صورة من مسلسل الأنمي الشهير "سايكو باس"

يعتقد الكثيرون أنّ أفلام ومسلسلات الرسوم المتحرّكة لا تتعدّى بكونها معدّة للأطفال أو لقضاء أوقات خفيفة وممتعة مع الأصدقاء أثناء مشاهدتها، لكنّ العديد من شركات الإنتاج اليابانية، أثبتت كيف يمكن لمسلسلٍ كارتونيّ أو فيلمٍ واحد أنْ يطرح العديد من القضايا والأفكار والأسئلة الفلسفية والأخلاقية العميقة التي قد تعترينا في حياتنا اليومية.

معظم المسلسلات والأفلام التي تندرج تحت هذا التصنيف ترتكز بالعادة على عناصر خارقة للطبيعة وعوالم الخيال العلميّ والمستقبل البعيد سعيًا منها لتناول ومعالجة قضايا الحياة الأخلاقية والفلسفية والوجودية، لا سيّما وأنّ الكثير منها يركّز على قضايا مثل الخير والشرّ والعدالة والقانون والسُلطة والإرادة الحرّة والموت ومغزى الوجود وغيرها الكثير الكثير.

سايكو باس: القانون حين يسيطر على الإنسان والمجتمع

هل تخيّلت يومًا شكل المجتمعات التي ستكون عليه بعد قرنٍ من الزمان في ظلّ هذا التطوّر التكنولوجي والتقنيّ المبهر؟ حسنًا، فمسلسل "سايكو باس" يأخذك بجولةٍ تخيّلية ملأى بالأسئلة الفلسفية والوجودية عن المجتمع والسلطة والقانون والأفراد والإنسانية بكلّ ما فيها في حقبةٍ ما من القرن الثاني والعشرين، حيث تتمكن التكنولوجيا من تحديد الحالة الذهنية للأفراد كما يمكنها  قياس احتمال وقوع الجرائم المرتكبة.

تريلر مسلسل سايكو باس: 2012-2014

تدور أحداث المسلسل في اليابان، حيث ترتكز قصّته الأصلية على نظامٍ تكنولوجيّ مبنيّ على الذكاء الاصطناعي يُدعى "Sibyl" أو "نظام العرافة" والذي تمّ تصميمه وتطويره ليحلّ محلّ النظام السياسيّ أو السلطة، لكنّه -وبشكلٍ مختلفٍ عن أيّ سلطةٍ بشرية- يستطيع تحديد كلّ ما يخصّ الأفراد في ذلك المجتمع، بدءًا من قدراتهم والوظائف التي بإمكانهم شغلها وتأديتها، مرورًا بعلاقاتهم وملابسهم ومأكولاتهم، إلى أنْ يصل الأمر إلى تحديد إمكانية ارتكابهم لجريمةٍ ما.

باختصار، يصنّف "نظام العرافة" الأفراد بناءً على ما يُعرف باسم "معامل التحليل النفسيّ" أو "معامل الجريمة" أو "Psycho Pass". لكنّ الأمر يسير بشكلٍ عكسيّ هنا، إذ يستطيع النظام قراءة المعامل الخاص بك قبل أنْ ترتكب الجريمة، فإذا تجاوز الدرجة أو المعامل المُتعارف بسلامتها، ستتم إدانتك بجريمة أو جرائم لم ترتكبها فعليًا. وبكلماتٍ أخرى، يتنبأ هذا النظام باحتمالية ارتكابك للجرائم مُسبقًا، وعلى هذا بُني المجتمع.

يبحث "سايكو باس" في الفلسفة وعلم النفس والأخلاق طوال حلقاته. فتارةً يناقش أخلاقية النظام والسلطة، أو موقع الإرادة الحرة والتخيير والتسيير للبشر في ظلّه وغيرها من المواضيع

مثله مثل الكثير من أفلام ومسلسلات الأنمي، قد يكون "سايكو باس" بعيدًا عن الواقع بدرجةٍ كبيرة، لكنه بطريقةٍ أو بأخرى، يعرض لنا مستقبلًا يبدو مقبولًا للغاية، لا سيّما وأنه يبحث في الفلسفة وعلم النفس والأخلاق طوال حلقاته. فتارةً يناقش أخلاقية النظام والسلطة، أو موقع الإرادة الحرة والتخيير والتسيير للبشر في ظلّه، ومن الذي يضع القانون، هل هو الإنسان نفسه أم السلطة أم الشرائع الأخلاقية.

والأهمّ من ذلك، فالمسلسل يطرح العديد من الأسئلة والمعضلات التي ظهرت للسطح جنبًا إلى جنب مع كلّ التطوّرات العلمية والتكنولوجية التي وصل وسيصل إليها الإنسان في العصر الحديث.

رحلة كينو: المعضلات الثقافية للمجتمعات حين يكشفها السفر والترحال

ربّما تشبه كينو في رحلتها نزهة أليس في بلاد العجائب إلى حدٍّ ما، لكنه بطرقٍ عديدة استطاع أنْ يكون أكثر تعقيدًا بطرحه للعديد من االمآزق الأخلاقية للمجتمع الإنسانيّ والمعضلات الثقافية المختلفة.

كينو فتاة تجوب أماكن مختلفة برفقة درّاجتها المتحدّثة. أمّا الحبكة الرئيسية التي يقوم عليها المسلسل، فترتكز على أنّ كلَّ بلدٍ تسافر إليه "كينو"، لديه ثقافاتٍ وعاداتٍ خاصة تختلف عن غيره. وبالتالي، تجد "كينو" نفسها وسط مجتمعٍ جديدٍ بأعراف جديدة مختلفة كليًّا عن الذي قبله.

رحلة كينو- من إخراج Ryutaro Nakamura وإنتاج عام 2003

لا تهدف كينو في رحلتها البحث عن الذات واستكشافها. بدلًا من ذلك، فهدفها الأساسيّ هو البقاء في حالة تنقّل وسفر دائمين بحيث لا تبقى في مكانٍ ما لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، خشية ميلها للاستقرار والثبات. الهدف من رحلات كينو بالنهاية هو مواصلة الرحلة بغض النظر عن أسبابها.

المسلسل يطرح أسئلة كثيرة بناءً على كلّ مجتمعٍ تحتكّ فيها كينو: ما الذي نرغب القيام به في حياتنا؟ وكيف يمكن للأفراد تكوين علاقاتٍ ذات مغزى؟ وما الذي يدفعنا للحياة ويجعلها تستحقّ العيش؟

وبالتالي، نجدُ أنّ كلّ بلدٍ يقدّم جانبًا مختلفًا من حالة الإنسان أو السلوك الاجتماعيّ، سلبًا كان ذلك أم إيجابًا. ولهذا ترى المسلسل يطرح أسئلة كثيرة بناءً على كلّ مجتمعٍ تحتكّ فيها كينو: ما الذي نرغب القيام به في حياتنا؟ وكيف يمكن للأفراد تكوين علاقاتٍ ذات مغزى؟ وما الذي يدفعنا للحياة ويجعلها تستحقّ العيش؟ وهل يمكن للموت أنْ يكون حلًّا؟ ما الحقيقيّ وما الوهم؟ وما الذي يُعطي أعمالنا وأفعالنا قيمةً؟

وعلى الرغم من أنّه طرح كلّ هذه الأسئلة وأكثر منها، إلا أنّ المسلسل بدا متردّدًا في تقديم إجاباتٍ محدّدة. فبالنهاية، يكون السؤال أكثر أهمية من الإجابة في كثيرٍ من الأحيان.

مذكرة الموت: ماذا لو تحكّم البشر بمصائرنا؟

على غرابة قصة المسلسل، التي تفترض جدلًا أنّ "إله الموت" قد أصابه الضجر في لحظةٍ ما، فقرّر أنْ يرميَ "مذكرة الموت" إلى عالم البشر، سعيًا لإحداث نوعٍ من التغيير، ليلتقطها طالبٌ بالثانوية يُدعى "لايت ياغامي" وتحدث المغامرة، إلّا أنه يطرح بقوّة العديد من الأسئلة الفلسفية والوجودية التي تستند على سؤال "ماذا لو".

فياغامي بالنهاية لا يُمكن وصفه سوى بالطالب المثاليّ، لكنه وتحت وطأة ذلك الاختبار الذي أتى إليه من حيث لا يعلم، يبدأ فعليًا بتجربة المذكّرة واضعًا أسماء المجرمين فيها، الذين سرعان ما يتحوّلون إلى جثث هامدة باغتها الموت جرّاء أزمةٍ قلبية. وشيئًا فشيئًا، تتسع رؤيته وأمله في خلق عالمٍ خالٍ من الجريمة، تسوده العدالة ويصبح هو إلهً له.

تريلر مسلسل "مذكّرة الموت": 2006-2007

ومن تلك النقطة، تنطلق حبكة المسلسل بأسئلتها العميقة حيال العديد من الثنائيات المتناقضة مثل الخير والشر والصواب والخطأ من جهة، وحيال العلاقة المعقّدة ما بين العدالة والقانون ودور الأفراد في ذلك. كما يناقش فكرة الفيلسوف الإنجليزي "جيرمي بنثام" التي تعتقد أنّ الخير يكون خيرًا حين يأتي بأكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الناس. فياغامي بالنهاية ينهج ذات النهج حين نصّب نفسه كإله يرى من واجبه قتل المجرمين سعيًا لتنظيف المجتمع وتطهيره، دون أنْ يسائل فيما كان فعله هذا جريمةً أخرى أم لا.

يسلّط المسلسل الضوء على العديد من الأفكار الفلسفية والوجودية العميقة، ويطرح العديد من أسئلة "ماذا لو" مثل: ماذا لو كان العالم الذي نعيش فيه خالٍ من الشر؟ وماذا لو كانت قرارات الموت بيدِ أحد البشر؟

تحتدّ الحبكة مع بدء الصراع بين ياغامي من جهة، و"إل" أشهر محقّقي المدينة من جهةٍ أخرى. فإل يرى أنّ محاربة الشر أو الجريمة بهذه الطريقة هي وجهٌ آخر لهما. كما يؤمن إل بأنّ محاولات ياغامي في خلق عالمٍ مثاليّ يخلو من الشر والجريمة بهذه الطريقة، هي محاولاتٌ غير ذات قيمة، فبالنهاية سينتج لدينا عالمٌ من المنافقين والخائفين الذين يتجنّبون الشر والجريمة خوفًا من الموت لا لدافعٍ أخلاقيّ أو إنسانيّ.

باختصار، يسلّط المسلسل الضوء على العديد من الأفكار الفلسفية والوجودية العميقة، ويطرح العديد من أسئلة "ماذا لو" مثل: ماذا لو كان العالم الذي نعيش فيه خالٍ من الشر؟ وماذا لو كانت قرارات الموت بيدِ أحد البشر؟ وماذا لو كُبحت الجريمة فقط من خلال إخافة المجرمين من الموت؟ وماذا لو امتلك أحد البشر قوةً إلهية تجعله قادرًا على التحكّم بمصائر البشر؟ وماذا لو خلق البشر عالمًا فاضلًا وفقًا لتصوّراتهم ورؤاهم؟ وغيرها الكثير من الأسئلة شديدة العمق التي تستطيع استشفافها من متابعتك لحلقات المسلسل.