي أبت أن يحكمها الطغاة فثارت عليهم، فخشي حكام كثر وصول الزحف إليهم، وظنوا أن المال كفيل أن يشتري إرادة الشعوب وكرامتهم فكان الرد من تونس.

رد قاسٍ جديد وجه لحكام الإمارات الذين أرادوا النيل من تونس وشرف نسائها، رد انتشى لسماعه العرب، فقد حفظ لهم بعض كرامتهم التي سعى "عيال زايد" إلى النيل منها، وتمريغها في التراب، ظنًا منهم أن المال كفيل بشراء الأحرار.

رد بالمثل

مساء أمس الأحد، قررت السلطات التونسية منع كل الطائرات الإماراتية من دخول مطارات البلاد، ردًا على منع شركة الطيران الإمارتية سفر النساء التونسيات عبر طائراتها صباح الجمعة الماضية، وقالت وزارة النقل التونسية إن سلطات البلاد علقت رحلات شركة الطيران الإماراتية من تونس وإليها، إلى حين تمكن الشركة من إيجاد الحل المناسب لتشغيل رحلاتها طبقًا للقوانين والمعاهدات الدولية.

يوسف الشاهد يستدعي السفير الإماراتي ببلاده

وكانت الخارجية التونسية قد استدعت يوم الجمعة السفير الإماراتي في تونس للاستفسار وطلب توضيحات بخصوص منع شركة الطيران الإماراتية سفر التونسيات، وأكد السفير الإماراتي وفق بيان الوزارة أن هذا القرار كان ظرفيًا ويتعلق بترتيبات أمنية، وتم رفعه وتمكين كل المسافرات من المغادرة.

لكن رغم تأكيد السفير الإماراتي رفع المنع، فإن منع سفر التونسيات تكرر يوم الأحد في مطار قرطاج، وهو ما دفع السلطات التونسية إلى اتخاذ هذا القرار، وكانت منظمات حقوقية وأحزاب سياسية تونسية قد أصدرت بيانات منفصلة أدانت فيها الإجراء الإماراتي الذي رأت فيه "تمييزًا وعنصرية وانتهاكًا لحقوق المرأة التونسية"، ودعت من خلالها إلى "التصدي لكل إجراء يمس كرامة التونسيين".

تونس العصية على "عيال زايد"

القرار التونسي الأخير تجاه الإمارات، يؤكد حسب العديد من المراقبين، أن تونس الثورة عصية على آل زايد ومن والاهم، وأن إرادة الشعب في مهد الربيع العربي تغلب كل إرادة ولا سبيل للنيل منها، ليتأكد مجددًا أن تونس حجر عثرة أمام مساعي الإمارات التخريبية في المنطقة.

الإمارات ظنت أن بمقدورها الاستعلاء على تونس والتونسيين، واعتقدت أن حاجة البلاد للاستثمارات في هذه الظرفية الحرجة التي تمر بها قد يبرر لها عدم احترام سيادتها والنيل من كرامة نسائها اللاتي يتمتعن بالحرية الكاملة ويأبين أن يمس أحد من كرامتهن، إلا أنها أخطأت العنوان، فتونس ليست كغيرها ممن يبلع السكين بدمه ويسكت.

يتهم تونسيون، الإمارات باستعداء التجربة الديمقراطية التونسية والسعي لإفشال هذا الانتقال الديمقراطي الذي تشهده البلاد منذ سقوط نظام ابن علي في يناير 2011، ومصادرة القرار السيادي التونسي من خلال ضخ الكثير من الأموال في الساحة التونسية ودفع الأمور في اتجاه يشبه ما حدث في مصر، إلا أن مساعيها فشلت.

رغبة الإمارات في إجهاض الثورة التونسية والتحكم في مسارها حتى لا تكون مُحفزة لباقي الشعوب العربية، بدأت منذ إطلاق الشرارة الأولى للثورة في مدينة سيدي بوزيد، فهي تخشى أن يطالها لهيب نار الثورة التي قضت على عروش الحكام، وتصل إلى شعبها نسمات الحرية التي جابت ربوع تونس وبلدان عربية كثيرة وأحيت في القلوب أملًا طال انتظاره.

مصير ورقة مرزوق كان كمصير ورقة السبسي، فقد فشل في تسويق نفسه كشخصية جامعة لخصوم النهضة وبقية الأحزاب المحسوبة على الثورة، لنضج تفكير التونسيين، فاحترقت ورقته

واتخذ تدخل الإمارات في تونس أوجه عدة، فمن رعاية رموز النظام السابق إلى خلق وجوه جديدة مرورًا بتمويل احتجاجات تهدف إلى بث الفوضى والعنف وصولًا إلى الإشراف على تحالفات سياسية بهدف تغيير المشهد السياسي وإرباك الانتقال الديمقراطي الذي تتباهى به تونس بين الدول وإن كان مساره شهد بعض الارتباك والتراجع.

صانع القرار الإماراتي الذي يسعى للتدخل في شؤون تونس الداخلية، راهن في البداية على حزب نداء تونس، للتقليل من الشرعية في البلاد، وتهميش دور المجلس الوطني التأسيسي ومؤسسات الدولة المنتخبة وإقصاء حركة النهضة الإسلامية من المشهد السياسي التونسي، فمول نشاطاته وأغدق قياداته بالهدايا، إلا أنه فشل في إخراج المسار التونسي عن المدنية بل أدخله منطق التوافق الذي يزيده صلابة، فأخذ منهم السبسي ولم يعط، فقد كان أشد منهم دهاءً وأكبر منهم حيلةً، فعمره أكبر من عمر هذه الدولة.

بعد هذا الفشل الذريع، تحولت وجهة أولاد زايد إلى أحد أركان حزب النداء، فكان أن تحالفت مع محسن مرزوق الذي انشق عن نداء تونس وأسس حزبًا جديدًا له يحمل اسم "مشروع تونس"، إلا أن مصير ورقة مرزوق كان كمصير ورقة السبسي، فقد فشل في تسويق نفسه كشخصية جامعة لخصوم النهضة وبقية الأحزاب المحسوبة على الثورة، لنضج تفكير التونسيين، فاحترقت ورقته.

ليراهنوا بعد ذلك على ياسين إبراهيم وعبير موسى ومهدي جمعة وغيرهم، فضلا عن مراهنتهم على شركاتهم وأموالهم، فبعد أن فشلوا في المراهنة على ضرب الثورة التونسية من الداخل توجهوا لضربها من الخارج بأيديهم، عبر إهانة التونسيات، إلا أن السحر انقلب على الساحر، وأظهر قدر العداء الذي تكنه هذه الإمارات التي تأسست حديثًا لتونس وشعبها، ويتأكد جليًا أن تونس عصية عليهم.

استبشار عربي

تحت وسم تونس تؤدب الإمارات، تفاعل نشطاء عرب في مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) إيجابًا مع القرار التونسي، معبرين عن دعمهم للسلطات التونسية واستنكارهم للفعلة الإماراتية التي وصفها البعض بـ"المشينة"، ومعلنين استبشارهم بما أقدمت عليه تونس تجاه راعية الثورات المضادة.

ناشط عربي يحمل حسابه اسم "هدهد سليمان"، يضع علم المملكة العربية السعودية، كتب تغريدة جاء فيها: "خبث الإمارات كل يوم يزيد ومع زيادته يظهر بغض المسلمين لهم، الحمد لله أن الله أبدلنا بوسائل التواصل الاجتماعي عن الإعلام الحكومي العربي".

محمد بشر من المغرب، كتب بدوره: "هكذا تتعامل الدول التي لها سيادة، تتعامل بالشراكة، ولكن بندية وكرامة، بوركتي يا #تونس العز، أرادوا الإهانة والاستفزاز لمشاعرنا والتطاول على نساء أحرار مغربنا الكبير، نساء تونس العزيزة، نحييكم من المغرب الأقصى والتضامن معكن مستمر".

فيما كتب ناشط عربي آخر يضع علم دولة قطر، تغريدة جاء فيها: "حسبوا أنهم بأموالهم قادرين على شراء تونس لم يعرفوك أيتها الخضراء لم يعرفوا بوابة الربيع العربي الثائر فلا تلوميهم يا تونس لأن من يبيع كرامته ومبادئه ويسرق حضارات غيره لا يعرف ما معنى الحضارة ولا يعرف ما معنى دولة لها كرامة، تحية من دوحة العز لتونس الكرامة".

من جانبه كتب الناشط العربي الذي يحمل اسم عبد السلام المرخي تدوينة للتأكيد على عراقة تونس وتقدم نسائها: "قبل تأسيس دولة الإمارات بعقود كانت المرأة التونسية تقود الطائرات وتُمارس النضال والسياسة وتدرس في أكبر الجامعات العالمية".

ناشط عربي آخر، اختار اسم "كويتي حر" ووضع علم الكويت رمزًا له، عبر عن استبشاره بالقرار التونسي بطريقته، فنشر صور لفنانين إماراتيين وآلات طبل ومصدح غناء، وعلق أعلى منها "الله يعين الشعب التونسي على السلاح الإماراتي الفتاك".

https://twitter.com/Kuwaity__7r/status/945180506852937728

وكتب آخر حمل اسم عبد الله: "نادي الترجي التونسي أقدم من الإمارات بخمسين سنه، بطولات وإنجازات نادي الترجي أكثر من إنجازات دولة الإمارات بكبرها وجايين تتكلموا عن تونس!! أنتوا بتقولوا إيه يا جماعة".

دور تخريبي

هذا الاستبشار العربي للرد التونسي، جاء نتيجة العمل التخريبي الذي تقوم به الإمارات في معظم الدول العربية، فقد ارتبط اسم دولة "عيال زايد" بالثورات المضادة وأجندتها التخريبية ومعاداتها للربيع العربي وسعيها إلى إفشال هذه الصحوة العربية، إذ تكن الإمارات للعرب كل البغض والعداء.

وتسعى هذه الدولة المشكلة من اتحاد مجموعة من الإمارات فوق رمال الصحراء حول الخليج العربي إلى العبث بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات وفرها لها المخزون الضخم من النفط الذي حقق لها صندوق سيادي يعتبر من أكبر وأغنى الصناديق الاستثمارية حول العالم، بالدول العربي والتحكم في مصير شعوبها، تبعًا لرغبات ونزوات ولي عهدها محمد بن زايد.

يهدف "عيال زايد" إلى بسط نفوذهم وإدارة سياسات الشرق الأوسط بشكل مباشر ومن خلال تحالفات ووكلاء

وعملت هذه الإمارات على الإطاحة بحكم الرئيس مرسي في مصر من خلال دعم الانقلاب العسكري بأكثر من 50 مليار دولار، ودعمت قوات الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا ضد الشرعية، كما دعمت وما زالا انفصال اليمن من خلال الحوثيين تارة لقهر حزب الإصلاح المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، وتارة من خلال قوات انفصاليي عدن.

ويهدف عيال زايد إلى بسط نفوذهم وإدارة سياسات الشرق الأوسط بشكل مباشر ومن خلال تحالفات ووكلاء، وعلى الإسلاميين وأي محاولة لمشاركتهم في الحياة السياسية والعامة، فضلاً عن تشكيل تحالف دائم مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" لضمان تنفيذ الإستراتيجية، الأمر الذي ترفضه الشعوب العربية.