في عام 2002 لقيت أكثر من 10 فتيات سعوديات وأجنبيات حتفهن في حريق بمدرسة بمدينة جدة. وكانت الفتيات جميعهن طالبات في مدرسة ثانوية انتقدت فيما بعد بسبب تكدس الطلاب بها، وضعف نوعية البناء وانعدام الجاهزية لمواجهة الحرائق.

ولكن الحريق تصدر عناوين الصحف لسبب آخر: لأن السلطات الدينية منعت رجال الإطفاء من دخول المبنى، حتى بعد انهيار درج مع تواجد الطالبات بالداخل. وفي الحقيقة كان من الممكن إنقاذ أغلب الفتيات إذا لم تكن السلطات بهذه القسوة. فالفكر الوهابي منع من خروج الفتيات بدون ارتداء غطاء الرأس، وتم إجبارهم على العودة مرة أخرى إلى المبنى لإحضار أغطية الرأس الخاصة بهم.

وقد تم فتح تحقيق موسع في هذه الحادثة، وتعرضت الحكومة السعودية لانتقادات علنية، وهو نادرا ما يحدث في مثل هذه القضايا ذات الحساسية. ومنذ ذلك الوقت تم إجراء إصلاحات جذرية في السلطات المسؤولة عن الفصل بين الجنسين في المدارس السعودية. 

والسؤال الآن: هل تم أخذ العبرة من هذه الحادثة؟ 

في فبراير الماضي تعرضت أستاذة في جامعة بجدة لنوبة قلبية، وبنفس الطريقة منعت السلطات الأطباء الرجال من دخول المدرسة لإسعاف المعلمة لأسباب دينية. وقد توفيت الأستاذة الجامعية قبل أن يصل الإسعاف.

وردا على الانتقادات أعلن مسؤولو وزارة الصحة السعودية أن حوالي 100 ممرضة سيتم تدريبهن ليصبحن مسعفات، مع وجود خطط لتوسيع البرنامج ليشمل ثلاثة آلاف ممرضة. ولكن حتى بعد تدريبهن لن تستطيع المسعفات الإناث قيادة السيارات، لأن القيادة محظورة على المرأة في السعودية. 

قد يبدو مستقبل الحركة النسائية في المملكة العربية السعودية قاتما جدا بمقارنة هاتين القصتين، حيث لا يزال هناك نفور مؤسسي من فكرة المساواة، والذي يصل في بعض الأحيان إلى حد التطرف، وهو قائم بالرغم من الإصلاحات التدريجية.

ومع ذلك، فإن عددا متزايدا من النشطاء السعوديين يضغطون على الحكومة للتحرك بشكل أسرع وأكثر عدلا تجاه المرأة.

وقد شهد العام الماضي بعض النجاحات الملحوظة، مثل قانون جديد لمكافحة العنف ضد المرأة، وتعيين أول امرأة كرئيسة تحرير لصحيفة سعودية، وتعيين 30 امرأة بمجلس الشورى وتعيين 4 محاميات. كما تم تعيين سيدتين في مناصب رفيعة بوزارة الصحة والسفارة السعودية بواشنطن.

ومؤخرا تم السماح للنساء باستخدام هوياتهن الشخصية في المحاكم بدلا من الاعتماد على وصي، وسوف تستطيع المرأة الترشح للانتخابات المحلية في 2015.

وتقول صبرية جوهر الصحفية والكاتبة السعودية والناشطة بمجال حقوق المرأة في حوارها مع "ميدل إيست مونيتر"، إن هناك الكثير من النجاحات التي يمكن الاحتفاء بها، ولكن أيضا ما زال هناك الكثير الواجب فعله.

وتوضح قائلة: "نحن بحاجة إلى تحسين مستوى محاكم الأسرة أو حتى طرح فكرة محكمة الأسرة ذاتها، وكذلك مراجعة قوانين حضانة الطفل والنفقة، وإن كان هناك بعض التقدم في هذا الجانب".

وتشير جوهر هنا إلى التغييرات التي تقتطع مبالغ النفقة من راتب الزوج مباشرة، على غرار دفع الضرائب. وسيتم وضع الرجال الذين يتهربون من الإنفاق على قوائم المراقبة، حيث سيتم توقيفهم عند أي مخرج أو مدخل للبلاد.

كما تضغط جوهر من أجل إجراء إصلاحات في نظام الوصاية: "النظام بحاجة إلى مراجعة بطريقة لا تتعارض مع الإسلام، وفي نفس الوقت لا تسيطر على المرأة وتؤثر على رفاهها بحسب مزاج الوصي".

وتوضح جوهر أن المرأة السعودية لديها مستوى عالٍ من النشاط الاقتصادي حتى إذا لم تكن موظفة على نطاق واسع.

وتقول: "أنا مقيمة في جدة حيث قامت غرفة التجارة بدراسة منذ أربعة سنوات أظهرت أن المرأة هناك تمتلك ما يقارب الملياري دولار من الاستثمارات العقارية".

وتعترف جوهر أن المشهد ليس ورديا فيما يتعلق بالوظائف. فوفقا لدراسة أجرتها الأمم المتحدة في 2012، فإن السعودية بها أقل معدلات توظيف للمرأة في الشرق الأوسط. وتعلق جوهر قائلة: "نحن بحاجة إلى المزيد من فرص العمل للمرأة وخاصة في المجالات العلمية. ونحن بحاجة كذلك إلى تيسير حركة المرأة، إما من خلال السماح لها بقيادة السيارات أو توفير وسائل مواصلات جيدة".

ومن جهته يقول آدم كوجل، في حواره مع "ميدل إيست مونيتر"، إن تفكيك نظام الوصاية هو حل رئيسي.

ويضيف: "بعض التدابير التي اتخذت مهمة جدا، ولكن لا شيء من ذلك قد يقوض حقا جوهر نظام الوصاية الذكورية، الذي تسيطر من خلاله الرجال على حياة المرأة ويعاملها القانون كقاصر. ما يجب أن يحدث الآن هو خليط من تغييرات على القانون في بعض الحالات والتدخل لإنهاء الممارسات التمييزية في حالات أخرى".

وأردف: "فعلى سبيل المثال ليس من الضروري لشركات التوظيف أن تسعى للحصول على موافقة الوصي قبل تعيين امرأة، ولكن في الواقعع ما زالت الكثير من الشركات تفعل ذلك، وليس من الواضح إذا ما كان ذلك يعد انتهاكا للقانون أم لا".

ولفت إلى أن "السلطات عليها أن توضح أن الشركات لا يمكنها الحصول على موافقة ولي أمر ذكر لتوظيف المرأة، ويجب اتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يفعلون ذلك".

ويقول كوجل إن هذه الممارسة منتشرة أيضا في المستشفيات، حيث لا يتم السماح للمرأة أن تحدد العلاج الخاص بها. 

وفي حواري مع كاي هاردي كامبل، الكاتبة والمحاضرة التي قضت 8 أعوام في السعوديةـ تذكرت مقالة عن المرأة السعودية في سوق العمل، كانت قد نشرتها في مجلة الأعمال السعودية عام 1980، وتؤكد كامبل أن النشاط النسائي في السعودية في حالة جيدة بناء على خبرتها الشخصية.

وتوضح كامبل قائلة: "المرأة السعودية تعمل منذ عقود لتحسين مجتمعها من خلال الجماعات الخيرية التي تساعد على بناء جيل من النساء الأقوياء والمتعلمات، واللاتي أصبحن الآن مندمجات بالمجتمع السعودي ويقمن بتطوير وضع المرأة والأسرة".

وتعتقد كامبل أن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تحفيز الحراك النسائي. 

وتقول جوهر إن دور الناشطين المحليين أمر بالغ الأهمية: "المحافظون في السعودية لديهم ردود أفعال سيئة (إن لم تكن هستيرية) للضغوط الغربية، حيث تجعلهم يلجأون إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامة.

ومثال على ذلك مظاهرة قيادة السيارات التي نظمتها الناشطات في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وأثارت ردود أفعال حماسية من النشطاء الغربيين، حيث انتهت بقيام السلطات السعودية بملاحقة أي امرأة خلف عجلة القيادة".

المصدر: ميدل إيست مونيتور - ترجمة عربي21