فصل جديد من فصول تضييق الخناق على حريات الرأي والتعبير في مصر، لكنه هذه المرة بغطاء تشريعي قانوني، عقوبات تتنوع بين غرامات تصل في بعضها إلى نصف مليون جنيه مصري (28 ألف دولار) ومنع من الكتابة وإغلاق الصحف، تلك التي تضمنتها المسودة المسربة للائحة الجزاءات الخاصة بالمخالفات الإعلامية لوسائل الإعلام المختلفة، التي أعدتها لجنة الشكاوى في المجلس الأعلى المصري لتنظيم الإعلام.

المسودة التي تتكون من 30 مادة من المقرر أن يتم إرسالها لمجلس الدولة لمراجعتها تمهيدًا لإقرارها بصورة رسمية، أثارت غضب واستياء الأسرة الصحفية المصرية، كونها المسمار الأكثر حدة بنعش الصحافة في البلد صاحب السبق التاريخي في الصحافة والإعلام، حيث طالبوا بعدم تمرير هذه اللائحة التي من المرجح أن تُجلس الغالبية العظمى من الصحفيين في منازلهم.

ورغم أن اللائحة وما تتضمنه من عقوبات بحق العاملين في الصحافة ليست الأولى من نوعها وسط تصاعد نسب الاعتقال بين الصحفيين، فإن خطورتها تستند إلى كونها خطوة لتشريع قانون من المرجح أن يستخدم كعصا في يد السلطات لإسكات الأصوات التي تغرد خارج السرب، ما يعني أن تتحول الصحافة المصرية إلى صحافة الصوت الواحد، حيث العودة للستينيات، وهي المرحلة التي طالما أثنى عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

مواد كارثية

نصوص فضفاضة تضمنتها المسودة المسربة بشأن الجزاءات الموقعة على الصحفي والوسيلة الإعلامية حال ارتكابها واحدة من المخالفات التي أقرتها اللائحة، تبدأ بإنذار الصحفي والوسيلة وتصل إلى غرامات خيالية لا تتناسب مطلقًا ومتوسط دخول العاملين في هذا المجال في مصر وتصل إلى الحجب والغلق تمامًا حال تكرار ذات المخالفات.

ففي المادة الأولى "يعاقب كل من استخدم أو سمح باستخدام ألفاظ واضحة وصريحة تشكل جريمة سب أو قذف بأحد الجزاءات المقررة أو أكثر حسب الأحوال، فتعاقب الوسيلة الإعلامية بغرامة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه ولا تزيد على مئتين وخمسين ألف جنيه، مع لفت النظر (التنبيه)، والإنذار، وكذلك إحالة الصحفى أو الإعلامى للتحقيق بمعرفة النقابة المختصة".

فيما نصت المادة الثالثة على معاقبة "كل من نشر أو بث شائعات أو أخبار مجهولة المصدر أو نقل عن مصادر إعلامية أخرى أو استخدم السوشيال ميديا كمصدر للمعلومات دون التحقق من صحتها ومن مصادرها الأصلية، مع توقيع غرامة لا تقل عن مئتين وخمسين ألف جنيه ولا تزيد على خمسمئة ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين".

أما المادة الرابعة فتطرقت إلى محاربة العنف والغلو، فنصت على "يعاقب كل من استخدم أو سمح باستخدام عبارات أو ألفاظ تدعو إلى التحريض على العنف أو الحض على الكراهية أو التمييز أو الدعوة للطائفية أو العنصرية أو بث أو نشر ما يهدد النسيج الوطنى أو يسيء لمؤسسات الدولة أو الإضرار بمصالحها العامة أو إثارة الجماهير بأحد الجزاءات الآتية أو أكثر حسب الأحوال: وتضم منع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج أو الموقع الإلكترونى لفترة محددة أو دائمة، وكذلك منع نشر أو بث الوسيلة لفترة محددة، مع توقيع غرامة لا تقل عن مئتين وخمسين ألف جنيه ولا تزيد على خمسمئة ألف جنيه".

يحق لمجلس تنظيم الإعلام إحالة ما يراه من مخالفات قد ترقى إلى مرتبة الجرائم الإعلامية إلى السلطات المختصة، ويجوز له أيضًا، في حالة حصول الوسيلة الإعلامية على أكثر من 3 إنذارات سحب ترخيصها أو الاكتفاء بمنع البث مؤقتًا أو سحب ترخيص الطباعة

بينما جاءت المادة التاسعة على قائمة المواد الأكثر جدلاً، إذ نصت على معاقبة "كل من سمح أو قام بإجراء مناقشات أو حوارات على حالات فردية باعتبارها ظاهرة عامة، أو خلط الرأي بالخبر بإحدى العقوبات الآتية أو أكثر حسب الأحوال: لفت النظر (التنبيه) وغرامة مالية لا تقل عن خمسة وعشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه".

وقد خُصصت المادة العاشرة للدفاع عن الأعراض والتشكيك في الذمم المالية، إذ تطرقت إلى معاقبة "كل من سمح أو خاض في الأعراض أو شكك في الذمم المالية دون دليل أو قام بانتهاك حرمة الحياة الخاصة أو التدليس على الجمهور أو اختلاق وقائع غير صحيحة بأحد الجزاءات أو أكثر حسب الأحوال: وتضم منع النشر أو البث أو الحجب المؤقت للصفحة أو الباب أو البرنامج أو الشاشة أو الموقع الإلكتروني، مع إلزام الوسيلة بتقديم اعتذار، وغرامة مالية لا تقل عن مئة ألف جنيه ولا تزيد على مئتين وخمسين ألف جنيه".

وبحسب المسودة "يحق لمجلس تنظيم الإعلام إحالة ما يراه من مخالفات قد ترقى إلى مرتبة الجرائم الإعلامية إلى السلطات المختصة، ويجوز له أيضًا، في حالة حصول الوسيلة الإعلامية على أكثر من 3 إنذارات سحب ترخيصها أو الاكتفاء بمنع البث مؤقتًا أو سحب ترخيص الطباعة لمدة محددة، كما يجوز له كذلك، اتخاذ كل التدابير الممكنة طبقًا للقانون لوقف المخالفات وذلك ضد الوسيلة الإعلامية، وأيضًا، إلزام الوسيلة الإعلامية بنشر أو إذاعة الرد المناسب للشخص أو الجهة التي تقع عليها أضرار من الوسيلة طبقًا للقانون".

مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام

لائحة إعدام الصحافة

تنديد واسع النطاق من الصحفيين حيال اللائحة المسربة التي لم تُعرض بصورة رسمية بعد، حيث طالب أعضاء نقابة الصحفيين المصرية بضرورة الضغط من أجل إجهاض اللائحة قبل إقرارها من مجلس النواب "البرلمان" الذي يعتقد كثيرون أنه لن يعترض على أي بند فيها كونه أداة الحكومة وذراعها التي تبطش بها في كل مكان.

من جانبه وصف عمرو بدر عضو مجلس نقابة الصحفيين اللائحة بأنها "غبية"، مشيرًا أنها جزء من الحملة ضد الصحافة وحريتها، ومكتوبة بروح تتسم بالعدائية الواضحة ضد الصحافة والإعلام والعاملين في هذا المجال بصفة عامة، وهو ما يتطلب التصدي لها بشتى السبل.

بدر على صفحته على "فيسبوك" حذر من أن ما تتضمنه اللائحة سيزيد حتمًا من اختناق المهنة والعاملين فيها، لافتًا إلى أن مواجهتها وإسقاطها باتت مهمة كل الصحفيين والإعلاميين ممن يجب عليهم التحرك فورًا للدفاع عما تبقى من كرامة وحرية مهنتهم الرئيسية.

ما يحدث الآن من قوانين تم إقرارها بصورة غير منطقية وسط غموض تكشفت ملامحه الآن، يشي أن إرهاصات إعلام الستينيات تداعب منظومة الصحافة المصرية هذه الأيام

أما محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس النقابة فأشار إلى أن لائحة الجزاءات هي في الحقيقة "لائحة إسكات وإعدام الصحافة والإعلام في هذا البلد"، مشيرًا إلى تواصل النقابة مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لبيان حقيقة تلك المسودة ومدى صحتها واعتمادها على شاكلتها الحاليّة.

عبد الحفيظ كشف كذلك أن البنود التي تضمنتها اللائحة بشأن الجزاءات الموقعة ضد الصحفيين تتناسب وبشكل كبير مع قانون تنظيم الإعلام الذي صادق عليه السيسي ويهدف في المقام الأول إلى محاصرة مهنة الصحافة، غير أنه أبدى استنكاره كون المسودة المسربة جاءت بشكل أسوأ من القانون ذاته.

بينما وصفها النقيب السابق يحيى قلاش، بأنها "اغتصاب تشريعي وجريمة دستورية متكاملة الأركان"، متسائلاً في تصريح له عبر صفحته الرسمية على "تويتر": هل المهنة التي تم إعدامها بالتشريع يمكن أن تخشى عليها من الموت باللوائح؟ مطالبًا الجميع بالتوحد والوقوف في خندق واحد في مواجهة المؤامرة التي تحاك ضد حريات الصحافة في مصر.

إرهاصات الستينيات

بات من الواضح ومما لا يدع مجالاً للشك أن عزف السلطات بين الحين والآخر على أوتار إعلام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لم يكن من باب التنزه أو التندر أو الممازحة، بل كشفت الإجراءات الأخيرة، القوانين واللوائح والممارسات، نية مبيتة لإحياء إعلام تلك المرحلة مرة أخرى، حيث الصوت الواحد.

اللائحة الجديدة هي استمرار للنهج المعتمد منذ خمس سنوات بهدف القضاء على كل أشكال الحريات الصحفية، إذ إن السلطات في مصر لم ولن تنسى تفاصيل ما حدث في يناير2011، والدور الذي قام به الإعلام لا سيما منصات التواصل الاجتماعي في تأجيج الشارع ضد الممارسات القمعية لنظام مبارك، بحسب السيد الربوة، الكاتب الصحفي وعضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية.

احتلت مصر المرتبة الـ161 بحسب مؤشر حرية الصحافة المؤلف من 180 دولة

الربوة لـ"نون بوست" لفت إلى أن ما يحدث الآن من قوانين تم إقرارها بصورة غير منطقية وسط غموض تكشفت ملامحه الآن، يشي إلى أن إرهاصات إعلام الستينيات تداعب منظومة الصحافة المصرية هذه الأيام، وهو ما بدا يلوح في الأفق مع تواتر بعض الأنباء التي تشير إلى نية غلق كل المواقع الإلكترونية للصحف القومية والاكتفاء بمنصة واحدة لكل صحيفة، هذا بخلاف سياسة الدمج بين المؤسسات الصحفية التي تعتمدها الدولة، بحيث يتم الاكتفاء بعدد محدود جدًا من النوافذ تكون تحت قبضة سلطات الدولة وهو ما يعيدنا إلى الفترة الناصرية وإن تباينت بعض التفاصيل.

وتعاني الحريات الصحفية في مصر من مخاطر وتهديدات لم تشهدها منذ عقود طويلة، أودت بها إلى مؤخرة التصنيف العالمي، حيث احتلت المرتبة الـ161 بحسب مؤشر حرية الصحافة المؤلف من 180 دولة، هذا بخلاف تصاعد الانتهاكات بحق العاملين في الإعلام، إما بالاعتقال أو الحبس أو المنع من العمل، فضلاً عن تواصل سياسة الحجب التي باتت شعار المرحلة الحاليّة إذ بلغ عدد المواقع المحجوبة في أقل من عامين قرابة 500 موقع.