قبل نحو سنتين كلف الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي القيادي في حركة نداء تونس يوسف الشاهد بتشكيل حكومة جديدة، وهو الذي شغل منصب وزير الشؤون المحلية في حكومة الحبيب الصيد التي سحب منها البرلمان الثقة، وها هو الآن يطالبه بالاستقالة أو الذهاب للبرلمان كسلفه وطلب تجديد الثقة منه.

طلب رأى فيه العديد من المتابعين للشأن التونسي انتصارًا من السبسي الأب لنجله في معركته مع رئيس الحكومة التونسي، إذ يصر السبسي الابن على استقالة الشاهد وترك مكانه لشخصية "ندائية" تحظى بثقته وتعمل تحت أمره، حتى يسهل عليه تنفيذ برامجه التي وعد بها التونسيين حسب قيادات مقربة منه.

الاستقالة أو طلب تجديد الثقة

بعد صمت طويل، خرج السبسي على التونسيين قائلًا في حوار أدلى به لوسائل إعلام محلية في تونس مساء أول أمس الأحد: "يجب الخروج من الوضع الحاليّ الذي تعيشه الحكومة في تونس بتحقيق إجماع سياسي أو الاستقالة، لأنه لا توجد حكومة صالحة لكل زمان ومكان".

وأكد السبسي أن الوضع الحاليّ يجب ألا يستمر، مضيفًا: "وصلنا إلى الحد الذي يمكن القول فيه إننا نتوجه من السيء إلى الأسوأ ويجب وقف هذا، ولا يمكن أن تنجح أي حكومة في الاستجابة لمطالب الشعب إذا لم يتوفر لها نطاق سياسي وتحقق إجماعًا وتوافقًا سياسيًا مع كل القوى" في إشارة إلى سحب جزء من نداء تونس ثقته من الحكومة.

الأزمة بين القصبة وقرطاج بدأت في الظهور إلى العلن بعد أشهر قليلة من صعود يوسف الشاهد إلى منصب رئيس الحكومة في تونس

السبسي قال إنه في حال لم ينجح هذا فإن على رئيس الحكومة إما أن يستقيل من منصبه أو يتوجه إلى مجلس النواب للحصول على الثقة مجددًا، وأوضح الرئيس التونسي أنه يتعين على رئيس الحكومة الاهتمام بالوضع الحاليّ بدلًا من التفكير في الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، مضيفًا: "جميع الأنظار تتجه نحو عام 2019، لكن من يحكم الآن يجب ألا يفكر في 2019 وعليه أن يفكر في إنجاح الحكومة، ومن لم ينجح في 2017 و2018 لن يأتيه الحكم في 2019 ."

طلب السبسي من الشاهد الاستقالة أو تجديد الثقة رغم منح الدستور التونسي الرئيس صلاحية التوجه إلى البرلمان مباشرة وطلب التصويت على الثقة للحكومة، ويؤكد ذلك عدم رغبة السبسي في اتباع هذا السيناريو والاستفادة من الصلاحيات القليلة التي منحها له الدستور، لأن في هذا السيناريو مخاطرة كبيرة قد تكون عواقبها وخيمة، لأنه في حال تجديد الثقة بالحكومة فسيكون ذلك إحراجًا كبيرًا للرئيس وتراجع الثقة فيه.

تعقيد الأزمة السياسية في البلاد

تصريحات السبسي من شأنها وفقًا للعديد من المحللين أن تزيد من تعقيد الأزمة السياسية في تونس، خاصة أنها تؤكد الخلاف بين الرئيس ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وتخرجه للعلن بعد أن بقي داخل أسوار الاجتماعات الضيقة لفترة طويلة.

ويسعى السبسي من خلال هذه التصريحات إلى وضع يده على مقاليد الحكم في البلاد من جديد وتغيير رئيس الحكومة الذي تمرد على إرادته، وقد قاد الرئيس في الفترة الأخيرة مشاورات تهدف لإقالة الشاهد غير أنه اصطدم بـ"فيتو" من حركة النهضة الإسلامية التي شددت على ضرورة المحافظة على استقرار البلاد.

يذكر أن الأزمة بين القصبة وقرطاج بدأت في الظهور للعلن بعد أشهر قليلة من صعود يوسف الشاهد إلى منصب رئيس الحكومة في تونس، وذلك بعد أن بدأ اسم الشاهد في الصعود محققًا نسبة ثقة كبيرة لدى العديد من التونسيين بعد إعلانه الحرب على الفساد، وفقًا لما تؤكده نتائج سبر الآراء.

ويؤكد العديد من المقربين من الشاهد أنه رفض أن يكون بمثابة وزير أول وفقًا للنظام السياسي القديم المعمول به في البلاد قبل الثورة الذي يسعى الرئيس الباجي قائد السبسي إلى إعادته وفرضه على البلاد، وأصر على أن يمارس مهامه بصفته رئيسًا للحكومة وفقًا للنظام السياسي الجديد في تونس.

وتأتي دعوة السبسي بينما تعيش البلاد تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة، ومع ظهور أزمة سياسية بين الحكومة ومعارضيها يتقدمهم حزب نداء تونس الحاكم الذي يطالب بتغيير شامل للحكومة، وحركة النهضة التي تدعو لتعديل جزئي في الحكومة حفاظًا على الاستقرار السياسي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إصلاحات اقتصادية جريئة يطالب بها المقرضون الدوليون.

الانتصار للابن

موقف السبسي من الأزمة الحكومية، جاء متماهيًا مع موقفه ابنه حافظ قائد السبسي الذي يصر على ضرورة إقالة حكومة الشاهد كلها بدعوى إخفاقها في إنعاش الاقتصاد المنهك ووصول المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات "كارثية"، وإيجاد ربان جديد لرئاسة الحكومة، على أن تكون شخصية ندائية تلتزم بعدم الترشح للانتخابات المقبلة في العام 2019 وتحظى بثقته.

تدخل السبسي في هذه الأزمة جاء بعد شهر ونصف من قراره وقف المفاوضات السياسية لصياغة وثيقة قرطاج 2 للتوافق السياسي، بسبب خلافات بين اتحاد الشغل ونداء تونس من جهة، وحركة النهضة من جهة ثانية بشأن مسألة إقالة حكومة الشاهد وإجراء تعديل حكومي شامل.

هذه الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ أشهر عدة، من شأنها وفقًا لعدد من المتابعين للشأن المحلي أن تنعكس سلبيًا على البلاد

يسعى حافظ قائد السبسي الذي يدرك أن الشاهد سيكون - في حال مواصلة ترأسه للحكومة - منافسًا جديًا له في قادم المحطات التي تخص الحزب وتونس، إلى استبعاد زميله في الحزب من الحياة السياسية في البلاد، حتى يتسنى له التحكم في الحزب والحكومة وتعبيد الطريق أمامه استعدادًا للمحطات الانتخابية القادمة.

ويعتقد حافظ قائد السبسي الذي يدير الحزب دون أن يتم انتخابه من قواعد "النداء" أنه ولي نعمة يوسف الشاهد، فهو من كان سببًا لتوليه منصب رئاسة الحكومة صيف 2016، وعليه ألا ينافسه وأن يعمل تحت "جلبابه" ولا يخرج عن طوعه.

ويترأس يوسف الشاهد الحكومة التونسية منذ أغسطس/آب 2016، ومؤخرًا أقر الشاهد بوجود أزمة سياسية تمر بها البلاد، محملًا مسؤوليتها للمدير التنفيذي لحزب "نداء تونس" حافظ السبسي نجل الرئيس التونسي الحاليّ الباجي قائد السبسي.

موقف حركة النهضة؟

موقف حركة النهضة جاء مغايرًا لتوجه السبسي الأب والابن، حيث جددت الحركة التي تمتلك أغلبية مقاعد البرلمان (68 مقعدًا) ثقتها في رئيس الحكومة يوسف الشاهد، غير أنها ربطت ذلك بشروط تتمثل في التزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي وقع التوافق بشأنها في وثيقة قرطاج 2 والتزام رئيسها بعدم الترشح لرئاسيات 2019.

إلى جانب ذلك، طالب المكتب السياسي لحركة النهضة في بيان له أمس رئيس الحكومة يوسف الشاهد بإضفاء مزيد من النجاعة على العمل الحكومي وذلك عبر التسريع بإنجاز التحوير الوزاري وخاصة سد الشغورات الحكومية القائمة.

تصر حركة النهضة على ضرورة مواصلة الشاهد في منصبه 

قبل أيام قليلة قدم الوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان في الحكومة التونسية مهدي بن غربية استقالته من الحكومة، وذلك بعد أكثر من شهر على إقالة وزير الداخلية لطفي براهم وتكليف وزير العدل غازي الجريبي بمهام وزير الداخلية بالنيابة.

هذه الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ أشهر عدة من شأنها وفقًا لعدد من المتابعين للشأن المحلي أن تنعكس سلبيًا على البلاد، وتزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة من سنوات إن لم يتم تطويقها وإيجاد حل لها.