الأديب الروسي العالمي دوستويفسكي

إيفان مقتنع جدًا أن زوجته تخونه، فهو مستعد لأي شيء ليباغتها: يتعقبها ويراقبها طوال ساعات، يتجسس عليها ويفتح بريدها بحثًا عن دليل، يختبئ ويجعل من نفسه أضحوكة، وهكذا تبدأ الرواية بمشهد يبدو فيه إيفان قلقًا ومضطربًا للغاية، يقترب من شخص غريب عنه في الشارع، ويسأله سؤالًا أغرب: هل رأيت سيدة؟ يجيبه الشخص الغريب بأنه فعلًا رأى سيدات عابرات كثيرات، ثم فجأة ينتبه إيفان إلى مدى غباء سؤاله فينسحب ليختفي وسط الضباب.

يعود إيفان بعد ذلك ليباغت الشخص الغريب نفسه مرة أخرى، لكنه هذه المرة يقرر أن يعطي الغريب معلومات أكثر عن المرأة التي يبحث عنها، فيعيد السؤال مجددًا: هل رأيت سيدة ترتدي معطفًا من فرو الثعلب، تعتمر قبعة من المخمل القاتم اللون وبخمار أسود؟ يرد عليه الغريب بأنه لم يسبق أن شاهد مثل هذه المرأة، فانسحب إيفان بسرعة مجددًا تاركًا الرجل الغريب في حيرة ودهشة.

يعود إيفان للمرة الثالثة عند الرجل الغريب ويعتذر له مرات متعددة، ويقرر هذه المرة أن يصارحه بما يدور في خلده، ويقول له إنه يبحث عن سيدة ويريد أن يعرف إلى أين ذهبت، لكن الأهم في هذا الجزء بأكمله من الرواية هو أنه لا يريد الإفصاح عن هوية تلك المرأة، الشيء الذي يؤدي بالشاب الغريب أن يقوم بردود فعل تنم عن انزعاج من إيفان وطريقته في الحديث والتصرف.

ثم يسأل إيفان الرجل الغريب عمن يسكن في البيت الذي يقفان أمامه؟ يجيبه بأن هناك سكانًا كثيرين!

ينتبه إيفان مجددًا إلى مدى غباء سؤاله، ويستدرك قائلاً: صحيح! أنت على حق تمامًا، لكن كما ترى فأنا مرتبك قليلًا، نظر إليه الشاب نظرة شفقة كبيرة وسأله: تريد معرفة من يسكن هنا؟

نعم، أناس كثيرون كما أخبرتني سابقًا، لكن الغريب يقول بعد ذلك: هنا تسكن أيضًا صوفيا أوستافييفنا، وهنا ينتفض إيفان متهمًا الرجل الغريب بأنه يعلم شيئًا ما عن الموضوع، وبسرعة أيضًا ينكر الغريب أي معرفة بما يتحدث عنه إيفان، ثم بعد ذلك يقول له الشاب الغريب: لا بد أن امرأة تخونك.

إن المعنى الفلسفي الذي يمكن استقراؤه من هذه الرواية أو بالأحرى اللمحات الفلسفية داخل أوراق الرواية كثيرة جدًا، يمكننا القول بدءًا بالشك الذي يخيم على جميع أوراق الرواية، وهو الروح التي بنى عن طريقها دوستويفسكي روايته وطورها

يؤكد له إيفان أن ذلك ما يحصل فعلًا، وأنه ليس الوحيد من يحصل معه هذا الأمر، ثم بعد ذلك يردف قائلًا بأن هذه المرأة التي يبحث عنها لا بد أنها جاءت لزيارة صوفيا أوستافييفنا، وأنه هنا لكي يعطيها درسًا أخلاقيًا ويبين لها مدى دناءة وبذاءة سلوكها، وقال أيضًا بأنه لا يفعل ذلك من أجل نفسه، إنما من أجل زوجها الذي يقف هناك ليس بالمكان البعيد، فوق جسر فوزنيسينسكي.

ويقول له إيفان بأن الزوج غير مصدق، ولكنه يريد أن يضبطها متلبسة، لذلك أرسل إيفان ليقوم بهذه المهمة، لكنه في نفس الوقت يعلم بأن تلك الزوجة ماكرة وخادعة، ويظن أنه حتى لو ضبطها ستجد وسيلة للإفلات دون أن ينتبه إليها أحد.

ثم بعد ذلك يعتذر للرجل الغريب، ويقول له بأن ما كان يجدر به فعله من باب اللياقة هو أن يصافح الغريب ويتعارف معه أولاً قبل كل شيء، وفعلاً ذلك ما قام به إيفان بعد ذلك، ثم طلب من الغريب أن يساعده في مهمته تلك، وذلك بأن يقف إيفان في باب الخدمة الخلفي، ويقف الشاب الغريب في الباب الأمامي، حتى لا يتركا لها فرصة لتهرب.

ثم في إطار الشرح الذي كان يقدمه إيفان إلى الغريب، قال له فجأة بكل صراحة إنه في البدء كن يعتقد أنه هو العشيق، وبعدها مباشرة يطلب إيفان من الغريب أن يقسم له بشرفه أنه ليس هو العشيق، وذلك حتى يتأكد ويطمئن.

ويجيبه الشاب قائلاً: أقسم لك بشرفي أنني لست عشيق زوجتك، استطرد إيفان قائلًا: زوجتي؟ من قال إنني متزوج أصلًا؟ ألم أقل لك إنها زوجة صديقي الذي يقف هناك عند جسر فوزنيسينسكي!

بعد ذلك يدخل الغريب وإيفان في حديث يكتشف في نهايته إيفان بأن الغريب أيضًا لديه نفس المشكلة مع زوجته، وبأنه أيضًا يترصد لها خارج المبنى نفسه، ويعلم أنها في الطابق الثاني تدعي أنها تزور أحدًا يدعى الجنرال، لكن الجنرال الحقيقي قد غادر الشقة قبل ثلاثة أشهر، والشقة الآن مستأجرة من طرف شاب يدعى بوبينيتسين.

ويستمران في جدالهما لمدة من الزمن، حتى فُتح باب العمارة فجأة وقدمت لهما فرصة الصعود إلى تلك العمارة التي كانا يقفان أمامها، وبعد جدال مطول أيضًا اتفقا على الصعود للعمارة، فاجتازا درجات المدخل، وصعدا على السلم، حتى الطابق الثاني، وكان الظلام حالكًا هناك قليلًا.

وقفا عند باب الشقة التي تقع بالطابق الثاني، وبقيا يستمعان إلى الضجيج القادم من داخل الشقة، ثم بعد برهة ينزل إيفان لينتظر أسفل المبنى قليلاً، وهنا ينكشف كل ما كان يبدو غريبًا مريبًا في الصفحات السابقة.

بحيت تخرج الزوجة "غلافيرا بيتروفنا" من الشقة وتجد أمامها ذلك الشخص الغريب الذي ينكشف اسمه "تفاروغوف"، فيؤنبها تفاروغوف ويقول لها بأن زوجها ينتظر بالأسفل، وكما توقع إيفان فإن الزوجة وجدت طريقة ذكية لتتخلص من هذه الورطة (ورطة التقاء زوجها إيفان مع عشيقها تفاروغوف أمام شقة شخص آخر كانت معه) ولم تقع أي كارثة ذلك اليوم، كل ما وقع هو أن غلافيرا غادرت مع زوجها إيفان، وظل تفاروغوف يراقبهما وهما يغادران.

يبدأ الفصل الثاني من هذه الرواية بمشهد متوتر أيضًا مثل مشهد الفصل الأول أو ربما أكثر توترًا، بحيث يبدو فيه أن إيفان يقتحم دار أوبرا وهو متوتر ومنزعج وغاضب، حتى إن ذلك الشخص المكلف بمساعدة الناس على إيجاد أماكنهم في الأوبرا أخذ منه الحذر وجلس يراقب جيبه لعله يرى داخله خنجرًا أو شيء من هذا القبيل، لكنه لم ير سوى محفظة نقود.

دخل إلى البهو، ووصل إلى مقصورة هناك فأطل على شرفات الأوبرا، فوجدها هناك (غلافيرا زوجته) جالسة إلى جانب الجنرال وزوجته، وكان معهما شخص آخر لكنه بزي مدني، ولم تكن ملامحه تبدو من بعيد، لأنها كانت محجوبة بالستار الجانبي، لقد تفاجأ لرؤية زوجته هناك، لأنها قالت إنها ذاهبة لمكان آخر وليس إلى الأوبرا، وهذه الازدواجية أثارت عجب إيفان.

تتوالى الأحداث وبالصدفة تسقط ورقة عن غير قصد من أحدهم فوق رأس إيفان، يرتبك ويفتح الورقة ليجد فيها: "هذا المساء، حالًا بعد الحفلة، زنقة البازلاء، في زاوية الزقاق س، المنزل ك، الطابق الثاني، عن يمين السلم، الدخول من بوابة العربات، كن هناك بكل تأكيد، أرجوك."

لا بد أن الورقة سقطت عن طريق الخطأ عندما كان أصحابها بصدد التراسل، وهنا حاول إيفان أن يكشف الفاعل، لكن كيف يفعل ذلك؟ بدأ بالركض في كل اتجاه، يلقي نظرات هنا وهناك، وأيضًا ألقى نظرة داخل إحدى المقصورات التي كانت مفتوحة، ظل يجري هنا وهناك دون أي نتيجة تذكر، فجأة ارتدى معطفه، وفكر في الذهاب إلى ذلك العنوان المذكور في الورقة بغية مفاجأة الجاني وضبطه وفضحه للعموم.

يعبر دوستويفسكي عن الغيرة في نهاية روايته صراحة من خلال الجمل: "علينا أن نتعرف بأن الغيرة عاطفة جامحة، بل لنقل أكثر من ذلك: إنها كارثة حقيقية!"

وجد إيفان العنوان بسرعة، ودخل فعلًا من بوابة العربات، ومر بجانبه شبح شخص أنيق يرتدي معطفًا وتجاوزه بسرعة فائقة، توجه إلى السلم وصعد حتى الطابق الثاني، وهناك انفتح له الباب دون قرع جرس، كأن شخصًا ما كان في انتظاره هناك، تبعه إيفان وراقب الشاب وهو يدخل، لكن قبل أن يقوم بأي تصرف سمع ضجيجًا قادمًا من بوابة العربات، وسمع سعالًا وشكاوى من شخص قادم عبر السلم في خطوات ثقيلة.

فزع إيفان من ذلك وبسرعة اقتحم باب الشقة الذي كان يقف أمامه، وقف أمامه بدهشة خادم وخادمة، لكنهما لم يستطيعان أن يوقفاه، فتوجه بنفس الغضب والسرعة إلى غرفة النوم، فوجد فيها شابة جميلة وكانت تنظر إليه في رعب حقيقي، وفي هذه اللحظة بالذات سُمعت تلك الخطوات الثقيلة مجددًا، لكن الآن سُمعت داخل الغرفة المجاورة، أي بشكل قريب.

مجددًا، يدرك إيفان مدى غباء وحماقة أفعاله، لكن بدل أن يواجه الزوج الذي كان يهم بدخول غرفة النوم اختبأ وراء تارة السرير، ثم بعد ذلك اندس تحت السرير، والأغرب أيضًا كون السيدة لم تبد أي اعتراض ولم تصرخ، ثم دخل الزوج زافرًا متدمرًا وبدأ بالسعال بطريقة حادة.

وبينما إيفان مختبئ تحت السرير، وجد أن هناك رجلاً آخر مختبئ أيضًا بقربه، وكان هذا الشخص المجهول فظًا وسيء المزاج، كان الدم يخبط في رأس إيفان وكان عاجزًا عن فعل أي شيء، وهنا يدخل إيفان مع الشخص المجهول تحت السرير في حوار مطول متوتر، يحاول فيه التعرف عليه، ويحاول أيضًا استكشاف كيف انتهى المطاف بالمجهول تحت السرير أيضًا، لكنه يرفض أن يعطيه معلومات عن أي شيء.

في لحظة ما يدخل كلب الأسرة، فيكتشف وجود أشخاص دخلاء تحت السرير، فيبدأ بالنباح ويحاول فضحهم، مما يؤدي بالشخص المجهول تحت السرير بأن يسحبه داخلًا ويلوي رأسه ليقتله في ثوانٍ معدودة، وكان هذا الحدث هو الذي سوف ينهي مرحلة تحت السرير، لأن الرجل الضخم زوج السيدة التي تجلس فوق السرير بدأ بالبحث عن الكلب تحت السرير، وهنا كانت خفة الرجل المجهول، فقد قفز وغادر الغرفة بسرعة فائقة، وظل هناك إيفان وحيدًا ليجده الرجل الضخم مثل السارق المتخفي، وهنا بدأت الزوجة بالصراخ: قاتل، قاتل.

هنا خرج إيفان، ودخل في حوار مطول مجددًا مع ذلك الرجل، وفي كل هذه المرحلة كان يحاول إقناعه أيضًا بأنه كان يترصد لامرأة صديقه التي تخون صديقه، ويؤكد أنها ليست زوجته أبدًا، بعد مدة وعندما استمع الرجل الضخم إلى إيفان أشفق على حاله وتركه يذهب، وقالت له زوجته ساخرة بأن يخبرهما عن تطورات القضية لاحقًا.

عندما غادر إيفان إلى الشارع وقف طويلًا وفكر في حاله، ووقف كمن كان يتوقع أن يصاب بأزمة قلبية، وبعد برهة توجه إلى بيته، وعلم حينها عندما عاد إلى منزله بأن زوجته كانت قد أصيبت بألم في الأسنان، وأنها استدعت الطبيب، وقضت أغلب المدة، بعدما غادرت المسرح، فقط مستلقية على السرير.

فسألته أين قضى كل هذا الوقت؟ هل كنت تحاول مجددًا أن تضبطني مع شخص لا أعرفه؟

هنا دس إيفان يده في جيبه ليحاول إخراج منديل، وذلك لأنه كان مرتبكًا، لكن بدل أن يخرج منديلًا أخرج رأس الكلب الذي قُتل تحت السرير سابقًا لأنه كان قد دسه في جيبه بحركة لا شعورية، صاحت زوجته: ما هذا؟ كلب ميت! يا إلهي! من أين؟ ماذا فعلت؟ أين كنت؟

أجابها إيفان: عزيزتي! روحي ...

وتنتهي الرواية هنا بقوله: "علينا أن نتعرف بأن الغيرة عاطفة جامحة، بل لنقل أكثر من ذلك: إنها كارثة حقيقية"!

تقديم المعنى الفلسفي للرواية

إن المعنى الفلسفي الذي يمكن استقراؤه من هذه الرواية أو بالأحرى اللمحات الفلسفية داخل أوراق الرواية كثيرة جدًا، يمكننا القول بدءًا بالشك الذي يخيم على جميع أوراق الرواية، وهو الروح التي بنى عن طريقها دوستويفسكي روايته وطورها.

يقدم لنا الشك باعتباره معضلة كبيرة وطامة إنسانية كبرى، هذا الشك الذي يشعر به إيفان، وفي نفس الوقت، لا يستطيع دفعه أبدًا، كما هو معروف، هناك طريقة وحيدة للتخلص من الشك، وهي قطعه باليقين، سواء كان هذا اليقين عن طريق إثبات خيانة زوجته أو نفيها، على الأقل إن استطاع إثبات ادعاءاته كان سوف يجد خلاصه بكرهها، ولو استطاع بطريقة أو بأخرى نفي ذلك الشك ودحضه فإنه سيستطيع تجاوز تلك المرحلة، والتحول إلى سلام داخلي.

لكن هذا الشك، لم يكن آتيًا من فراغ، ولو كان كذلك فعلًا لتضاعفت مصيبته أضعافًا كثيرة، فكيف يستطيع الإنسان التخلص من شيء ما، وهو لا يعرف حتى مصدره! المصدر هنا كان الغيرة.

ويعبر دوستويفسكي عن هذا في نهاية روايته صراحة من خلال الجملة: "علينا أن نتعرف بأن الغيرة عاطفة جامحة، بل لنقل أكثر من ذلك: إنها كارثة حقيقية"! والعبرة الفلسفة الأخرى التي يمكن استخراجها من هنا، وتحديدًا بناءً على النهاية غير الكاملة للرواية، فكأنما دوستويفسكي يريد القول بأن طريق الشك، أي طريق الغيرة، ليس له نهاية، أو ربما له نهايات متعددة لا يمكن حصرها في وضع نهاية محددة للرواية! أو ربما هكذا هي الأحاسيس الإنسانية، ملازمة له، ولا يمكنه التخلص منها مهما حاول.