بدأت روسيا في الآونة الأخيرة بالعمل على ملف عودة الملايين من اللاجئين السوريين إلى وطنهم، الذين فروا من سوريا بسبب المعارك واسعة النطاق التي اندلعت سنة 2011. ويمثل العدد الكبير للاجئين التحدي الرئيسي الذي يواجه موسكو وشركاءها في عملية إعادتهم إلى ديارهم. فما هي التحديات الأخرى التي قد تحول دون عودة اللاجئين إلى سوريا؟

معاناة اللاجئين ودول اللجوء

تطور الصراع السوري الذي بدأ سنة 2011، بسرعة، وتحوّل من مظاهرات واحتجاجات سلمية إلى اشتباكات مسلحة. وفي خضم هذا النزاع، بدأت بعض القوات بالقتال ضد الحكومة السورية ما جعل الاشتباكات تغطي كامل أراضي البلاد، وتدفع ملايين السوريين إلى الهروب من الحرب نحو بعض المناطق الأكثر أمنا في البلاد أو إلى خارج البلاد، ما نتج عنه ظهور موجة غير مسبوقة من اللاجئين.

استقرت نسبة كبيرة من اللاجئين في لبنان وتركيا والأردن والعراق. وقد أعلن ممثل وزارة الشؤون الخارجية الروسية، نيكولاي بورتسيف، أن لبنان يضم مليون ونصف المليون لاجئ. وحسب إحصاءات الأمم المتحدة، سجلت وكالة شؤون اللاجئين في تركيا 3.5 مليون لاجئ، وفي الأردن حوالي 670 ألف لاجئ، أما في العراق 250 ألف لاجئ. ووفقا لوزارة الدفاع الروسية، غادر حوالي سبعة ملايين سوري بلده، وتشتت معظمهم في 45 دولة.

غالبا ما يكون مصير اللاجئين صعبا، فإلى جانب الحرمان من الظروف الطبيعية للعيش، فإنهم يعتبرون فريسة سهلة للابتزاز والسرقة والعنف. وفي ظل تدفق اللاجئين ازدهرت تجارة الأعضاء، حيث يضطر البعض منهم في بعض الأحيان إلى بيع أعضائهم طواعية للتمكن من إعالة أسرهم. وفي حالات أخرى، ووفقا لما أكدته وسائل إعلام، يتعرض اللاجئون غير الشرعيين للقتل لسرقة أعضائهم.


عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى ضواحي دمشق

في الواقع، أصبح اللاجئون عبئا يثقل كاهل بعض الدول. فبالنسبة للبنان، البالغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة، مثّل وصول مليون ونصف لاجئ سوري اختبارا صعبا لميزانية البلاد. ومنذ بداية الأزمة السورية، أثّر تدفق اللاجئين على التوازن الديموغرافي لهذا البلد المجاور. أما السوريون، فهم مستعدون للعمل بأجور زهيدة ما جعلهم ينافسون اللبنانيين في سوق التشغيل.

بالنسبة للأردن، الذي يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الخارجية، مثّل تدفق اللاجئين ضربة حقيقية لاقتصاده، بينما تحولت تركيا التي استقبلت أكبر عدد من المهاجرين إلى نقطة عبور رئيسية من الشرق الأوسط نحو أوروبا. ونتيجة لذلك، اضطرت دول الاتحاد الأوروبي إلى عقد صفقة مع أنقرة.

بموجب هذا الاتفاق، تعهد الاتحاد الأوروبي بقبول لاجئ شرعي مقابل إرسال واحد غير شرعي إلى تركيا، كما تعهد بدفع ثمن إقامة اللاجئين، حيث خصصت بروكسل أكثر من مليار يورو لتركيا. ويبدو أن ملف اللاجئين أصبح أداة سياسية للمساومة تستخدمها تركيا للضغط على الاتحاد الأوروبي لمنح مواطنيها الحق في الدخول من دون تأشيرة. وتحت ستار المهاجرين نحو أوروبا، سارع الإرهابيون منذ بداية الأزمة السورية إلى العبور نحو الأراضي الأوروبية متخفين بين اللاجئين، ما أدى إلى وقوع العديد من الهجمات الإرهابية في أوروبا في وقت لاحق.

اتخاذ خطوة كبيرة

بعد محادثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، بتاريخ 16 تموز/ يوليو في هلسنكي، أكد الرئيس الروسي عزم بلاده تكثيف العمل على ملف عودة اللاجئين إلى سوريا. وفي مؤتمر صحفي، قال الزعيم الروسي "إذا ساعدنا اللاجئين على العودة إلى ديارهم، فإن الضغط على دول الاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول سينخفض بصفة ملحوظة". كما أشار بوتين إلى أنه "يمكن لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية التعاون لحل هذه المسألة وتجاوز الأزمة الإنسانية، ومساعدة اللاجئين للعودة إلى ديارهم".


 لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هلسنكي.

من جهته، تحدث الرئيس الأمريكي بطريقة أكثر شمولا، مشيرا إلى أن "التعاون بين البلدين يمكن أن ينقذ مئات الآلاف من الأرواح". ولكن، في 24 تموز/ يوليو، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر نويرت إن الولايات المتحدة لا تعتبر الوضع الحالي في سوريا مناسبا لعودة اللاجئين.

مع ذلك، تأخذ روسيا هذا الأمر على محمل الجد، وإلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية والعمل على إرساء السلم تدريجيا في بعض المناطق، بدأت الجهود المكثفة لعودة المهاجرين الداخليين في سوريا. وبالتنسيق مع دمشق في 18 تموز/ يوليو، تم افتتاح مركز الاستقبال والإقامة وتوزيع اللاجئين. ولا يهتم هذا المركز بقضية اللاجئين فقط، وإنما يوزع المساعدات ويحاول استعادة عمل الخدمات الاجتماعية. فضلا عن ذلك، تم فتح نقطتي تفتيش للاجئين القادمين من الأردن ولبنان، نصيب والزمراني. وفي 27 تموز/ يوليو، تم افتتاح ثلاث نقاط تفتيش أخرى.

حسب ما أكده قائد مركز إدارة الدفاع التابع لوزارة الدفاع الروسية، الجنرال ميخائيل ميزنتسيف، أرسل الجيش الروسي مجموعات عمل إلى لبنان والأردن وتركيا من أجل معالجة مسألة عودة اللاجئين إلى سوريا. وقد ذكرت وكالة "سبوتنيك" الروسية أنه تجري مناقشة مقترح إنشاء مركز مشترك لعودة اللاجئين السوريين مع بيروت وعمان، الذي سيعمل على مدار الساعة.

وفقا للتقديرات الروسية، سيصل عدد العائدين إلى سوريا إلى 1.7 مليون شخص، في حين أن 330 ألف شخص مستعدون فعلا للعودة للبلاد، وتوجد 76 منطقة في سوريا مستعدة لاستقبال اللاجئين وهي من المناطق الأقل تضررا خلال الحرب.

خارج البلاد أفضل

في حين تبذل روسيا جهودا حثيثة للاستعداد لعودة اللاجئين بالتنسيق مع سوريا وبلدان أخرى، لا يرغب العديد من اللاجئين السوريين في العودة إلى وطنهم في الوقت الراهن. وبكل تأكيد، هناك العديد من الأسباب التي تفسر ذلك، لعل أولها أن بعض السوريين لم يغادروا بلادهم بسبب الحرب فقط وإنما لأسباب سياسية بالأساس، مما يعني أنهم من المعارضة.

إلى جانب ذلك، يحتاج السوريون وخاصة المنتمون للمعارضة إلى ضمانات ليطمئنوا ويتأكدوا من أن عودتهم إلى سوريا لن تعرضهم إلى بطش نظام الأسد. لكن، كيف يمكن تقديم مثل هذه الضمانات؟ في الحقيقة، إن الأمر معقد ويتطلب تنسيقا جادا بين روسيا وسوريا.


عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى ضواحي دمشق.

ثانيا، بالنسبة لبعض اللاجئين الذين شاركوا في عمليات القتل وارتكبوا جرائم أخرى، فإنه ليس من مصلحتهم العودة إلى سوريا لأنهم سيكون عرضة للتبعات العدلية من قبل السلطات. حاليا، لا تتوفر تفاصيل كافية حول كيفية عمل المركز الروسي لاستقبال وتوزيع اللاجئين، ومن المتوقع أنه عند عودة أي مواطن سوري سيكون عليه الخضوع إلى بعض الاختبارات. وبالنسبة للمجرمين، لا تعتبر العودة إلى سوريا مغرية ما لم تعلن السلطات السورية عن العفو العام. لكن، هل هي ملزمة فعلا بذلك؟

أما السبب الأخير، فيتمثل في تمكن العديد من اللاجئين السوريين من الاستقرار وتأسيس حياة جيدة ومريحة لهم في بلدان جديدة، بعد مرور سبع سنوات على الحرب. وفي حين يعاني البعض لسنوات في المخيمات، يوجد آخرون نجحوا في تأسيس حياة جديدة، وبكل تأكيد لن يكون مناسبا بالنسبة لهم العودة إلى الديار، لأنه ليس من الحكمة مغادرة بلد مزدهر والعودة إلى وطن يحتاج إعادة إعمار بعد أن دمرته الحرب.

بناء على كل ما ذكر آنفا، إن المهمة التي اختارتها روسيا لنفسها هي مهمة صعبة للغاية. لذلك، ينظر الكثيرون إلى هذه التطورات بشكل متشائم ويتنبؤون بفشل هذه العملية، لكن القيام بشيء ما أفضل من البقاء مكتوفي الأيدي بتعلة أن موعد عودة اللاجئين لم يحن بعد.

الصحيفة: ايزفيستيا الروسية