بعد التصعيد الأخير بلغة خطابه ضد النظام الإيراني، يُغيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من لهجته بتغريدةٍ له على التويتر، يُعلن فيها استعداد إدارته لإبرام اتفاق جديد مع إيران بشأن برنامجها النووي، لكنه اتفاق مختلف عن سابقه الذي أُبرم مع سلفه باراك أوباما الذي وصفه بالاتفاق الكارثي.

ويمكن اعتبار الموقف الجديد لترامب، كطوق نجاة يرميه للنظام الإيراني لينقذه من الغرق، فهل يا ترى سيستثمر هذا النظام الفرصة لينقذ نفسه، أم يكابر ليدخل أم الحروب مع الولايات المتحدة الأمريكية كما وصفها الرئيس الإيراني حسن روحاني؟

طهران لا قِبَلَ لها بتحدي واشنطن

العرض الأمريكي الأخير لإيران بإجراء حوارات مباشرة لا يعتبر عرضًا جديدًا، ذلك لأن ترامب وقبل انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، ذكر أنه يريد التوصل إلى اتفاق جديد لا تكون به المساوئ التي كانت موجودة بالاتفاق القديم (حسب تعبيره)، لكن العرض الأمريكي الجديد جاء بعد أن بدأت آثار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي تؤتي أكلها على الاقتصاد الإيراني.

رغم الجعجعة الإعلامية التي يقودها النظام الإيراني وسلسلة التهديدات التي يصرح بها ضد ترامب وإدارته، فمن المؤمل أن تتعامل إيران بشكل إيجابي لأي مبادرة أمريكية لإقامة حوار وإبرام اتفاق نووي جديد

ومن المؤمل مع وصول تاريخ بدء تنفيذ الحظر على صادرات النفط الإيراني في 4 من نوفبر/تشرين الثاني، يكون النظام الإيراني قد دخل في أزمة اقتصادية حقيقية لا تنفعه حينها تهديداته بغلق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، لأنه بالتأكيد يعرف هذا النظام أكثر من غيره، أنه غير قادر على تنفيذ تهديداته، ولا قبل للبحرية الإيرانية الوقوف بوجه القوات البحرية الأمريكية والغربية بشكل عام.

وعبر عن ذلك وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس قائلاً: "إغلاق المضيق سيعتبر هجومًا على النقل البحري الدولي، والرد سيكون دوليًا في حال نفذت إيران تهديداتها"، بالإضافة إلى أن إيران غير قادرة على دفع ثمن تغير الموقف الغربي جميعه ضدها وبالأخص الموقف الأوروبي الذي ما زال داعمًا لها حتى الآن.

إيران ستتعامل مع العرض الأمريكي إيجابيًا

رغم الجعجعة الإعلامية التي يقودها النظام الإيراني وسلسلة التهديدات التي يصرح بها ضد ترامب وإدارته، فمن المؤمل أن تتعامل إيران بشكل إيجابي لأي مبادرة أمريكية لإقامة حوار وإبرام اتفاق نووي جديد، لكن الولايات المتحدة تريد اتفاقًا جديدًا يختلف عن الاتفاق السابق مع أوباما، فهم يريدون اتفاقًا جديدًا يشمل الموضوع النووي بالإضافة إلى شموله اتفاقات تخص منع إيران من تطوير برامجها الصاروخية، كذلك موضوع تدخلها في دول الإقليم ودعمها للمليشيات الإرهابية المنتشرة فيها.

وهذا يعني أن على إيران التخلي عن جهود امتدت لما يقارب أربعين سنة قضتها لتأسيس نفوذها في المنطقة، وصرفت عليها مليارات الدولارات لضمان تفوقها العسكري والسياسي، فهل من السهل عليها التخلي عن كل ذلك؟ بالتأكيد لا، وسوف يحاول الإيرانيون أن يقوموا بكل وسيلة للحصول على اتفاق مع ترامب، من شأنه أن لا يحدَّ من نشاطاتهم في المنطقة، معتمدين في ذلك على تجربتهم الطويلة مع الأمريكان، فالأمريكان لطالما هددوا الإيرانيين ومع ذلك لم يفعلوا شيئًا حقيقيًا ضدها.

يمكننا أن نفهم أن التصعيد المتبادل بلغة الخطاب التي انتهجتها الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني، كان الهدف منه، تحسين فرص بعضهم في المفاوضات القادمة بين الجانبين

وعبر عن ذلك وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف صراحةً، في معرض رده على التهديدات الأمريكية حينما قال: "الشعب الإيراني لا يُعير اهتمامًا لتهديدات ترامب، واعتاد سماع مثل هذه التبجحات على مدى الأعوام الأربعين الماضية"، وفيما يبدو أن ظريف محق في كلامه هذه المرة، ومصداق كلامه تصريح وزير الدفاع الأمريكي عندما ردَّ على تقارير تُفيد اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية مهاجمة إيران قريبًا أن واشنطن تهدف إلى تغيير سلوك إيران ومن ضمنها تهديداتها في المنطقة، وبلاده لا تتبنى سياسة تغيير أو إسقاط النظام الإيراني.

ويمكننا أن نفهم أن التصعيد المتبادل بلغة الخطاب التي انتهجتها الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني، كان الهدف منه، تحسين فرص بعضهم في المفاوضات القادمة بين الجانبين، يندرج في ذلك التصريحات التي خرجت من قائد فيلق القدس الإيراني المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني التي حملت في طيّاتها لهجة تهديد وتحدٍ للأمريكان.

فالإيرانيون الآن أقرب من أي وقت مضى لإقامة حوار مع الأمريكان، بسبب ما تعانيه من عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة عليها، ونفس الحال ينطبق على الولايات المتحدة التي تريد استنساخ تجربتها مع كوريا الشمالية لتطبقها على إيران، فهي تعتمد سقفًا مرتفعًا من التهديدات، تليها طاولة تفاوض تفرض من خلالها شروطها.

أين العرب من ذلك كله؟

يحاول العرب وبالتحديد المملكة العربية السعودية، الدفع باتجاه صراع عسكري مع إيران، أو على أقل تقدير حصار اقتصادي خانق عليها، ينتهي بسقوط النظام الإيراني بطريقة مشابهة لما فعلته مع النظام العراقي حينما دعمت الجهود الأمريكية لإسقاط نظام صدام عام 2003، وسبقتها ثلاث عشرة سنة من حصار شمل كل شيء، واستغلت في الفترة الأخيرة  الاعتداء الذي قامت به مليشيا الحوثي الموالية لإيران على ناقلتين من ناقلات النفط السعودية في باب المندب، وكذلك التصريح الذي صدر عن قاسم سليماني حينما أعلن أن البحر الأحمر الذي كان آمنًا لم يعد اليوم آمنًا للوجود الأمريكي.

جاء الموقف الأمريكي واضحًا وصريحًا من خلال تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس قائلاً: "أمريكا لا تريد إسقاط النظام الإيراني، فهذا النظام ورغم أنه يمثل عنصر قلق للأمريكان، فهذا لا يعني أنه لم يكن نظامًا مفيدًا جدًا لها

لتعلن أنها لن تُسيّر ناقلات نفطها عبر البحر الأحمر، تبعتها دولة الكويت التي أعلنت أنها تفكر بإلغاء مرور ناقلاتها النفطية عبر مضيق باب المندب، كل ذلك للدفع بالأمريكان والغرب بشكل عام، لمعاقبة النظام الإيراني، واعتباره نظامًا يهدد الملاحة الدولية، ويشكل خطرًا اقتصاديًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي.

موقف الأمريكان واضح وصريح

جاء الموقف الأمريكي واضحًا وصريحًا من خلال تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس عندما قال: "أمريكا لا تريد إسقاط النظام الإيراني"، فهذا النظام ورغم أنه يمثل عنصر قلق للأمريكان، فهذا لا يعني أنه لم يكن نظامًا مفيدًا جدًا لها، فالنظام الإيراني وبسبب تهديده للدول العربية، كان أهم الأسباب التي جعلت العرب يهرولون إلى "إسرائيل" ليعقدوا معها شراكات إستراتيجية يؤمل لها أن تتحول إلى اتفاقيات سلام دائمة.

والنظام الإيراني هو الذي جعل القضية الفلسطينية تتأخر في سلم أولويات الاهتمام للأنظمة العربية، تلك الأنظمة التي تحول عدوها الأول من "إسرائيل" إلى إيران، والتهديدات الإيرانية هي التي جعلت أمريكا تحلب مليارات العرب بحجة تصديها لخطر إيران، وإيران مكَّنت لأمريكا في العراق وأنقذتها من التمرد العراقي الذي انطلق فور سقوط نظام صدام حسين، كما أن إيران ساعدت الجيش الأمريكي بأفغانستان وباعتراف الطرفين.

ستبقى إيران مفيدة للأمريكان ولن تتخلى عنها بسهولة، لكنها تريد أن تحجم نفوذها وتنكفئ لداخل حدودها، خشية من أن تصل للمرحلة التي لا يمكن السيطرة عليها، والولايات المتحدة لا تفكر بإسقاط النظام الإيراني، إلا إذا أصبح خطرًا جديًا على الكيان الصهيوني، وبالأفق المنظور هذا الأمر غير  وراد أو متحقق، فما الذي يجعل الولايات المتحدة تسعى لإسقاط هذا النظام الإيراني؟