يعج المطبخ الشرقي بأصناف وأشكال مختلفة من المأكولات التي تحمل مكوناتها حكاية تاريخها الأول، ورغم اعتيادنا على عدد كبير منها، لا سيما في بعض المناسبات الاجتماعية، فإننا لا نعرف قصتها وكيف وصلت إلينا لتصبح واحدة من خياراتنا الغذائية اليومية، المثير للاهتمام أن بعض هذه المأكولات صنعت في منطقة معينة لكنها كسبت شهرتها في منطقة أخرى، واعتبرت جزء من موروثها الثقافي، ومن أبرزها:

الكبة


عادةً ما تكون محشوة باللحم والمكسرات

تكتسب هذه الأكلة شعبية كبيرة في بلاد الشام والأردن والعراق ودول غير عربية مثل تركيا، فتختلف من مكان إلى آخر من ناحية الشكل والحجم والحشوة وطريقة التحضير، تشتهر بشكل خاص في لبنان وسوريا وتحديدًا حلب التي تشتهر بصناعة 17 نوعًا منها، كما يسميها أهلها "حلب أم المحاشي والكبب".

يوجد أنواع عديدة للكبة يصل عددها إلى 90 نوعًا وأشهرها المقلية والمشوية والنيئة، وهناك أيضًا الكبة المصلاوية التي تمتاز بشكلها الدائري وحشوتها المليئة بالمكسرات الطازجة.

يعود أصلها إلى تاريخ الإمبراطورية الآشورية، إذ يعتقد بعض الباحثين أن كلمة "كبة" وجدت في النصوص القديمة التي تصف وليمة الملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني عام 879

تتمتع هذه الأكلة بجانب ديني لدى المسيحيين في يوم الجمعة العظيمة أو جمعة الآلام، إذ يحضر هذا الطبق بشكل ملحوظ على موائد الطوائف المسيحية التي تسميه الكبة الحزينة، وذلك اعتبارًا للقصة التي تقول إن المسيحيين أعدوا هذه الأكلة لإيهام المضطهدين الذين كانوا يجبرونهم على أكل اللحم في أثناء صيامهم بأنهم انصاعوا لأوامرهم وأبطلوا صيامهم، إذ كان شكلها الخارجي يشبه اللحم بطبيعته، رغم أن الكنيسة لا تعتبر هذه العادة سوى تقليد شعبي.

يقال إن أصل هذه الأكلة يعود إلى تاريخ الإمبراطورية الآشورية، إذ يعتقد بعض الباحثين أن كلمة "كبة" وجدت في النصوص القديمة التي تصف وليمة الملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني عام 879 التي ذكرت لفظ "الكبتو" الذي تطلق على كل شيء دائري أو منتفخ.

الملوخية


تؤكل ناعمة أو خشنة بحسب المنطقة

توجد هذه الأكلة في كل من بلاد الشام ودول شمال إفريقيا والسودان، إلا أن مصر تشتهر بها على وجه الخصوص، إذ كانت هي بداية انتشار وانتقال هذا الطبق إلى الدول العربية الأخيرة التي غيرت في بعض أساليب تحضيرها.

المثير للطرافة أن الروايات المتناقلة عن تاريخ هذه الأكلة تقول إن المصريين القدامى كانوا يعتقدون أن نبتة الملوخية مادة سامة، وكانت تُعرف بنبتة "خية"، لكن مع احتلال شعب الهسكوس لمصر أجبروا المصريين على تناولها حتى يتخلصوا منهم، قائلين لهم "ملو خية" أي كلوا "خية" وبعدها اكتشف المصريون أنها نبتة صالحة للأكل.

يشاع أن الحاكم بأمر الله في زمن الدولة الفاطمية عام 383 هـ منع المصريين من أكلها أو تداولها وكان يأمر بقتل من يبيعها أو يشتريها دون سبب

في رواية أخرى يقول المؤرخ الروماني بلينوس إن هذه الأكلة كانت تعرف باسم "ملوكية" في القرن الأول الميلادي في الإسكندرية لأنها كانت حكرًا على الملوك فقط الذين اعتبروها علاجًا فعالًا للقضاء على آلام المعدة مثل معز الدين الله الفاطمي، كما يشاع أن الحاكم بأمر الله في زمن الدولة الفاطمية عام 383 هـ منع المصريين من أكلها أو تداولها وكان يأمر بقتل من يبيعها أو يشتريها دون سبب.

والجانب الأكثر طرافة في قصتها ما يعرف بـ"شهقة الملوخية" وهو أن يأخذ الطاهي شهيقًا بصوت عالٍ قبل أن يضع التقلية على الملوخية، وتقول الأسطورة إن هذه العادة تعود إلى أحد الطباخين الذين كانوا يعملون بهدوء لكن في أثناء استعداده لوضع "الطشة" دخل عليه أحد حراس الملك وصرخ فيه غاضبًا بسبب تأخره عن تقديم الطبق للملك، فشهق الطباخ من الفزع لكنه نجح في الانتهاء من إعداد الطعام وتقديمه، ليعجب الملك بهذه الوجبة الشهية، ومنذ ذاك الوقت اعتبرت الشهقة سرًا من أسرار جودة الملوخية.

المسكوف


من أهم الأطباق الشعبية في العراق

تنسب هذه الأكلة إلى السومريين، وهي عبارة عن سمك نهري مشقوق من جهة الظهر على طول السمكة لغاية رأسها، ويضاف أحيانًا إليها صلصة الخل والبصل والطماطم ويفتح جلدها لتعليقها على الأسياخ وصلبها بالطريقة المعتادة.

يعد السمك المسكوف من أنواع مختلفة من السمك مثل النبي أو القطان أو الشبوط، وهي وجبة تخطت بطيب مذاقها حدود العراق لتنتقل إلى دول الخليج المجاورة، كما تعني كلمة المسكوف السيخ الذي يعلق عليه اللحم، وهي كلمة آرامية الأصل.

وجدت تنقيبات في جنوب بغداد طبقًا من الطعام يحتوي على عظام سمك معد بطريقة لا تختلف كثيرًا عن طريقة تحضير المسكوف، وبناءً على نتائج التحليل يعتقد العلماء أن تاريخ هذه الأكلة يصل إلى 4500 عام

قبل سنوات معدودة وجدت بعثة إيطالية خلال تنقيبات في جنوب بغداد طبقًا من الطعام يحتوي على عظام سمك معد بطريقة لا تختلف كثيرًا عن طريقة تحضير سمك المسكوف، وبناءً على نتائج التحليل يعتقد العلماء أن تاريخ هذه الأكلة يصل إلى 4500 عام.

ورق العنب


الليمون الحامض أحد أهم مكوناته

لهذه الأكلة عدة أسماء تختلف من دولة إلى أخرى مثل ورق الدوالي أو العريش أو الدولمة أو يالنجي أو صارما، وقد تختلف أيضًا طريقة التحضير بأجزاء بسيطة من مكانٍ إلى آخر إلا أن شعبيتها واسعة في المنطقة العربية.

بالنسبة إلى اليالنجي فتعني "الدولمة الكاذبة" لأنها ليست محشوة باللحم على غرار الدولمة الاعتيادية.

في القرن الرابع عشر ميلادي، أخذ العرب هذه الأكلة من الدولة العثمانية التي سمتها "يبرق صرما" أي الورق الملفوف أو "دولمة" الورق المحشو، أما بالنسبة إلى اليالنجي فتعني "الدولمة الكاذبة" لأنها ليست محشوة باللحم على غرار الدولمة الاعتيادية.

انتشر هذا الطبق في الدول العربية مثل العراق والجزائر وبلاد الشام، وبعض الدول الأخرى التي وقعت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية مثل دول البلقان ورومانيا وأذربيجان واليونان.

بصفة عامة، تبادلت الدول العربية وما يجاورها هذه الأطباق وغيرت بعضها فيما يتناسب مع ثقافتها المحلية وعناصرها الأساسية في المطبخ، ورغم اختلاف بعض العادات في هذا الجانب إلا أنها تتشابه في كثرة استخدام زيت الزيتون والأعشاب والبهارات مثل الريحان والكزبرة والشبت وإكليل الجبل والزعتر والثوم.