"حين ذهبنا لاستلام جثته من المشرحة وجدنا عينيه فارغتان من الداخل ونتيجة التشريح أفادت بعدم وجود القرنية، لكن حتى صباح أول أمس وخلال تغسيل الجثمان في مشرحة زينهم، كانت عين المتوفي ما زالت تنزف وواضح عليها آثار الخياطة".. بهذه الكلمات فجر نجل عم الضحية "محمد عبد التواب" الذي وافته المنية داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة قبل يومين مفاجأة من العيار الثقيل داخل الشارع المصري.

الملفت للنظر أنه وردًا على المحضر الذي حرره أهل المتوفي بقسم شرطة السيدة زينب، وحمل رقم 5505 لسنة 2018، اتهموا فيه المستشفى بـ"سرقة القرنية الخاصة بالمتوفي" جاء رد المستشفى على لسان عميد كلية طب القصر العيني فتحي خضير، صادمًا لشريحة كبيرة من المواطنين، إذ أكد أن استئصال قرنية عين المتوفي إجراء قانوني والمستشفى لم يخطئ حين أقدم على ذلك.

سجال قانوني وإنساني فرض نفسه على موائد النقاش المجتمعي والبرامج الفضائية وصفحات الجرائد والمجلات، بين من يدافع عن قانونية ما حدث وأحقية الدولة في امتلاك قرنيات من توفوا، ومن يعتبرها إهانة وجريمة تستوجب العقاب والمساءلة، وبين هذا وذاك يترقب الملايين من المصريين ما ستسفر عنه هذه النقاشات إذ يتحسس كل منهم قرنيته حال دخوله المستشفى لأي سبب من الأسباب طالما أنها وفق رؤية مجلس النواب (البرلمان) ليست عضوًا من الجسد ومن ثم فنزعها مسألة لا توقع صاحبها في المخالفة.

بداية الأزمة

البداية حين اكتشف أهل المتوفي وهم يستلمون جثته خلو عينيه من القرنية، الأمر منذ الوهلة الأولى لم يلفت نظرهم بالصورة الكاملة، لكن بعد مرور عدة ساعات على الغسل فوجئ الحضور باستمرار نزيف العين ما دفعهم للتيقن مما يحدث خاصة أنه لم يجر له أي عملية جراحية فمن أين جاءت تلك الدماء؟

أحمد عبد التواب شقيق المتوفي قال إن شقيقه توفي في المستشفى الأحد، حيث كان في قسم العناية المركزة انتظارًا لإجراء عملية قسطرة بالقلب، وعند ذهابه لتسلّم جثته اكتشف سرقة القرنية من عينيه ووجود آثار دماء وخياطة فيهما، فيما قال إن إدارة المستشفى أكدت لهم أن الوفاة حدثت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية، وهو ما يعني أن المتوفي لم تجر له أي عمليات جراحية من أي نوع، مضيفة أن ما حدث لعينيه يعد سرقة علنية تستوجب التحقيق والمحاكمة.

في الأعضاء العادية نضطر لفتح البطن ويحدث تشوه للجثة، أما في القرنية لا يوجد أي تشوه، لأننا نأخذ نسيجًا شفافًا لا يؤثر إطلاقًا على شكل الجثمان

زوجة المتوفي في تصريحات تليفزيونية لها نددت بما حدث واصفة إياه بـ"الجريمة"، قائلة: "مفيش ابن يرضى يشوف أبوه بالمنظر ده، إزاي عيل عنده 11 سنة آخر مرة يودع أبوه يشوفه بالمنظر ده ويبقى معقد نفسيًا، دي سرقة"، فيما أضافت شقيقتها: "قانون إيه اللي يقول تسرقوا أعضاء البشر وهي ميتة، اتقوا الله" وتابعت: "عاوزين الدولة تاخد لنا حق محمد وإحنا مش عاوزين ماديات، مفيش حاجة هتعوضه، وربنا يصبر مراته وولاده على فراقه وحسبنا الله ونعم الوكيل فيكم".

إجراء قانوني

مدير المستشفى تعليقًا على الواقعة قال: "المستشفى لم ينتزع قرنية المتوفي، لكنه أخذ الطبقة السطحية للقرنية"، معتبرًا أنها وفقًا للقانون "لا تمثل إهانة للميت"، فيما أفاد عبد الحميد أباظة المقرر السابق للجنة العليا لزراعة الأعضاء، أن القانون ينص على أخذ القرنية من المتوفّي حديثًا دون الرجوع لأهله، وهذا نص صريح لأنها لا تشوه الجسم، ولكن جرى العرف الطبي ومن باب أخلاقيات الطب كان يتم إبلاغ أهل المتوفّي واستئذانهم".

أباظة أضاف في تعليقه تبريرًا على عدم الحصول على إذن أهل المتوفي: "في الأعضاء العادية نضطر لفتح البطن ويحدث تشوه للجثة، أما في القرنية لا يوجد أي تشوه، لأننا نأخذ نسيجًا شفافًا لا يؤثر إطلاقًا على شكل الجثمان، ونضع مكان القرنية جسم شفاف يعطي نفس شكل العين، ومن وضعوا القانون لم يشترطوا الحصول على إذن الأهل".

بدوره أكد الدكتور ياسر سليمان رئيس الهيئة المصرية للتدريب الإلزامي للأطباء وعضو اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، إلى وجود اشترطات للحصول على "قرنية المتوفي"، منها أن تجرى عملية الحصول على القرنية في مستشفى حكومي مرخص ويوجد به بنك للقرنية، وأن تكون العملية بالمجان، ولا يجوز بيع القرنية لأماكن خاصة أو خروجها خارج مصر، بجانب الحصول على القشرة السطحية للقرنية بموافقة 3 من الأساتذة أعضاء هيئة التدريس دون الرجوع لأهل المريض.

غير أنه أوضح أن القانون لا يعتبر الحصول على القشرة السطحية من القرنية بمثابة أعضاء بشرية، بل ينظر إليها باعتبارها "أنسجة"، وبالتالي تستثني من قانون زراعة الأعضاء البشرية الذي يتطلب الموافقة من الأهل على نقل أي عضو.

من يتحدث عن نقل أي عضو أو جزء من عضو من المتوفي دون علم أهله أو وصية لا يعلم عن القانون شيئًا ويعد التفافًا على القانون، ويُحاكم من يرتكب ذلك بالسجن لمدة لا تزيد على 5 سنوات وبغرامة من 100 ألف جنيه إلى 300 ألف جنيه

الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة السابق، علق على الواقعة في منشور عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "القانون رقم 103 لسنة 1962 وتعديلاته بالقانون رقم 79 لسنة 2003، وقرار وزير الصحة رقم 234 لسنة 2003، نظم نزع قرنية المريض المتوفي، وأنشأ داخل بعض المستشفيات ومنها القصر العيني وأغلب المستشفيات الجامعية في مصر، بنوكًا لهذا الغرض، وحدد الحالات التي يمكن أن يحدث فيها ذلك وكيفية حدوثه والموافقات المطلوبة".

وأضاف أن تلك العملية تتم وفق إجراءات صارمة ومنضبطة، ويتم الاستعانة بها لإعادة البصر للمرضى الفقراء وتحت أعين الأجهزة الرقابية، مشيرًا إلى أن ذلك القانون ساهم في إعادة البصر لعشرات الآلاف من الحالات، وتابع: "على الذين يخوضون في سمعة القصر العيني بالباطل والبهتان ويرمون أساتذته بالزور أن يتقوا الله"، لافتًا إلى أن القصر العيني صرح كبير، ورغم مشاكله وقلة ميزانياته يؤدي دورًا كبيرًا في علاج المرضى المصريين بل وغيرهم من المقيمين.

كما دخل البرلمان المصري على خط الأزمة، حيث اعتبر عضو لجنة الصحة بالمجلس مجدي مرشد، أن القرنية ليست عضوًا في جسم الإنسان ولكنها نسيج، مشيرًا إلى أن قانون زراعة الأعضاء لا يسمح بنقل الأعضاء إلا بعد إذن كتابي.

وأضاف مرشد خلال لقائه ببرنامج "يحدث في مصر" على فضائية "إم بي سي مصر" أمس الثلاثاء، أن قانون بنوك القرنية يسمح بنقل الجزء السطحي منها دون إذن، مؤكدًا أنه "من حق أطباء القصر العيني نقل الجزء السطحي لقرنية المتوفي إلى مريض آخر طبقًا للقانون".

مصر الأولى عربيًا وشرق أوسطيًا في تجارة الأعضاء

جريمة مكتملة الأركان

في المقابل أكد الدكتور محمود كبيش عميد كلية حقوق القاهرة السابق، أن قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 يجرم ويمنع نقل أي عضو أو جزء من العضو أو أنسجة من مريض أو متوفي إلا في حالة الضرورة القصوى، ويكون ذلك بوصية وعلم أهل المتوفي، مؤكدًا أن أي قانون سابق هو لاغٍ بصدور القانون الأخير الذي ينظم هذه الحالة.

وأضاف كبيش في تصريحات له: "من يتحدث عن نقل أي عضو أو جزء من عضو من المتوفي دون علم أهله أو وصية لا يعلم عن القانون شيئًا ويعد التفافًا على القانون، ويُحاكم من يرتكب ذلك بالسجن لمدة لا تزيد على 5 سنوات وبغرامة من 100 ألف جنيه إلى 300 ألف جنيه".

يذكر أن الكتاب الدوري الصادر عن النائب العام رقم 22 لسنة 2008 بشأن إعادة تنظيم بنوك قرنيات العيون، قد حدد 3 مصادر للحصول على القرنية هي: (أ) قرنيات عيون الأشخاص الذين يوافقون موافقة كتابية على نقلها بعد وفاتهم بغير مقابل، (ب) قرنيات قتلى الحوادث الذين تأمر النيابة العامة بإجراء الصفة التشريحية لهم ويكون الاستئصال في هذه الحالة بمجرد الأمر بالتشريح، (ج) قرنيات عيون الموتى بالمستشفيات والمعاهد المرخص لها في إنشاء بنوك قرنيات العيون التي يجمع ثلاثة من الأطباء رؤساء الأقسام المعنية على نقلها وفقًا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية للقرار بقانون إعادة تنظيم بنوك قرنيات العيون المشار إليه.

كما أنه لم يشترط موافقة أحد - المتوفي أو ورثته أو ذويه - قبل الحصول على قرنيات العيون في الحالات المنصوص عليها في الفقرتين ب، ج، لافتًا إلى أن الاستئصال يصب على قرنيات العيون وليس على العيون ذاتها، ويتم الاستئصال بالأسلوب المتبع طبيًا في جراحات العيون، ويقفل الجرح بطريقة جراحية سليمة بما يضمن احترام جسد المتوفي.

صنفت مصر ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في تصدير الأعضاء البشرية مع كل من الصين والفلبين وباكستان وكولومبيا

مصر الأولى عربيًا

سرقة الأعضاء أو الاتجار فيها، نزعها قانونًا أو قسرًا، أيًا كان المسمى يظل هذا الملف الأكثر جدلاً في الشارع المصري، يتساقط معه يوميًا العديد من الشبكات الإجرامية، المنظمة والعشوائية، تتصاعد منحنياته بصورة كبيرة مع تأزم الحالة الاقتصادية وتزايد معدلات الفقر.

وبعيدًا عن جدلية قانونية نزع "القرنية " من المتوفي دون استئذان أهله من عدمه، والتحول المريب من تجريم سرقة الأعضاء إلى تقنينها بصورة أو بأخرى، فقد نشر "نون بوست" تقريرًا تزامن مع سقوط واحدة من أكبر شبكات تجارة الأعضاء في مصر والمنطقة، في سبتمبر 2016، ضمت 41 متهمًا، فضلاً عن تورط بعض المستشفيات والمراكز الطبية الكبرى التي كانت محل ثقة وتقدير من المصريين، اعتبره البعض حينها صادمًا نقلاً عن المجلة البريطانية لعلم الإجرام "British Journal of Criminology" عن تجارة الأعضاء البشرية في أرض الكنانة.

التقرير كشف بعض الأرقام والإحصاءات الكارثية عن حجم هذه التجارة، حيث توصل إلى احتلال مصر مركزًا متقدمًا بين الدول المتورطة في هذا النوع من التجارة غير المشروعة، وتعتبر من أكبر الأسواق في تجارة الأعضاء البشرية في العالم.

وفي نفس السياق، كشفت منظمة الصحة العالمية من خلال دراسة صادرة عنها مؤخرًا أن مصر تعد مركزًا إقليميًا للاتجار بالأعضاء البشرية، وصنفت مصر ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في تصدير الأعضاء البشرية مع كل من الصين والفلبين وباكستان وكولومبيا، وتعتبر مصر الأولى على مستوى الشرق الأوسط والمنطقة العربية.