بينما كانت تنتظر تركيا، في هذه الأزمة، مؤازرة إقليمية ودولية اقتصادية وسياسية واسعة، صُدمت بمواقف خجولة تخشى من مواجهة الولايات المتحدة على نحوٍ جاد.

عبر تويتر، أضحت العلاقات الدولية تُرسم وتُحدد، بل وتتدهور بتهديد رئيس دولة ما لدولة أخرى، فالعالم بات أمام دبلوماسية العالم الرقمي بكل وضوح، وهذا ما عكسه نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، عبر تغريدةٍ له على تويتر، مصرحًا بأن بلاده ستتجه نحو فرض عقوباتٍ على بعض الشخصيات والمؤسسات التركية، في حال استمر القضاء التركي باعتقال القس أندرو برونسون الموقوف في تركيا بتهمة التجسس.

لقد تمخض عن تهديدات بنس فرض عقوبات على وزيري العدالة والداخلية التركيين، الأمر الذي قابلته تركيا بالمثل، مما أدى إلى حدوث تدهورٍ عميقٍ في سعر صرف الليرة التركية التي تأثرت بفعل انسحاب قسم كبير من الأموال العائمة إلى دولٍ أخرى، مخافة أن تطال هذه العقوبات البنك المركزي والبنوك الحكومية الأخرى.

لا يبدو أن قضية اعتقال القس التي مر عليه شهور، السبب الحقيقي والأساسي وراء الأزمة، بل يبدو أن تصريحات المسؤولين الأتراك المتكررة، لا سيما تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، السبب الحقيقي وراء ذلك

وانطلاقًا من إيمان كلا البلدين بضرورة تحقيق تعاون مشترك يخدم مصالحهما المشتركة فيما يتعلق بالأزمات الفاعلة في المنطقة، التقى وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، نظيره الأمريكي مايك بومبيو، في 3 من أغسطس/آب، على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، ونتج عن اللقاء توافق على بدء تحسين العلاقات، وقد بدأ ذلك فعلًا، الإثنين 6 من أغسطس/آب، حيث اتجه وفد تركي إلى الولايات المتحدة، غير أن اللقاء لم يُفض إلى نتيجة إيجابية، مما زاد من تدهور سعر صرف الليرة.

الأسباب الحقيقية وراء الأزمة

في الحقيقة، لا يبدو أن قضية اعتقال القس التي مر عليه شهور السبب الحقيقي والأساسي وراء الأزمة، بل يبدو أن تصريحات المسؤولين الأتراك المتكررة، لا سيما تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، السبب الحقيقي وراء ذلك، فقد صرح تشاووش أوغلو في 22 من يوليو/تموز، بأن تركيا ليست "مجبرةً" على الانضمام إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، كما أن تصريحه في 11 من يوليو/تموز،  بأن أمر استعمال تركيا لمنظومة الدفاع الجوية الروسية آس 400، لم يعد مطروحًا على الطاولة.

الموقف الإيراني من العقوبات الأمريكية على تركيا

عندما لوحت الإدارة الأمريكية الجديدة بفرض عقوبات اقتصادية "قاسية" على إيران، بادر المسؤولون الأتراك للتصريح بأن تركيا لن تنضم إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وربما يعود ذلك إلى ترابط العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، فتركيا تستورد من إيران ما نسبته 22.4% من حاجتها للنفط، و16.2% من حاجتها للغاز الطبيعي.

على الرغم من توافق الطرفين في سوريا والعراق، فلا مانع لدى إيران من أي إجراء يُتخذ ضد تركيا التي تقع في مقام المنافس، أو حتى "الند"، الإقليمي الأول لها

ويبلغ ميزان التبادل التجاري بينهما 8 مليارات دولار، فضلًا عن أن تركيا تحاول الاستفادة من موقعها الجغرافي في نقل الغاز الإيراني نحو السوق العالمية، بالإضافة إلى أن تركيا تستخدم الأراضي الإيرانية، كممرٍ تجاريٍ نحو بعض الدول الخليجية، أيضًا على صعيد سياسي، تتشارك البلدان في محاولة تسوية الأزمة السورية، وكان بينهما تعاون سياسي وأمني وثيق في إفشال استفتاء كردستان العراق.

لكن الموقف الإيراني حيال الأزمة التركية ـ الأمريكية، لم يكن بذات المستوى.. لماذا؟

الموقف الإيراني جاء عبر تغريدة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف، مُختصر ترجمتها "العقوبات الأمريكية على وزيرين تركيين ـ على الرغم من أن تركيا حليفة لها ـ تُظهر انتهاج الولايات المتحدة سياسة الابتزاز ضد الدول الأخرى".

https://twitter.com/JZarif/status/1024942545233620992

ربما موقف الإدارة الأمريكية الحاليّ الحاد من إيران، ورغبتها، أي الإدارة الأمريكية، في تحجيم نفوذها المهدد لحلفائها في المنطقة، وسعيها إلى تغيير الاتفاق النووي على نحوٍ يضمن لها توقف إيران على تخصيب اليورانيوم بالكامل، هو السبب الأساسي وراء رغبة إيران في عدم إبداء موقف رسمي ضد هذه العقوبات، بمعنى أن هذه العقوبات أصابتها على نحوٍ قاسٍ، وهي تبحث عن مخرج لا عن مأزق جديد يُعمق أزمتها، وهذا، ما يبدو، قد دفعها نحو إبداء موقف متواضع حيال الأزمة، للتركيز على ملفها كأولوية.

أيضًا، على الرغم من توافق الطرفين في سوريا والعراق، فلا مانع لدى إيران من أي إجراء يُتخذ ضد تركيا التي تقع في مقام المنافس أو حتى "الند"، الإقليمي الأول لها، فتلك الإجراءات تؤثر سلبًا في التحركات السياسية والأمنية لتركيا، وهذا ما يرجح كفة الميزان لصالح إيران على صعيد إقليمي.

الموقف الروسي

سيرًا على ذات النهج، لم تصغ أنقرة للعقوبات الغربية التي فرضت على روسيا، بعد أزمة ضم القرم لها، إلا أن الموقف الروسي حيال الأزمة التركية ـ الأمريكية الأخيرة، لم يأت على النحو المأمول بالنسبة لتركيا، إذ ظهر للسطح من خلال تصريح لرئيس العلاقات الدولية في مجلس الدوما أليكسي تشيبا، بأن "الولايات المتحدة تلوّح بالعقوبات الاقتصادية والسياسية ضد الدول التي ترغب في انتهاج سياسة مستقلة"، مضيفًا أن هذا النهج لا يليق بمقام الدولة.

 تُظهر الولايات المتحدة، إلى الآن، بأنها القطب الأعلى والأكثر قدرةً على المناورة حول العالم، ولا يسع الأقطاب الأخرى، بما فيها روسيا، التحرك حول العالم، إلا في إطار ما تمنحهم من مسافة

ومن حسن حظ تركيا أن الموقف الروسي حيال أزمتها لم ينعكس عن طريق شخصية أقل مستوى من ذلك، في الحقيقة، الموقف الروسي "خجول" جدًا وليس نسبيًا، ولعل مرد ذلك إلى رغبة روسيا في مواصلة التعاون مع الولايات المتحدة في الملفات العالقة، لا سيما ملف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها والأزمتين السورية والأوكرانية، بعيدًا عن المواجهة المباشرة.

في الحقيقة، تُظهر الولايات المتحدة، إلى الآن، بأنها القطب الأعلى والأكثر قدرةً على المناورة حول العالم، ولا يسع الأقطاب الأخرى، بما فيها روسيا، التحرك حول العالم، إلا في إطار ما تمنحهم من مسافة، ولعل أكبر دليل على ذلك، الموقف الذي أبدته روسيا حيال الأزمة التركية ـ الأمريكية، فبينما كانت تنتظر تركيا، في هذه الأزمة، مؤازرة إقليمية ودولية اقتصادية وسياسية واسعة، صُدمت بمواقف خجولة تخشى من مواجهة الولايات المتحدة على نحوٍ جاد.