أشهر قليلة على بدء موجة التغييرات العديدة التي شهدتها قيادة الجيش الجزائري ووزارة الدفاع، حتى بدأت تصاريح الإيداع بالسجن المؤقت تصل بعض الذين شملتهم هذه التغيرات، في خطوة سابقة في تاريخ الجيش الجزائري الذي يُحكم قبضته على مفاصل الدولة منذ استقلال البلاد.

5 جنرالات نحو السجن المؤقت

الخطوة الأخيرة، شملت خمسة جنرالات وعقيد تمّت إقالتهم قبل أسابيع، حيث أمر القضاء العسكري بمحكمة البليدة، 60 كيلومترًا جنوب العاصمة الجزائرية بإيداعهم في الحبس المؤقت حتى إحالتهم إلى المحاكمة في التهم المنسوبة إليهم، بعد مثولهم أمس الأحد أمام قاضي التحقيق العسكري، للتحري في تهم وجهت إليهم تخص الثراء غير المشروع والفساد المالي والعقاري واستغلال النفوذ  

والجنرالات الخمس هم: قائد المنطقة العسكرية الأولى حبيب شنتوف، والقائد السابق للمنطقة العسكرية الثانية اللواء سعيد باي، والقائد السابق للمنطقة العسكرية الرابعة اللواء عبد الرزاق الشريف، وقائد قسم المصالح المالية لوزارة الدفاع اللواء بوجمعة بودواور، وكذلك القائد السابق لجهاز الدرك الوطني (يتبع لوزارة الدفاع) مناد نوبة.

سبق أن صنفت منظمة الشفافية الدولية الجيش الجزائري ضمن أكثر جيوش شمال إفريقيا والشرق الأوسط فسادًا

في الـ9 من سبتمبر/أيلول الماضي، أبلغ القضاء العسكري الضباط الخمس أنهم محل شبهات بالثراء غير المشروع وارتكاب تجاوزات باستغلال الوظيفة السامية، وفي الـ16 من نفس الشهر، قرر القاضي العسكري منع سفرهم وسحب جوازات سفرهم إلى حين إنهاء التحقيقات.

يذكر أن العسكريين الخمس أقيلوا من مناصبهم قبل أشهر قليلة، ففي 29 من يونيو/حزيران الماضي، أقال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قائد جهاز الدرك مناد نوبة، وفي الـ17 من أغسطس/آب الماضي أقال القيادات العسكرية الأربعة المعنية بتحقيقات القضاء العسكري من مناصبهم.

تهم بالفساد واستغلال السلطة

إيداع هؤلاء الجنرالات السجن المؤقت، تمّ بناء على اتهامهم بتهم تتعلق بقضايا فساد وقضايا أخرى متعددة ترتبط باستغلال النفوذ للحصول على امتيازات، والحبس المؤقت يلجأ إليه القضاء العسكري بالجزائر في حال عدم انتهاء التحقيقات مع المتهمين وقد تصل مدته 4 أشهر قابلة للتجديد.

وفي وقت سابق، طلب القضاء العسكري من مديريات الأملاك العقارية جردًا بكل الأملاك المسجلة بأسماء القياديين الخمس وأبنائهم، من أجل التأكد من مصدرها، ويشتبه في حصولهم على مزايا وعقارات وأراضٍ بطريقة غير قانونية، وفق تقارير إعلامية محلية.

ويؤكّد تتبع عناصر في الجيش بمثل هذه الرتب العسكرية في قضايا فساد، ما سبق أن ذهب إليه عديد من الجزائريين من أنّ سبب انتشار الفساد في بلادهم راجع في نسبة كبيرة منه إلى عناصر في القيادة العسكرية الذين يتحكمون في كامل مفاصل الدولة.

ورغم الغموض الكبير الدائر حول الجزائر، فيعرف عنها أن قيادات الجيش بقيت منذ الاستقلال خارج مجال الرقابة المالية، نتيجة هيمنة المؤسسة العسكرية على مجمل مفاصل الحياة والإدارات والقضاء عبر أجهزتها المختلفة خاصة جهاز الاستخبارات.

يُتهم الجيش الجزائري بالفساد

دائمًا ما تتصدر موازنة وزارة الدفاع الجزائرية موازنات القطاعات الحكومية، على الرغم من الخسائر التي تكبّدتها البلاد بسبب تراجع أسعار النفط عالميًا، ولا تخضع موازنة الوزارة لأي نقاش في البرلمان، على عكس باقي موازنات الوزارات الأخرى التي تجرى مناقشتها عند مناقشة قانون الموازنة.

وسبق أن صنفت منظمة الشفافية الدولية الجيش الجزائري ضمن أكثر جيوش شمال إفريقيا والشرق الأوسط فسادًا، معتبرة أن الفساد والجريمة المنظمة اخترقت الجيش وأجهزة الأمن، ودفع الرشى متفش وشراء المعدات العسكرية أمر محاط بالسرية.

وتفيد تقارير إعلامية محلية وأخرى دولية، أن عديد من القيادات داخل الجيش الجزائري تحالفت مع اللوبي المالي في البلاد، وشكلوا مع بعض جماعات مصالح في البلاد، للسيطرة على القطاع الاقتصادي في الجزائر التي تعتبر من أغنى دول المنطقة.

 حرب نفوذ داخل هرم السلطة

لئن ربطت السلطات الجزائرية، هذه التطورات الأخيرة بمكافحة الفساد وضرورة التداول السلمي على مصادر القرار، فقد ذهب عديد من المحللين إلى أبعد من ذلك وربط ما يحصل داخل الجيش الجزائري بحرب نفوذ حاصلة داخل هرم السلطة.

ومنذ يونيو/حزيران الماضي، أجرى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، تغييرات غير مسبوقة في قيادة الجيش، شملت قادة نواحي، وقائدي الشرطة والدرك الوطني، ومدير أمن الجيش (أقوى جهاز مخابرات في البلاد) بناء على اقتراحات من الفريق أحمد قايد صالح، نائب رئيس أركان الجيش، ونائب وزير الدفاع الوطني.

وفسّرت وزارة الدفاع تلك التغييرات على أنها تكريس لمبدأ التداول على الوظائف والمناصب وفق معايير الجدارة والاستحقاق، وفقًا لما جاء في افتتاحية مجلة الجيش (لسان حال الجيش الجزائري) في عددها لشهر سبتمبر، فيما أثارت وسائل إعلام محلية تساؤلات عن سبب تزامنها مع بداية العد التنازلي لانتخابات الرئاسة المقررة ربيع 2019.

يُتهم الجيش أيضًا بالتدخل بطريقة مباشرة وغير مباشرة ودعم مرشحي النظام في الانتخابات

تندرج هذه الحركات المتتالية في صفوف قيادات الجيش، وفقًا لعدد من المحللين، ضمن مساعي تمهيد الطريق أمام الرئيس بوتفليقة لخلافة نفسه على رأس عهدة رئاسية خامسة، أو أحد التابعين له في حال تعثّر عليه الترشح، حيث يسعى بوتفليقة والدائرون به إلى بعث رسائل لجهات عدّة من بينها القيادات العسكرية نفسها لصد أي محاولات للخروج عن الصف.

ويحاول النظام الجزائري، تبييض وجهه وتنظيف الواجهة الملوثة بفساد سياسي واقتصادي، تحضيرًا للانتخابات الرئاسية 2019، خاصة أنه شهد رجات كبرى ساهمت في تدني شعبيته لدى مختلف الفئات الشعبية الجزائرية.

ويعتبر الجيش الوطني الشعبي الجزائري وريث جيش التحرير الوطني، الجناح العسكري لجبهة التحرير الوطني، ذلك التنظيم الذي قاد حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وأجبر حكومة فرنسا على التفاوض من أجل تقرير مصير الجزائر.

ورغم إنكاره المتكرر التدخل في الحياة السياسية للبلاد وتقيده بالدستور، يُتهم الجيش الجزائري بقيادة المشهد السياسي في الجزائر والتحكم فيه، والسيطرة على الحياة العامة في البلاد والتغلغل داخل مؤسسات الدولة وسحق إرادة الشعب، نظرًا لعمله خارج حدود وظيفته ووجوده كعامل رئيسي ومرجح في أي انتخابات بالبلاد.

يسعى رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح إلى خلافة بوتفليقة

يُتهم الجيش أيضًا بالتدخل بطريقة مباشرة وغير مباشرة ودعم مرشحي النظام في الانتخابات، باعتباره صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الجزائر، فحيث يميل الجيش تميل كفته وترجح وتتحقق إرادته، وكان الجيش قد أوقف مسار الانتخابات التشريعية سنة 1991، تلك الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد مطلع 1992، الذي كان عاقد العزم على التعايش مع الإسلاميين ولو شكلوا الأغلبية البرلمانية، وانقلب على نتائجها.

ويؤكد هذا الصراع الحاصل بين أجهزة السلطة، أن هذه الأجهزة لم تتفق بعد على مرشح بعينه لرئاسة البلاد في الفترة القادمة، فالمنظومة العسكرية والأمنية، تعتبر صاحبة القرار الحقيقي في المحطات الكبرى، بمعنى أن أي خليفة لبوتفليقة في العام 2019، سيكون أحد التابعين لها إن لم يرشح بوتفليقة نفسه من جديد!

ماذا عن قايد صالح؟

يبدو للوهلة الأولى، أن القرارات الأخيرة صادرة عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، غير أن البعض يقول إنه لا دخل لبوتفليقة فيها، وأن مصدرها نائب وزير الدفاع، ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي توحي تحركاته اليومية وخطبه المستمرة بين الجنود بأنه يبحث عن دور سياسي في القريب العاجل.

وتقول مصادر جزائرية، إن حملة التطهير التي عرفها الجيش، قادها قايد صالح، حيث أضحى هذا الرجل بمثابة مركز ثقل السياسة الجزائرية، وقد استعان قايد صالح في ذلك برجال من جهاز المخابرات العسكرية الذين يتمتعون بنفوذ مهم مع توليهم النظر في الملفات القضائية الخطيرة.

ويشهد هرم السلطة الجزائري، وفقًا لعدد من المتابعين للشأن العام هناك، حربًا دائرة خلف الكواليس بين جهاز المخابرات المعروف باسم دائرة الاستعلام والأمن بقيادة الجنرال عثمان طرطاق، وجهاز المخابرات العسكرية الذي يشرف عليه رئيس أركان الجيش الشعبي الوطني أحمد قايد صالح.

جرت العادة في الجزائر أن يتم انتخاب الرئيس بطريقة مختلفة عن المعهود

وصل بوتفليقة، وهو في نفس الوقت، رئيس الحزب الحاكم، إلى سدة الحكم في أبريل سنة 1999، ثم أعيد انتخابه سنة 2004 و2009، وفي رئاسيات 2014، وتعد الانتخابات الرئاسية القادمة المبرمجة في ربيع 2019، أبرز حدث يستأثر باهتمام ونقاشات الجزائريين ووسائل الإعلام المحلية هذه الفترة، حيث يحيط الغموض بهوية المرشحين الذين سيتنافسون على الرئاسة والاسم الذي سيقود الجزائر خلال الخمس سنوات القادمة.

ويعمل قايد صالح، على إقصاء المناوئين له استعدادًا للترشح لمنصب رئيس الدولة، وفقًا لما تشير إليه مؤشرات عديدة، ويعمد صالح إلى دعم المقربين من بوتفليقة له وكذلك قبيلته، فمنذ أن تم تعيينه رئيسًا لقيادة أركان الجيش الجزائري تمت ترقية وجوه كثيرة وجميعهم من الغرب من تلمسان، فيما تم استبعاد البعض وإجبار البعض الآخر على المعاش المبكر.

وسبق أن أطاح قايد صالح بأقوى رجل في البلاد سنة 2015، وهو الجنرال توفيق "محمد مدين" من قيادة المخابرات، بعد أكثر من ربع قرن في هذا المنصب، وكان الطرفان من ألد الأعداء منذ العام 2004، بعدما تم إبعاد سلفه محمد العماري من قيادة الجيش، إثر اتِّفاق بين مدين والرئيس بوتفليقة.

أزمة البرلمان انعكاسًا لهذا الصراع

تعتبر أزمة البرلمان، انعكاسًا لهذا الصراع الحاصل بين أجهزة الحكم في الجزائر، فالمعادون لقايد صالح يسعون للإطاحة برئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري السعيد بوحجة، وطرده من حزب جبهة التحرير الوطني، رغم أنه يحظى بالاحترام نظرًا لانتمائه للمجاهدين القدامى.

رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري السعيد بوحجة

ينتمي بوحجة منذ القدم إلى جبهة التحرير الوطني، وهو من مواليد ولاية سكيكدة التي تقع في أقصى شرق البلاد على غرار أحمد قايد صالح، ويخشى المناوئون لصالح أن يمسك بوحجة بمقاليد السلطة ذلك أن الدستور الجزائري ينص على أن رئيس مجلس الأمة يعوض رئيس الجمهورية مؤقتًا، في حال تعذّر على الرئيس مواصلة الحكم إلى حين الاستعداد للانتخابات الرئاسية.

جرت العادة في الجزائر أن يتم انتخاب الرئيس بطريقة مختلفة عن المعهود، حيث يتم اختيار الرئيس الجديد من طرف المنظومة العسكرية والأمنية، قبل أن تزكيه الأحزاب الكبرى والجمعيات الموالية للسلطة، وتشرف على تنظيم حملته الانتخابية شكليًّا، ومثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وسنوات 1999 و2004 و2009، و2014 مع عبد العزيز بوتفليقة.