خطط مستقبلية كبيرة تجمع بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس أوزبكستان، شوكت ميرضيايف.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تزامنت التصريحات المُعلنة عن الصداقة الأبدية بين أردوغان وقادة أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان، مع العديد من الاجتماعات التي عُقدت بينهم خلال الصيف المنقضي، وهو ما يؤكد صحة الشكوك حول النوايا التي تحملها أنقرة تجاه دول آسيا الوُسطى. وعموما، يبدو أن تركيا تطمح للاستفادة من تجربة تسعينيات القرن الماضي، وبالتالي، تعتزم تحقيق النجاح في هذه المحاولة الثانية لتوسيع نفوذها في المنطقة. 

في الواقع، شهدت المعالم الجيوسياسية على المستوى الدولي والإقليمي تغييرات كبيرة، إذ أصبحت البلدان التي لم تكن مثيرة لاهتمام أي طرف في السابق، محور اهتمام ملحوظ الآن. وعلى هذا الأساس، يبدو أن مصالح بعض الدول تطورت وتغيرت بشكل كبير بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل ربع قرن. وبالمقارنة مع السنوات العشر الماضية، بدأت سياسة أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان تشهد تغيرا على مستوى السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات لا تعتبر ملحوظة بشكل كبير إلا أنها قائمة بالفعل.

يشهد تاريخ تأسيس "المجلس التركي"، الذي يُعرف أيضا بمنظمة الدول الناطقة بالتركية أو "مجلس التعاون بين الدول الناطقة بالتركية"، على أن كل التحولات والتطورات الجارية في منطقة آسيا الوسطى لا يمكن أن تحصل دون شراكة أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان مع تركيا. كما تبدي تركمانستان بدورها استعدادها لمزيد توطيد علاقات الشراكة مع تركيا.

اعتبرت أنقرة نفسها بمثابة "الشقيق الأكبر" الجديد لجمهوريات آسيا الوسطى، بعد أن كانت هذه الدول خاضعة لسيطرة موسكو، علما وأن روسيا لم تقبل بالخطوات التي تتخذها تركيا تجاه دول آسيا الوسطى، التي كانت تحت سيطرتها قبل سقوط الاتحاد السوفيتي

عند هذه المرحلة، يظل السؤال المطروح هو: هل سيؤدي التعاون بين دول آسيا الوسطى وتركيا إلى إقامة منظمة حقيقية، أم أن كل شيء سيُنظّم وفقا للنسخة الصينية أي "منظمة شنغهاي للتعاون"؟ تجدر الإشارة إلى أن هذه المنظمة الأوراسية تبدو كمنظمة للتعاون المشترك، إلا أن القضايا الأساسية تتم مناقشتها بين أعضائها في إطار مفاوضات ثنائية، دون التطرق لها في اجتماعات المنظمة.

أخطاء الأمس، مشاكل اليوم

تعتبر الأسباب التي منعت إقامة الشراكة بين دول آسيا الوسطى وتركيا في التسعينيات، واضحة إلى حد ما. ففي تلك الفترة التي تلت استقلال هذه الدول عن الاتحاد السوفيتي، فاقت الأحلام الواقع. ومن ناحيتها، اعتبرت أنقرة نفسها بمثابة "الشقيق الأكبر" الجديد لجمهوريات آسيا الوسطى، بعد أن كانت هذه الدول خاضعة لسيطرة موسكو، علما وأن روسيا لم تقبل بالخطوات التي تتخذها تركيا تجاه دول آسيا الوسطى، التي كانت تحت سيطرتها قبل سقوط الاتحاد السوفيتي.

لكن الأهم من ذلك يتجسد في عجز تركيا في تلك الفترة عن دعم دول آسيا الوسطى إقتصاديا. ولذلك، لم يكن حجم الاستثمارات التركية ولا المساعدات التي قدمتها أنقرة لدول آسيا الوسطى كافييْن لإعادة بناء اقتصاد هذه الدول المستقلة حديثا عن الاتحاد السوفيتي. وبالتأكيد، لم ترتقي هذه المساعدات التركية إلى توقعات جمهوريات آسيا الوسطى.

في حقيقة الأمر، تعتبر إقامة "عالم تركي" تجمعه لغة مشتركة وتاريخ مشترك، فكرة مثيرة للاهتمام، لكنها تظل رهينة حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الملّحة لهذه الدول. ونتيجة الفجوة الكبيرة بين حجم التوقعات وما تم إنجازه على أرض الواقع، شهدت العلاقات بين تركيا ودول آسيا الوسطى في فترة ما فتورا نسبيا. وعلاوة على هذه الأسباب التي تُعتبر أكثر من كافية للتأثير على العلاقات بين تركيا ودول آسيا الوسطى، مثّل المعارض الأوزبكي، محمد صالح، حجر عثرة في طريق العلاقات بين أنقرة وطشقند.

لعبت شبكة المؤسسات التعليمية التركية،دورا بارزا في التأثير على دول آسيا الوسطى، خاصة وأنها فتحت أبوابها أمام شباب هذه الدول ومنحتهم فرصا حقيقية لصعود السلم الاجتماعي من خلال الانخراط في النخب السياسية والتجارية

خلال الفترة الممتدة بين تسعينيات القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من أن تركيا لم تتمكن من توفير أي فرص لا على الصعيد الاقتصادي ولا السياسي ولا العسكري، إلا أن "زعيم العالم التركي" أو "الشقيق الأكبر" لم يستسلم وواصل بذل الجهود لفرض نفوذه على جمهوريات آسيا الوسطى. وعملا على تحقيق مساعيها، ركّزت أنقرة على تعزيز رؤيتها المستقبلية باستخدام "القوة الناعمة"، معتمدة في ذلك على سلك التعليم.

في هذا الصدد، لعبت شبكة المؤسسات التعليمية التركية، ذات الجودة العالية على مستوى التدريس والفرص الوظيفية للخريجين لاحقا، دورا بارزا في التأثير على دول آسيا الوسطى، خاصة وأنها فتحت أبوابها أمام شباب هذه الدول ومنحتهم فرصا حقيقية لصعود السلم الاجتماعي من خلال الانخراط في النخب السياسية والتجارية. لكن في سنة 2000، حظرت طشقند أنشطة المدارس التركية على أراضيها، وكان ذلك ردا من السلطات الأوزبكية على منح أنقرة اللجوء لزعيم المعارضة، محمد صالح. مع ذلك، لا تُعتبر مسألة لجوء المعارض الأوزبكي في تركيا السبب الرئيسي للخلاف، حيث اعتمد قرار إسلام كريموف، رئيس أوزبكستان آنذاك، على أسباب أعمق بكثير وترتبط أساسا بتقرير قُدّم له من قبل رئيس جهاز الأمني القومي في أوزباكستان، رستم إينوياتوف.

بعد فترة وجيزة من اندلاع الخلاف بين أردوغان وفتح الله غولن، الذي شارك فعليا في تنفيذ مشروع تطوير شبكة المؤسسات التعليمية التركية في دول آسيا الوسطى، اتضح أن جماعة غولن أسست هذه الشبكة لمصلحتها الخاصة، مما يعني أنها لا تهدف لتحقيق مساعي أنقرة بالأساس. وفي الواقع، كان أردوغان وغولن قد اتفقا حول مسألة السيطرة على المنطقة بهذه الطريقة، لكن الأمور اتخذت منحى آخر. نتيجة لذلك، بات الهدف الرئيسي لتركيا لتحقيق مساعيها، قائما على أُسسيْن إثنيْن، أولهما تطهير المجال السياسي في المنطقة من هياكل غولن، وثانيهما، وهو الأهم، فتح سوق جديدة للسلع والخدمات التركية، بما في ذلك إنشاء مشاريع مشتركة مع دول آسيا الوسطى.

القومية التركية وفوائد الجغرافيا السياسية

تبدي كل من أستانة وطشقند وبيشكيك انفتاحها أمام المقترحات والمشاريع القادمة من الجانب التركي. ولا تعتمد في ذلك على الجذور التاريخية المشتركة واللغة وغيرها من المقومات الثقافية الأخرى فحسب، التي وإن كانت مهمة فلا تعتبر الأهم. في المقابل، تسعى جمهوريات آسيا الوسطى للاستفادة من الشراكة التركية، كما أن رؤساء هذه الدول لا يبحثون عن القومية التركية بقدر ما يحاولون استغلال الجغرافيا السياسية لصالحهم.

لأسباب متعددة، تتسم علاقة أنقرة بكل من أستانة وبيشكيك بالتعقيد إلى حد ما

عموما، تدرك كل من أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان، أنه كلما زاد عدد الأطراف الفاعلة في المنطقة كان من السهل عليهم الحصول على أفضل الشروط للتعاون. تجدر الإشارة إلى أن تركيا اليوم، وتحت قيادة رجب طيب أردوغان، أصبحت قادرة ليس على التنافس مع هذه الأطراف على مستوى إقليمي فقط، بل ولتقديم مشاريع مغرية للغاية لشركائها. وبناء على ذلك، أصبحت أنقرة القوة الثالثة في المنطقة، بعد بكين وموسكو، بفضل تأثيرها على دول آسيا الوسطى.

تكمن المشكلة الرئيسية في أن سقف توقعات دول آسيا الوسطى فيما يتعلق بالتعاون مع تركيا، عال جدا، إذ تقدم تركيا نموذجا للتعاون قائم على البراغماتية والمساواة والمنفعة المتبادلة على أسس اقتصادية قوية. لكن في الوقت الراهن، تعتبر أوزبكستان الدولة الوحيدة بين دول آسيا الوسطى المستعدة للتعاون بشكل واسع مع تركيا. وعلى سبيل المثال، يمتلك الرئيس الأوزبكي، شوكت ميرضيايف، برامج واسعة النطاق للتعاون، على غرار تلك المتعلقة بمجمع الصناعات الدفاعية في البلاد، وهو ما قد يمثل فرصا اقتصادية ممتازة للجانب التركي.

على صعيد آخر، ولأسباب متعددة، تتسم علاقة أنقرة بكل من أستانة وبيشكيك بالتعقيد إلى حد ما. وفي هذا الصدد، تصل قيمة حجم التبادل التجاري بين كازاخستان وتركيا إلى ملياريْ دولار. وعلى الرغم من التصريحات والإعلانات عن علاقات الصداقة الوثيقة بين البلدين، إلا أن الأعمال المشتركة بينهما على أرض الواقع، تعتبر أكثر تواضعا بكثير مقارنة بالتوقعات.

لا تقتصر الصعوبات التي تعترض المشروع التركي لبسط نفوذه في المنطقة، على ما ذُكر آنفا فقط، حيث تثير هذه المسألة قلق بكين، وهو ما قد يمثل عقبة أمام مساعي أنقرة. وعلى الرغم من تجنب بكين الإدلاء بأي تصريحات رسمية حول المشاريع المشتركة بين تركيا ودول آسيا الوسطى، إلا أنه من الواضح أن المساعي التركية لا تخدم المصالح الصينية. وبالاستناد إلى هذه المعطيات، قد تمنع بكين فرص نجاح المشروع التركي في المنطقة. في المقابل، قد يكون نجاحه بداية جديدة لتوازن القوى فيها.

المصدر: نيزافيسيمايا غازيتا