ما زالت مسألة إلغاء الحبر الانتخابي تثير ضجة هذه الأيام، فرغم تشكيك البعض في نزاهة الانتخابات الماضية في 2014، فإن إلغاء الحبر الانتخابي هذه المرة زاد في التشكيك في نزاهة ومصداقية الانتخابات البلدية (المحلية) المنتظرة في الـ6 من مايو المقبل، وهو ما لاحظه العديد من الناس، نخبة وعوام.

فتأكيد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إلغاء الحبر الانتخابي والاكتفاء بإمضاء الناخب عند الاقتراع والاستظهار وجوبًا ببطاقة التعريف الوطنية، ليس بالأمر المقنع للأحزاب والمنظمات والأفراد، لذلك ازدادت حملة التشكيك في مصداقية الانتخابات القادمة، مبكرًا قبل الانتخابات بأشهر.

رفض جماعي

ردود الفعل الرافضة والمشككة في القرار ما زالت متواصلة، معتبرة أن ذلك سيؤثر سلبيًا على شفافية الانتخابات وسيفتح باب التساؤلات على مصراعيه، بشأن نزاهتها، لكن ماذا عندما يأتي التشكيك من حزب نداء تونس الذي حامت حوله شكوك عدة في التزوير وشراء ذمم بالمال خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضيتين أواخر 2014، عندها فقط نتبين أهمية التحذير من تغييب الحبر الأزرق في أي استحقاق قادم.

ماذا كذلك عندما يحذر نداء تونس، الحزب "صاحب السوابق" في التزوير أو كما يسميه خصومه "حزب أكبر عملية تحايل في تاريخ تونس"، الذي اعترف رئيسه (الرئيس الحاليّ للبلاد) بعظمة لسانه بتزوير الانتخابات عهد المخلوع زين العابدين بن علي؟ أليس هذا وحده مؤشرًا على خطورة القرار؟ ثم أليس من استطاع اختراق منظومة المراقبة سابقًا بالحبر الأزرق أن يخترقها من دون حبر؟

السبسي الابن ذهب أكثر، فاعتبر أن إلغاء الحبر أو تعويضه من الخطورة بمكان، ودعا إلى اعتماد الحبر الذي اقترن كأسلوب بالطريق المميز لتونس على درب الديمقراطية، لكن الأخطر لماذا لم يكشف عن ماهية تلك الضغوطات ومن يقف وراءها؟

المدير التنفيذي لنداء تونس حافظ قائد السبسي كشف عن وجود ما وصفها بضغوطات عدة تمارس على هيئة الانتخابات لاعتماد الإمضاء بدل الحبر، وحذر من الخضوع للضغوط، واعتبر القرار ضربًا للمصداقية وفتحًا لأبواب التزوير والتزييف؛ بما سيهدد مصير الانتخابات ومصير البلاد.

السبسي الابن ذهب أكثر؛ فاعتبر أن إلغاء الحبر أو تعويضه من الخطورة مكان، وهو كذلك لعب بالنار، ودعا إلى اعتماد الحبر الذي اقترن كأسلوب بالطريق المميز لتونس على درب الديمقراطية تجسد في ثلاث تجارب حرة بعد الثورة، لكن الأخطر لماذا لم يكشف عن ماهية تلك الضغوطات؟ ومن يقف وراءها؟ وماغاياتها تحديدًا؟ هل تكفي الإدانة هنا وحدها أو حتى التحذير؟ هل حزب بحجم نداء تونس لا يستطيع التأثير في الهيئة للعدول عن قرارها والاكتفاء بالتحذير؟

آخرون من نواب الشعب وصفوا القرار بالصادم، وطالبوا بمساءلة هيئة الانتخابات، معتبرين أن الاستظهار ببطاقة التعريف الوطنية والإمضاء أحد مراحل العملية الانتخابية للتصويت بالحضور الشخصي، بينما يهدف الحبر لتفادي التصويت أكثر من مرة، فالإجراءان لا يعوض أحدهما الآخر.

نفس الأمر حذرت منه الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات "عتيد"، فقد عبرت عن تخوفها صراحة من عملية إلغاء الحبر الانتخابي، مشيرة إلى أن هذا القرار يمكن أن يكون مدخلاً للتصويت مرتين.

لا شك إذًا أن الاقتراع بتلك الطريقة سيدخل كثيرًا من الريبة ويثير العديد من الهواجس، فعدم اعتماد الحبر الانتخابي والاكتفاء بإمضاء الناخب، إجراء ستكون له دواع أخرى غير السير العادي للعملية الانتخابية، وهذا ما أكده الأمين العام للتيار الشعبي زهير حمدي. 

بعد كل ردود الفعل من الأشخاص والأحزاب الحاكمة والمعارضة وبمختلف توجهاتها، يبدو أن هيئة الانتخابات تقف وحدها في محاولة تبرير عدم الحاجة إلى الحبر لإثبات ممارسة الحق الانتخابي

قرار إلغاء الحبر الانتخابي جاء حسب هيئة الانتخابات استئناسًا بتجارب أخرى لدول ديمقراطية، وهنا تتجاهل الهيئة تلك الدول وعراقة تجاربها الانتخابية المتقدمة، بينما تونس في مرحلتها الديمقراطية الأولى، فالانتخابات البلدية هي الأولى من نوعها بعد الثورة، كما لم تتجاوز البلاد بعد مرحلة انتقالها الديمقراطي، هذا ناهيك عن المخاطر المحدقة بها من الداخل والخارج، إقليميًا ودوليًا، مما قد يعرضها لانتكاسة لا قدر الله.

كما أن آليات الرقابة الذاتية والقانونية في الغرب أكثر ضمانة منها في عالمنا العربي المحاط بمناخات الفساد والإفساد، حيث لا ضمانات ولا ثقة بين الأحزاب وحتى بين الجمعيات المراقبة لعملية الاقتراع، ولا ننسى أن الحبر الانتخابي يظل أحد أهم ضمانات النزاهة في عالمنا، وهو مفخرة الناخب يوم يخرح من مكتب الاقتراع رافعًا إصبعه كعلامة انتصار، لذلك يظل بالنسبة إليه ما لم يغمس إصبعه في الحبر الأزرق الذي يدوم لأيام، وكأنه لم ينتخب، خاصة أنه ذهب بملئ إرادته للتصويت، ومن شأن ذلك أن يزيد اهتزاز الثقة بالمسار الانتخابي برمته.

الحبر يرمز للتخلف!

بعد كل ردود الفعل هذه وغيرها، من الأشخاص والأحزاب الحاكمة والمعارضة وبمختلف توجهاتها، يبدو أن هيئة الانتخابات تقف وحدها في محاولة تبرير عدم الحاجة إلى الحبر لإثبات ممارسة الحق الانتخابي، رغم تأكيدها أن القرار اتخذ منذ سنة 2016، خلال رئاسة شفيق صرصار للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتبرر الهيئة ذلك بأسباب تقول إنها موضوعية ليس منها ارتفاع تكلفة الانتخابات فحسب، بل لأن الحبر رمز  للتخلف، فإذا كان كذلك، إلى ماذا يرمز تزوير إرادات الناخبين؟

كأن الدولة لا تريد أن تكلف نفسها الإنفاق على مستقبل البلاد وإحدى أهم محطات استقرارها السياسي والأمني، في حين كان أجدى لها أن توفر مداخيل أكثر لولا أنفقتها على أشياء أخرى أولى، لا يمكن حصرها، ويمكن استحضار بعضها

أما عن التخلف فقد تحدثنا عن البون الشاسع بيننا وبين الديمقراطيات الغربية، بينما يبقى عامل التكلفة الباهظة للحبر الذي تتحدث عنه هيئة الانتخابات أمرًا غير مقنع وربما يثير سخرية كثيرين، وكأن الدولة لا تريد أن تكلف نفسها الإنفاق على مستقبل البلاد وإحدى أهم محطات استقرارها السياسي والأمني، في حين كان أجدى لها حسب عديد من التونسيين أن توفر مداخيل أكثر لولا أنفقتها على أشياء أخرى أولى، لا يمكن حصرها، ويمكن استحضار بعضها.

من بين تلك النفقات العمومية الزائدة عن اللزوم مشروع "علم البلفيدير" الذي ربطه كثيرون بمسألة إهدار المال العام، وإقامة تماثيل للحبيب بورقيبة بالعاصمة ومدن أخرى، إضافة لنفقات أخرى على مهرجانات وتظاهرات ثقافية، مرة أخرى، فأيهما أولى بإنفاق المال العام؟

طمئنة أم شبهة؟

معلوم أن شفيق صرصار قدم استقالته بصفة رسمية من رئاسة مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في مايو الماضي دون ذكر الأسباب وراء ذلك، فهل يأتي التصريح الأخير لعضو الهيئة أنيس الجربوعي بأن صرصار هو الذي كان وراء التخلي عن الحبر الانتخابي وأن القرار اتخذ قبل سنتين أي خلال فترة عمل شفيق صرصار والهيئة الحاليّة لا دخل لها في ذلك، ليطمئن النفوس بشأن التخوفات الحقيقية من التزوير، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون شبهة اتقى شرها الرئيس السابق للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فكان أن خيّر صرصار استقالة صامتة؟ فتعززت تلك الشكوك بكل التأجيلات للموعد الانتخابي. حقيقة كل شيء يبقى واردًا ما لم تفتح مكاتب الاقتراع أبوابها.