كما كان متوقعًا، اعتقلت السلطات المصرية، السفير معصوم مرزوق، بجانب الدكتور رائد سلامة القيادي بحزب الكرامة والدكتور يحي القزاز الأكاديمي المستقل، قبل نحو أسبوع من الموعد الذي حدده مرزوق في مبادرته الأخيرة في 31 من أغسطس، لتفاعل النظام مع ما طرحه من بنود أو التظاهر لإسقاطه في ميدان التحرير، لينضم السياسي الذي رشحته أطياف عدة لتمثيل التيار المدني والمعارضة في انتخابات الرئاسة الماضية، قبل أن تتدخل الخلافات كالعادة وتمنعه من خوض المعركة التي حسمها السيسي في نزال سهل مع موسى مصطفى موسى رئيس حزب العد، إلى قائمة ضحايا المبادرات التي لا تغني ولا تسمن من جوع!

مبادرات التعقيد لا الحل

خاضت جميع وسائل الإعلام المحلية والدولية منذ عصر أمس، في عملية اعتقال مرزوق، سردت كيف حدث ومتى وأين، والاستطراد في نفس خط سير التعامل مع الحدث لن يضيف شيئًا، بيد أن القضية الحقيقة التي يجب أن تناقش هي كيفية تعامل المعارضة مع النظام المصري، والمبادرات التي تطلق دون وعي لأزمة تزداد تعقيدًا يومًا بعد الآخر، فتصبح ضريبة المبادرات فادحة، وفي الغالب تنتهي بصاحبها إما بالسجن أو المطاردة، وإن استطاع الإفلات والهرب، ينضم لمعارضة الخارج، ويكتفي بالمشاركة في التوقيع على بيانات الشجب والإدانة، وربما السب واللعن دون أدنى تأثير يذكر.

جماعة الإخوان ما زالت تسمي ما حدث في 30 من يونيو 2013 انقلابًا عسكريًا دمويًا، دبر للانقضاض على السلطة التي يترأسها رئيس مسلم ملتح لأول مرة في التاريخ، والبعض يبالغ في القول بأن القضية برمتها حرب على الإسلام

وتخصص في إطلاق المبادرات السياسية وخصوصًا في الأشهر الماضية، المدنيون والمستقلون وغيرهم من القوى الاجتماعية الذين ظهروا في الصورة بعدما استنفدت جهود تيارات الإسلام السياسي، وقد يكون من المحبط أو المحزن القول إن جميعها افتقدت الحس السياسي في أدنى مستوياته الذي يجب أن يكون مستندًا إلى قراءة منطقية لواقع يقول دون مواربة إن باب المبادرات للتصالح أغلق تمامًا، بعدما تمحورت أغلبها في دفع النظام للتخلي المجاني الساذج عن السطة، رغم معرفة الجميع أن طرفي الصراع الأصليين، يتمسك كل منهما بموقفه من الآخر، والرغبة في الانتقام تسبق أي حديث عن تسوية، سواء من جماعة الإخوان أم نظام السيسي.

جماعة الإخوان من ناحية، ما زالت تسمي ما حدث في 30 من يونيو 2013 انقلابًا عسكريًا دمويًا، دبر للانقضاض على السلطة التي يترأسها رئيس مسلم ملتح لأول مرة في التاريخ، والبعض يبالغ في القول بأن القضية برمتها حرب على الإسلام، وترفض تحمل مسؤولية الأسباب التي قادت إلى عزل مرسي، في حين ترى السلطة أنها لم تفعل أكثر من الاستجابة الإيجابية لإنقاذ البلاد من شبح حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس وتعيد مصر قرونًا للخلف.

ويمكن القول إنه قبل أعوام من الآن، كان السيسي لا يزال أكثر مرونة في الحديث عن الإخوان، وأحاديثه القديمة كان يلمح فيها برغبة في تبرئة صورته، عبر عرضه روايته على ما كان يدور خلف الكواليس، وما قدُم للإخوان ولن يحصلوا عليه مرة أخرى، بحسب نص أحد خطاباته، في إشارة إلى الدعوات التي ناشدت الإخوان عمل استفتاء شعبي على استكمال مدة حكم الرئيس مرسي، وهي المطالب التي رفضتها الجماعة، ليصبح العرض تنازلاً كاملاً عن السلطة.

كانت تلك المبادرات التي تحدث عنها السيسي، يقودها بجانب الجيش، نفس الوجوه المدنية المطاردة من السلطة حاليًّا، لإجراء انتخابات رئاسية جديدة، وعدم الانحراف بالدولة أكثر إلى مربع صراع سيفوز فيه الأقوى دون شك، ووقتها لن يتحمل الجميع تكاليف ضريبة جر الجيش إلى الحياة السياسية من جديد، وهو ما يحدث الآن.

رغم توقف الحل عند الإخوان منذ سنوات على طريق واحد، وهو الحشد لإطلاق ثورة شعبية تعيد الرئيس مرسي رئيسًا ولو يومًا واحدًا، يقود بنفسه الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة، وهي الإشكالية التي لا تجد من يقف معها حتى الآن حتى من القوى السياسية التي تتوحد مع الإخوان في حتمية إزاحة النظام السياسي الحاليّ

ولم يقف الطوفان عند اقتلاع الإخوان من الحياة العامة والسياسية، بل سيطرت روح الانتقام حتى على الذين ناصروا أحداث 30 من يونيو من الشركاء المدنيين، وأصبحت هناك رغبة متوحشة في الإقصاء، وأغلقت منافذ التجربة الديمقراطية الوليدة، وبات لدى المواطنين أنفسهم حالة من التبلد تجاه الدعوة لأي فعالية سياسية، وربما تكون الردة الشعبية على الساسة بمختلف اتجاهاتهم، السبب الأصلي في فشل جميع المبادرات التي قدمت للنظام، وفيها بنود تشمل تنازله عن السلطة لحل الأزمة، دون أن تكون مستندة إلى ظهير شعبي متنوع المشارب السياسية والقناعات، بما يمنح شرعية مقبولة للمطالب مهما كانت درجة الغلو فيها.

السيسي يتحدث عن فرصة الإخوان الضائعة ونصيحة والدته

ويمكن الإشارة وسط هذه الغيوم، إلى التخوفات التي كان يبديها بعض المستقلين من الأكاديميين والإسلاميين والقوى السياسية التي لا تقف في مربع هذا أو ذاك، الذين شاهدوا الصورة من جوانب أكثر اتساعًا منذ سنوات مضت، وقبل أن تضيق حلقات الدائرة السياسية بهذا الشكل الذي انتهت إليه.

وكان الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية على رأس هؤلاء يحاول فض الاشتباك، ويحذر من نتائج حالة السيولة السياسية التي لن تنبئ بحلول قريبة، قبل أن يواجه اتهامات قاسية، حذر حينها من تلك الهيستيريا التي تصب اللعنات على جميع أصحاب الأصوات العاقلة في البلاد، سواء من أطراف محسوبة على السلطة أم الإخوان والإسلاميين، بما يعني أن أي طريق للحل سيتم نسفه لاحقًا.

الدكتور حسن نافعة وهدف مبادرة الصلح مع جماعة الإخوان المسلمين ومصطفى بكري يرفضها

ورغم توقف الحل عند الإخوان منذ سنوات على طريق واحد وهو الحشد لإطلاق ثورة شعبية تعيد الرئيس مرسي رئيسًا ولو يومًا واحدًا، يقود بنفسه الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة، وهي الإشكالية التي لا تجد من يقف معها حتى الآن حتى من القوى السياسية التي تتوحد مع الإخوان في حتمية إزاحة النظام السياسي الحاليّ، إلا أن العديد من وسائل الإعلام العالمية وعلى رأسها شبكة بلومبيرغ كشفت محاولات سرية ولقاءات تعقد بين النظام وقيادات الإخوان في السجون لإنهاء الأزمة.

بحسب مصادر الوكالة الأمريكية، كان يقف غضب حلفاء السيسي في الخليج، حائلاً ومانعًا ضد إعلان المشاورات في تلك الصفقات قبل أن تنتهي، ولكن ما كان يدمرها وينهي على أي محاولة لإنجازها، التصريحات العدوانية من أقطاب الجماعة في المهجر، التي كانت تزداد تمسكًا بشرعية الرئيس المعزول محمد مرسي وتكتفي بمجرد إبداء عدم الممانعة، مما كانت تسميه دائمًا البحث الجاد مع كل المخلصين عن كل ما ينقذ مصر من عثرتها التي تسبب فيها النظام.

وهي الأنباء التي كان يرد عليها النظام عبر الإعلام المصري، بحرب شعواء تستهدف قطع الطريق كاملًا على أي محاولة للتفاهم مع جماعة لا تترك مجالاً إلا وتشير فيه إلى أنها ستنتقم بعنف عاجلاً أو آجلاً، إذا ما عادت للسلطة بأي شكل، ليخرج السيسي ويعلنها صراحة، رافضًا أي نوع من المواءمات السياسية، وحمّل نظام مبارك ما يراه من توحش للإسلام السياسي بعدما ترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها للجماعة وحلفائها.   

السيسي: مواءمات مبارك مع الإخوان هي سبب الإرهاب

بمرور الوقت، تعقدت الأمور أكثر، بينما تكاثرت المبادرات من جميع الأطراف المعارضة للنظام، ولكن أغلبها لم تكن بنودها تشي بنضج سياسي أو استيفاء الشروط اللازمة لإنجاحها، بل كانت تميل في معظمها للشو، بحسب تعبير القيادي الإخواني قطب العربي الذي كتب مقالاً في موقع عربي 21 بعنوان "مبادرات الشو" بعد طرح معصوم مرزوق لمبادرته في بداية أغسطس الحاليّ، تعبيرًا عن رفضه لها، معتبرًا أنها تكمل سباعية المبادرات التي افتقدت في معظمها عنصر القدرة على التنفيذ لأصحابها الذين لا يعدون كونهم مجرد شخصيات عامة ليست في وضع صناعة القرار.

اعتبر العربي المبادرات "شو إعلامي" غالبية أصحابها حرصوا على أخذ اللقطة عبر وسائل الإعلام، دون أن يسلكوا المسالك السياسية الصحيحة، وهو تفسير منطقي في وقت يستقر فيه النظام السياسي ويقوي من تحالفاته الدولية والإقليمية بشكل غير مسبوق، ويضع الجماعة في أضيق زاوية سياسية يمكن تصورها، ومعها القوى المدنية التي رفضت الالتزام بمنهج النظام، وأصرت على انتهاج طريق بعيد عن مساراته التي يراها حلاً وحيدًا لانتشال مصر من أزماتها الاقتصادية والأمنية، فأدخلها على خريطة الصراع ضده مع الإخوان

بات جميع معارضي السلطة في سلة واحدة، وتوجه اتهامات موحدة سواء لأي محاولة تحشد للعصيان المدني ـ أيا كان الداعي لها ـ أم حتى المنافسة السياسية ولكن من أرضيه تقف فيها الإخوان، بالسعي لقلب نظام الحكم، والانضمام لجماعة إرهابية، لذا وجه لسامي عنان وهشام جنينة وعبد المنعم أبو الفتوح، وأخيرًا معصوم مرزوق، وجميعهم من مشارب سياسية وخلفيات مهنية مختلفة، تهم الانضمام لجماعة محظورة، فكانت النهاية المحتومة.