غالبًا ما تكون الأفلام التاريخية مزيجًا من الأحداث الحقيقية التي حصلت بالفعل، وبين التفاصيل المصنوعة لأغراض فنّية وسينمائية. وما بين هذا وذاك، ثمّة الكثير من الأهداف المختلفة التي تسعى إليها تلك الأفلام والتي غالبًا ما تكون مصنوعةً بقوالب سياسية تخدم جهاتٍ معيّنة على حساب جهاتٍ أخرى.

ولا نبالغ إنْ قلنا فعليًّا أنّ صانعي الأفلام أضحوا في يومنا هذا من أقوى المؤرّخين وأكثرهم تأثيرًا. إذ أصبح الكثير منّا يفضّل الحصول على التاريخ، أو ما نعتقد أنّه تاريخ، من الأفلام التي نشاهدها، عوضًا عن اللجوء إلى الكتب والروايات المكتوبة كما اعتادت الأجيال التي سبقتنا أنْ تفعل.

هنا، يُصبح سؤالنا عن دور الأفلام في رواية التاريخ واعتمادنا عليها كمصدرٍ له ضروريًا وملحًّا. خاصّة وأنّها تشكّل اليوم مرجعًا أساسيًا للكثير من الأفراد، لا سيّما الأجيال الصغيرة، يتفوّق على المراجع المكتوبة والمقروءة أو حتى المسموعة. فالصور المرئية والمتحرّكة تعمل عملًا حيويًّا من خلال إعادة إحياء الحدَث على الشاشة أمام المشاهِد الذي يشعر وكأنه جزءٌ منه، بدلًا  من تخيّله في حال قرأه أو سمعه من أحدهم.

تعمل الأفلام بشكلٍ مضمر على خلق ذاكرة جَمعية تُرسم في عقول الجماعات والأفراد الذين يستسلمون لها مع الأيام ويجعلونها بشكلٍ لا واعٍ جزءًا من تاريخهم الفعليّ

فمن خلال إضافة البُعد الإنساني للقصة أو الحدث، والذي يتمّ من خلال بناء السيناريو والحبكة والقدرة التمثيلية العالية للمثّلين بما فيها لغة الجسد والحوارات وردود الأفعال والموسيقى التصويرية، يجد المشاهِد نفسه مشتركًا بالحدث من خلال بنائه لبعض العواطف والمشاعر التي يكوّنها تجاه ما يشاهده، حتى في حال كان على علمٍ مسبق بتفاصيل الفيلم الحقيقية.

هل القصّة أهمّ من الحقائق؟

يطرح مقال نُشر في موقع "ذو كونفرسايشن" سؤالًا أساسيًّا يتعلّق بالأفلام التاريخية: هل يجب على صانعي الأفلام أن يُثقفوا جمهورهم، أو أن يُسلّوه؟، ساردًا العديد من الأمثلة لأفلامٍ أساءت استخدام التاريخ وحرّفت من مجرياته لكنّها مع ذلك حصدت العديد من الجوائز العالمية وحقّقت إيراداتٍ وأرباحًا هائلة للغاية، مثل أفلام "مملكة السماء" و"القلب الشجاع" و"هنري الخامس" وغيرها الكثير.

يرى كاتب المقال، وهو محاضِر في الدراسات السينمائية في جامعة بورتسموث، أنّ الأفلام التاريخية لا يمكنها أبدًا تقديم الماضي بدقّة مطلقة نظرًا لطبيعة حقائق الإنتاج السينمائي، مثل استخدام الممثلين والأزياء والمجموعات لإعادة إحياء السرد التاريخي، التي تعمل بشكلٍ متكاثف لخلق لتخلق صورةً وهمية عن الماضي من أجل جعل الفيلم قابلًا للتسويق يجذب الجمهور ويحقّق عائداتٍ مادّية جيّدة.

حقّق فيلم "القلب الشجاع" إيرادات تزيد على 210 ملايين دولار في شباك التذاكر على الرغم من افتقاره للدقة التاريخية

لكنّه يستطرد معقّبًا، وباعتماده على بعض الدراسات، أنّ الجمهور لا يتوقّع من صانعي الأفلام تثقيفهم وتزويدهم بالمعلومات التاريخية المفيدة، إذ يرى أنّ "الناس يميلون إلى الثقة في الكتب وأعمال المؤرخين والمتاحف الأكاديمية، أكثر من الأفلام أو البرامج التلفزيونية". وبالتالي، يرى الكاتب أنّ نجاح الأفلام التاريخية مستمدٌّ من تحوّلها لتجربةٍ سينمائية ممتعة لا بوصفها سردًا للتاريخ والماضي. وهو بذلك يدعو إلى الكفّ والتوقّف عن مقارنة الأفلام التاريخية بأعمال علماء التاريخ وكتاباتهم وإنتاجاتهم. فالأفلام الجيّدة من وجهة نظره هي تلك التي تدفع مشاهِديها إلى معرفة المزيد عن الفترة أو الحدث التي يتمّ تصويره، بغضّ النظر عن مدى دقّته المتناولة في الفيلم. 

الأفلام وسيلةً للتأريخ.. ما المشكلة؟

من وجهة نظره، رأى فرانسيس بيكون أنّ التاريخ المفيد هو ذلك الذي يمكن أن يثمر أعماًلا ويؤدّي إلى تغيير حقيقي في حياة الناس. والتاريخ أيضًا، وفقًا له، هو الذي يجعل الأفراد أكثر حكمة. وبالتالي، فالتاريخ المشوّه والمحرّف والمتغيّر يمكن أنْ يجعلهم أكثر حماقةً أو أقلّ كياسةً.

حتى وإن كان المشاهِد يعرف أنّ الحدث لم يحدث بالطريقة التي يرويها الفيلم، فإنّ التصوير السينمائي يعطيه الوهم بأنه حدث بتلك الطريقة بالفعل 

من هذه النقطة تحديدًا، وعى أصحاب القوى والسياسة لأهمية التاريخ المزيّف، أو التاريخ المتحكَّم بروايته وفقًا لسياساتهم، في التحكّم بالأفراد وتحقيق الأجندات والأهداف السياسية. وبكلماتٍ أخرى، تعمل الأفلام بنقلها للتاريخ المشوّه عمل البروباغندا التي تسعى إلى خلق أحداث أو إعادة تشكيلها للتأثير في العلاقة بين الجماهير ومؤسسة أو فكرة أو جماعة ما، وذلك بحسب تعريف "إدوارد بيرنيز" لمصطلح البروباغندا.

وفي حين أنّ الكثيرين يعتقدون أنّ تزوير الحقائق في الأفلام بهدف خلق منتجٍ دراميّ جيد أمرٌ لا بأس به نظرًا لأنّ الحقائق تبدو مملّة في كثيرٍ من الأحيان، يعتقد ريتشارد سلوتكن، أستاذ التاريخ والدراسات الثقافية في جامعة ويسليان، أنّ المشاهِد حتى وإن كان يعرف أنّ الحدث لم يحدث بالطريقة التي يرويها الفيلم، فإنّ التصوير السينمائي يعطيه الوهم بأنه حدث بتلك الطريقة بالفعل.

أمّا الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني فيلهلم دلتاي فقد اعتقد بأنّ الفرد لا يستطيع أنْ يعرفَ نفسه إلا من خلال تاريخه. ما يعني أنّ أيّ تشويهٍ للتاريخ، سواء بدافع الربح أو السياسة، يصبح مسألةً جادّة تتعدّى موضوع التسلية ومحاولة خلق أحداث ممتعة بعيدة عن الملل، لا سيّما وأنّ تلك الأفلام تعمل على مستوىً جماهيريّ وجمعيٍّ كبير لا على مستوى الفرد وحسب.

ذاكرة جَمعية زائفة تتناقلها الأجيال

واحدة من أهمّ مشكلات الأفلام التاريخية ليس بأنّها قد تقوم بتزييف الأحداث وحسب، بل يتعدّى الأمر ليصل إلى أنّها تعمل بشكلٍ مضمر على خلق ذاكرة جَمعية تُرسم في عقول الجماعات والأفراد الذين يستسلمون لها مع الأيام ويجعلونها بشكلٍ لا واعٍ جزءًا من تاريخهم الفعليّ ورواياتهم السردية والمنقولة.

تؤثر الأفلام بشكلٍ أساسيّ على الذاكرة من خلال إعادة سرد التاريخ، وعادةً ما تدور أحداث هذه الأفلام حول حوادث تاريخية مشهورة أو معروفة تحمل إحساسًا عامًا بالماضي

والذاكرة الجَمعية هيَ الطريقة التي تتذكر بها الجماعات تاريخها. أي أنّنا نتعامل مع الذاكرة هُنا لا بكونها فعلًا فرديًّا خاصًّا ومستقلًا بنفسه، ولكن بكونها ظاهرة ذات بُعد جمعيّ تتأثر بالبيئات المجتمعية والثقافية والعوامل السياسية المحيطة التي تسعى لرسم الطرق التي يُسرد فيها التاريخ لتغييره بهدف التلاعب بالحاضر من جهة، ورسم المستقبل والتخطيط له من جهةٍ أخرى.

تؤثر الأفلام بشكلٍ كبيرٍ وأساسيّ على الذاكرة من خلال إعادة سرد التاريخ، وعادةً ما تدور أحداث هذه الأفلام حول حوادث تاريخية مشهورة أو معروفة تحمل إحساسًا عامًا بالماضي، وغالبًا ما تقع في فئة أفلام الحرب والدراما. ربما يفسّر لنا هذا الإلحاح الشديد في عالم السينما الغربية والأمريكية على إنتاج الأفلام المتعلقة بالحربين العالميّتين أو حرب فيتنام أو الهولوكوست وأحداث الحادي عشر من سبتمبر بوصفها أحد أهمّ الأحداث التاريخية التي حدثت في القرنين الآخرين.

ولهذا، محاولة فصل الجانب السينمائي والتجربة الممتعة للأفلام التاريخية عن دقّتها التاريخية وسردها لأحداث الماضي الحقيقية دون تغيير أو تزييفٍ أو خداع، هي محاولة غير ذات جدوى. فالسينما قادرة على التحكّم بالفهمَ الأسطوري للماضي وأحداثه من أجل تعبئة الذاكرة الجَمعية للشعوب والأفراد، بوصفها أداةً يمكن استغلالها سياسيًا للتحكّم والسيطرة.