السينما في غزة تعتبر واجه ثقافية تعبر عن رقي هذه المدينة ثقافيًا وحضاريًا

يوجد في قطاع غزة 10 أدوار للسينما: سينما السامر والنصر والنهضة وعامر والشاطئ والسلام والجلاء وصابرين والحرية ورفح.

أقدم دور السينما بغزة افتتحت في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، عام 1944، وهي سينما السامر، على يد الحاج رشاد الشوا الذي كان يُسمى بكبير البلد حينها، ثم تبعتها افتتاح عدة دور للسينما بعد الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية 1948، حيث كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، قد بدأت بتنفيذ عدة مشاريع ترفيهية وتثقيفية للفلسطينيين اللاجئين والمشردين للتخفيف عنهم، الأمر الذي ساعد على زيادة عدد دور السينما في قطاع غزة.

وزار أغلب أساطير الفن العربي دور السينما في قطاع غزة، إما لحضور مهرجان قد تم دعوتهم له كالفنانين المصريين عادل إمام وإسماعيل ياسين، والفنان اللبناني جورج وسوف، أو لأداء أدوار مسرحية وغنائية، كان آخرها في نهاية التسعينيات من القرن الماضي مثل الفنانتان المصريتان هند رستم وهدى سلطان، والفنان العربي فريد شوقي والمغنيان المصريان شفيق جلال وأحمد عدوية، وغيرهم.

ومن أهم الأعمال السينمائية التي عرضت بغزة، وشارك بها نخبة الفنانين العرب وخاصة المصريين، فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" ومسرحية "كوتو موتو" وفيلم "اذكريني" وفيلم "حبيبتي شقية جدًا".

كما عرضت عدة أفلام أجنبية في دور السينما بغزة، مثل الأفلام الهندية وأهمها فيلم "سنجام"، وفيلم "قمر أكبر أنطوني"، وكذلك الأفلام الصينية المختلفة، وأهمها سلسلة أفلام "بروسلي"، إضافة إلى عدة أفلام أكشن أمريكية، وكذلك الفيلم الألماني "21 ساعة في ميونيخ".

أدى إغلاق دور السينما في قطاع غزة إلى هجرة الكفاءات الفنية والمبدعين خارج الوطن

أما على المستوى المحلي، فقد تم عرض عدة أعمال سينمائية فريدة من نوعها، وعرضت على عدة فضائيات عربية، مثل مسرحية "صرخة ألم" للمخرج الفلسطيني سعود مهنا، وكذلك الفيلم المسرحي "إلى أبي"، للمخرج عبد السلام شحادة، إضافة إلى أفلام "سارة" و"ماشو ماتوك" للمخرج خليل المزين، وعدة أفلام مسرحية أخرى، من أعمال المخرج مصطفى النبيه، مثل "الاحتراق" و"يوميات موظف" و"كان يا مكان".

كيف أثر إغلاق دور السينما على المخرجين والشعب الفلسطيني بغزة؟

أما الآن، فقد مر ربع قرن على إغلاق دور السينما في قطاع غزة، لعدة عوامل اقتصادية وسياسية في المقام الأول، فغزة التي شهدت ولادة السينما على أراضيها في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، لا يمكن تجاهل دورها في الثورات الفنية على المستوى العربي.

ويعيش قرابة مليوني شخص في قطاع غزة، دون أي دور للسينما أو المسارح أو المراكز الثقافية أو حتى الفرق الفنية الفلكلورية أو المتنزهات التي كانت منتشرة قبل الانتفاضة الشعبية 1987.

وأوضح مصطفى النبيه أحد أكبر المخرجين السينمائيين في قطاع غزة، بأن إغلاق دور السينما بغزة أثرت على المخرجين والفنانين الفلسطينيين بشكل عام، وخاصة أن غزة تعد ثورة الجنوب الفلسطيني دومًا ولا سيما في الأعمال الفنية، حيث أدى ذلك إلى تراجع العمل الفني والثقافي المحلي، الذي بدوره أدى إلى الانشقاق في الأعمال الفنية بين المصريين والفلسطينيين، لكون السينما بغزة تعد حلقة الوصل بينهما.

على الرغم من مهاجمة حركة حماس لدور السينما بدعوى أنها ضد الدين الإسلامي، فإنها افتتحتها لأعمالها الحزبية فقط

كما أدى إغلاق دور السينما في قطاع غزة إلى هجرة الكفاءات الفنية والمبدعين خارج الوطن، وعدم مغامرة المنتجين بإنتاج أي أعمال درامية أو روائية أو مسرحية في قطاع غزة، إضافة إلى غياب ثقافة السينما لدى المشاهد العادي وخاصة أبناء الجيل الجديد، وكذلك غياب التنافس المهني والإبداعي بين المخرجين، واقتصرت أعمالهم على الأفلام الوثائقية فقط، كما أوضح النبيه.

ومن أهم أسباب إغلاق دور السينما في قطاع غزة، الصراعات الحزبية بين الفلسطينيين والتطرف الديني، حيث فجرت العناصر التابعة لحركة حماس، دور السينما في قطاع غزة في نهاية الثمانينيات مرورًا بأواخر التسعينيات، كما يعد الاحتلال الإسرائيلي وفرض حظر التجوال الذي فرضه على قطاع غزة سببًا رئيسيًا لإغلاق دور السينما بغزة، فضلاً عن استهداف طائراته الحربية لدور السينما عدة مرات.

تسييس السينما في غزة

وعلى الرغم من مهاجمة حركة حماس لدور السينما بدعوى أنها ضد الدين الإسلامي، فإنها افتتحتها لأعمالها الحزبية فقط، وذلك عقب انقلاب على الحكم في قطاع غزة بعد عام 2007، وأوضح النبيه بأن تسييس السينما في غزة، كان له أثر سلبي على المخرجين بشكل عام، حيث أدى لتدمير السوق الفني الخاص بهم من جانب، كما أثر ذلك على تشويه صورة السينما للمشاهد الفلسطيني في قطاع غزة، وذلك لعدم إدراك القائمين على هذه السينما المتحزبة، طبيعة الصورة البصرية لدى المشاهد وتأثيرها عليه.

من أهم الأمور الإيجابية التي تعود على الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال دور السينما، تحرر المثقف من سطوة السياسي

هذا ما أوضحه الفنان الفلسطيني محمود زعيتر الذي عانى من عدم تسويق أعماله السينمائية في قطاع غزة لكون الشركات الاستثمارية الكبرى في فلسطين أو حتى الفصائل الفلسطينية، تحتكر الأعمال الفنية في قطاع غزة لصالحها الشخصي، دون الالتفات لاهتمامات الشعب الفلسطيني الذي هو أحوج لدور السينما في ظل الحصار الخانق على القطاع.

وقال زعيتر لـ"نون بوست": "جميع الأعمال السينمائية المؤخرة والصغيرة، هي عبارة عن محاولات فردية لمجموعة من الشباب التي تعشق السينما، سواء كانوا فنانين أم مواطنين، كان آخرها مسرحية "عشر سنين" في أواخر عام 2017، إلا أن ذلك لن يسهم في افتتاح دور السينما كما كانت عليه في الزمن الجميل، وذلك لأن صناعة السينما في قطاع غزة من جديد تحتاج إلى الحرية المطلقة وتوافر العامل المادي، كما أنها تحتاج للتجارب والخبرات والإمكانات الفنية المختلفة غير المتوافرة بغزة أساسًا نظرًا للحصار وإغلاق المعابر".

السينما في غزة تعتبر واجه ثقافية تعبر عن رقي هذه المدينة ثقافيًا وحضاريًا

وأوضح خليل المزين أحد المخرجين السينمائيين في غزة، في حديث خاص لـ"نون بوست" بأن أهم العقبات التي تحول دون ظهور السينما كعهدها السابق في قطاع غزة، بأن السوط ما زال يعلو على الصوت، الذي بدوره يحبس الكلمة الجميلة ويمنعها من أخذ حريتها، مضيفًا "السينما تحتاج لحكومة ناضجة فكريًا تهتم بأمور السينما لما له فائدة على المجتمع وخاصة في بلد محتل وكثير الصراعات كما هو الحال في فلسطين وبشكل خاص بغزة".

ومن أهم الأمور الإيجابية التي تعود على الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال دور السينما، هو تحرر المثقف من سطوة السياسي، وكذلك إنشاء صندوق خاص يدعم المخرجين الناشئين والشباب، كما أنها تسمح بحرية التعبير والتحرر من الرقيب الذاتي، وتبادل الثقافات بين المخرجين الفلسطينيين ومخرجي الوطن العربي والعالم، كما أوضح المزين.

فالسينما في غزة تعتبر واجه ثقافية تعبر عن رقي هذه المدينة ثقافيًا وحضاريًا، وظهر هذا جليًا من خلال محاولة الاحتلال الإسرائيلي طمس جميع الأعمال الفنية والسينمائية الفلسطينية ولا سيما في غزة، لدورها في الوعي والتثقيف للأجيال العمرية المختلفة من أطياف الشعب الفلسطيني، من خلال الاغتيالات والاعتقالات والاستهداف، وكان آخرها قصف مسرح سعيد المسحال غرب غزة وتدميرها بالكامل في الشهر العاشر من هذا العام.