ترجمة حفصة جودة

كتبت أمينة شاهياني وسين وانج

تبدو بداية الدراسة لأول مرة أمرًا مرهقًا بالنسبة للأطفال، فهم يجدون أنفسهم فجأة في بيئة أجنبية غريبة، ويتعرضون لضغط تعلم مهارات أكاديمية جديدة وإنشاء علاقات مع أقرانهم، لذا ينجح بعض الأطفال في تلك الخطوة ويتقدمون، والبعض الآخر يحتاج إلى مزيد من الدعم للتأقلم مع تلك  النقلة.

في إحدى الدراسات بأستراليا، اتضح أن الأطفال ما بين 6 و7 سنوات (وهو العمر الذي يبدأون فيه المدرسة) يعاني 14% منهم من مستويات عالية وملحوظة من المشاكل العاطفية، عادة ما تؤدي تلك المشاكل العاطفية إلى أعراض اكتئاب وقلق وشكاوى جسدية مثل الصداع وسلوكيات انعزالية.

هناك ما يقرب من 1.5 مليون طفل ما بين 6 و7 سنوات يذهبون إلى المدرسة في أستراليا، هذا يعني أن نحو 200 ألف طفل يتعرض نوعًا ما لمشكلات عاطفية، هذه المشكلات تصبح أسوأ مع التقدم في الدراسة، فقد وجدنا بعد 3 سنوات عندما وصل هؤلاء الأطفال إلى 10 و11 سنة، ظهر نحو 60 ألف طفل آخرين يعانون من أعراض قلق واكتئاب.

المشكلات العاطفية

حذرّ تقرير مؤسسة تعداد التنمية السكانية المبكرة في أستراليا الصادر عام 2015 من أن هناك طفلاً من كل 5 أطفال (نحو 22% من الأطفال) يدخلون المدرسة وهم يعانون من مشكلة تنموية أو أكثر ومن بينها: النضج العاطفي والتواصل والمهارات المعرفية مثل الذاكرة.

هناك مجموعة من العوامل ترتبط بزيادة المشكلات العاطفية لدى الأطفال

لاحظ التقرير أيضًا أن الصحة النفسية للأطفال أصبحت أسوأ عن التقرير الصادر عام 2012، ففي مجال النضج العاطفي حدث تراجعًا في أعداد الأطفال من الناحية التنموية من 78.1% إلى 76.4%، كما ازداد عدد الأطفال الذين يعانون من الضعف التنموي من 7.6% إلى 8.4%، وازدادت نسبة المعرضين للخطر من 14.2% إلى 15.3%.

من المعروف أن المشكلات العاطفية تسود بين الشباب الأسترالي، لكن هناك القليل من المعرفة عن تطور تلك المشكلات منذ الطفولة، هذه المعرفة ضرورية من أجل الوقاية والتدخل المبكر، ومن أجل تحسين نمو المشكلات العاطفية في المراهقة والبلوغ.

استخدمت الدراسة بيانات من دراسة "Longitudinal Study of Australian Children" (LSAC) التي كانت تتبع نمو 10 آلاف طفل وأسرهم منذ 2004 في مجموعتين، مجموعة منذ الميلاد ومجموعة في فترة الروضة، تتكون كل مجموعة من 5 آلاف طفل وأسرهم.

تعتبر الفتيات أكثر عرضة لتصاعد المشكلات العاطفية عن الأولاد

استكشفت "LSAC" بعض المناطق مثل النمو العاطفي والاجتماعي للأطفال والوضع الصحي للأطفال وأسرهم، ونتائج التعلم والمعرفة والتربية والعلاقات، هذه المعلومات تم جمعها من خلال مقابلات مباشرة أو تليفونية وكذلك مقابلات بمساعدة الكمبيوتر واستبيانات.

حللت الدراسة بيانات المشكلات العاطفية لـ3.200 طفل في عمر الروضة ممن أجابوا عن الأسئلة المتعلقة بالدراسة في عمر 6 سنوات ثم مرة أخرى في عمر 8 سنوات وبعدها 10 سنوات، اتضح أن المشكلات العاطفية للأطفال تزداد عبر الوقت.

ما السبب وراء ذلك؟

بالإضافة إلى تحليل البيانات عن معدل المشكلات العاطفية لدى الأطفال، عرفت الدراسة مجموعة من عوامل الخطر والحماية التي تقع في نطاق 4 تصنيفات: الجوانب الفردية، البيئة الثقافية والاجتماعية، التربية، تجربة مجموعة الأقران.

في تلك العينة، اتضح أن هناك مجموعة من العوامل ترتبط بزيادة المشكلات العاطفية لدى الأطفال، فعلى سبيل المثال: عند المقارنة بين الأولاد والفتيات نجد أن الفتيات يبدأن بمستوى عالٍ من المشكلات العاطفية في عمر 6 سنوات وتتصاعد هذه المشكلات بمعدل أسرع، هناك أدلة مؤكدة أن الفتيات في عمر المراهقة يعانين من مشكلات عاطفية أكثر من الأولاد، لكن لم يكن هناك أي أدلة على وجودها منذ الطفولة.

غياب مشكلات الأقران لا يعني بالضرورة وجود علاقات إيجابية

تقول النتائج إن الفتيات اللاتي تظهر عليهن أعراض مبكرة للمشكلات العاطفية يجب أن يخضعن مع والديهن إلى برنامج دعم تنموي للطفل والأبوين في مرحلة مبكرة من الدراسة، هذه الأعراض تتضمن: القلق والتوتر وقضم الأظافر وعدم القدرة على اكتساب صداقات ووجود مشكلات في النوم وظهور أعراض اكتئاب.

أما قدرة الأطفال على تنظيم عواطفهم فهو عامل آخر يؤثر في صحتهم العاطفية خاصة في مرحلة الانتقال إلى المدرسة، في هذه الفترة يواجه الطفل مطالب متزايدة بتنظيم عواطفه في بيئة المدرسة الرسمية.

وجدت الدراسة أيضًا أن مشكلات الأقران تعد عاملاً خطيرًا في تصاعد مشكلات الطفل العاطفية خاصة في فترة الانتقال إلى المدرسة، تتضمن مشكلات الأقران بعض الأمور مثل: عدم القدرة على تكوين صداقات وصعوبة التواصل مع الأقران الآخرين والتعرض لانتقادات حادة وسخرية من الأطفال الآخرين، يحتاج الأطفال لأن يتعلموا مهارات صنع الأصدقاء والحفاظ على علاقات الصداقة مثل التعاون والتعاطف ومساعدة الآخرين.

من المهم أن نلاحظ أن غياب مشكلات الأقران لا يعني بالضرورة وجود علاقات إيجابية، فعادة ما يرى المعلمون أن الأطفال الذين لا يعانون من مشكلات سلوكية أكثر إيجابية من الأطفال الذين يعانون من بعض المشكلات السلوكية وبالتالي يحصل هؤلاء الأطفال على دعم أقل من معلميهم، ومع ذلك فعدم وجود مشكلات مع الأقران قد يعني أن الطفل وحيد ولا يمتلك العديد من الأصدقاء.

من الضروري أن نساعد الأطفال على فهم مشاعرهم والتعبير عنها بطريقة بناءة

من الضروري أن يتعلم الآباء والمعلمون كيف يساعدون الأطفال في وقت مبكر لتنمية مهاراتهم الاجتماعية، ومن أهمها تشجيع الأطفال على مساعدة الآخرين والتعاون والتعبير عن مشاعرهم وفهم مشاعر الآخرين.

وجدت الدراسة أيضًا أن صحة الأم النفسية مهمة جدًا لرفاهية الطفل العاطفية، فعند مقارنة نتائج الأمهات في الصحة النفسية عندما كان الأطفال في عمر 4 سنوات و6 سنوات، وجدنا أن سوء صحة الأم النفسية عندما كان الطفل 4 سنوات أدى إلى تصاعد المشكلات العاطفية للطفل في عمر 6 سنوات وحتى 10 سنوات، هذا يعني أن المرحلة العمرية الأولى للطفل هي فترة حساسة، حيث يكون لمشكلات الأم النفسية انعكاسات ضارة ومؤثرة على صحة الأطفال النفسية في مرحلة الطفولة المتوسطة.

كيف يمكن للوالدين المساعدة في ذلك؟

يستطيع الوالدان المساعدة في إعداد أطفالهم للمدرسة بطريقتين مهمتين وهما تعليمهم مهارات الانضباط الذاتي وتكوين صداقات، وللحصول على مهارات الانضباط الذاتي يحتاج الطفل إلى تعلم الالتزام وقواعد السلوك في وقت مبكر، فمثلاً محاولة الالتزام بجدول زمني معين أمر مهم.

من الضروري أيضًا أن نساعد الأطفال على فهم مشاعرهم والتعبير عنها بطريقة بناءة، مثال على ذلك؛ قدرة الأطفال على التعبير عندما يشعرون بالإحباط بدلاً من الدخول في نوبة غضب، ولمساعدة الأطفال في تقوية مهارات الصداقة، يجب أن يشجعهم الوالدان على مساعدة الأطفال الآخرين، والاشتراك في الأنشطة الجماعية والتصرف بتعاطف مع الآخرين.

المصدر: ذي كونفرسايشن