تحتضن مدينة "ساو باولو" البرازيلية على مدار يومين مؤتمر الإنترنت العالمي لمناقشة "الثغرة الرقمية" ومحاولة وضع أسس عالمية للإنترنت، بهدف إنهاء السيطرة الأحادية على الشبكة.

وتستضيف الرئيسة البرازيلية "ديلما روسيف" المستاءة من فضيحة التنصت لوكالة الأمن القومي الأمريكية، قمة دولية غير مسبوقة الأربعاء والخميس في ساو باولو لإعادة النظر في الوصاية الأمريكية على الإنترنت.

وتبدو القمة التي سميت "نت مونديال" وتستغرق يومين حدثًا مؤسِسًا، فحضورها يشمل ممثلي 87 بلدًا وأكاديميين ومؤسسات تقنية ولاعبين خاصين ومنظمات، فيما تطمح إلى صياغة مبادئ حوكمة وخارطة طريق جديدة للإنترنت يقرها للمرة الأولى معظم الفاعلين على الشبكة.

ويحضر مئات الأشخاص الذين يمثلون مسؤولين حكوميين وأكادميين ونشطاء وخبراء تقنيين المؤتمر، من بينهم "تيم بيرنرز- لي" مخترع الشبكة العنكبوتية.

وتعتبر قضية حوكمة الإنترنت وإدارته من أهم القضايا الاستراتيجية المتعلقة بسياسات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. حيث أنها لا تقتصر فقط على تعريف الإنترنت وإدارته وإنما تتطرق إلي ابعد من ذلك لترتبط بأبعاد أخرى متعلقة بالبنية التحتية، والتنمية المستدامة بشقيها الاجتماعي والاقتصادي، والأمن، والتشريع.

وتبدو هذه المبادرة مواتية جدا بعد مرور 25 عاما على انشاء الشبكة العنكبوتية التي يتصل بها حوالي ثلث البشر بحسب الامم المتحدة، ويشارك في تنظيمها منتدى حوكمة الإنترنت IGF والعديد من المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني عبر العالم.

ويهدف منتدى حوكمة الإنترنت إلى مساعدة أعضائه لإيجاد الوسائل المناسبة لتوفير الإنترنت بأسعار معقولة، وتعزيز التزام الدول الأعضاء لتبني آليات حوكمة الإنترنت الحالية والمستقبلية أيضاً، حيث يقوم رواد المنتدى بمناقشة السياسات العامة ذات الصلة بحوكمة الإنترنت لدفع بلادهم نحو المزيد من الاستقرار والأمن والمزيد من التنمية.

ولهذه الأهمية البالغة تولى الأمين العام للأمم المتحدة الإعلان رسميًا عن تدشين المنتدى في يوليو 2006 كإحدى ثمار المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS) التي عقدت في تونس 2005.

وترمي برازيليا قبل كل شيء إلى التحرر من الهيمنة الأمريكية على هيئات ضبط الإنترنت، في مبادرة مدفوعة بفضيحة التجسس على البريد الإلكتروني لروسيف ومعاونيها من طرف وكالة الأمن القومي.

غالبية المتابعين يعتقدون أن الاهتمام بالخصوصية وبتأسيس طرق جديدة لحوكمة الإنترنت بدأ مؤخرا. ففي صيف 2013 أثارت المعلومات التي كشفها المستشار الاستخباراتي السابق "إدوارد سنودن" غضبًا برازيليًا وأدت إلى برودة العلاقات بين البلدين، وحثت روسيف على السعي إلى ترتيب بيت الإنترنت حتى لا تتكرر أعمال مماثلة.

وبعد فضيحة التنصت اقترحت روسيف على الأمم المتحدة فكرة رقابة متعددة الأطراف على الإنترنت مكررة أصداء طموحات عدد من هيئات الإنترنت الحريصة على استقلاليتها حيال واشنطن.

واضطرت الولايات المتحدة بعد تصلب مطول إلى الإذعان للضغوط الدبلوماسية في الشهر الفائت وأخلت المجال للإشراف على "ايكان" (شركة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة) وهي الهيئة التي تمنح أسماء النطاق على الإنترنت على غرار "دوت كوم" أو "دوت غوف" والتي تتخذ مقرًا في كاليفورنيا.

وأعربت واشنطن عن إرادتها للتعاون مع قمة "نت مونديال" وشاركت في تنظيمه إلى جانب 11 دولة، وأعربت وزارة الخارجية الأميركية عن "الحماسة" لفكرة تطوير نظرة مشتركة لنموذج متعدد الأطراف لحوكمة الإنترنت سعيًا إلى نظام أكثر انفتاحًا ومشاركة وتفاعلاً".

وحددت القمة الدولية مهمة حساسة تكمن في مصالحة الدول التي تعرضت لتجسس وكالة الأمن القومي الأميركية (البرازيل، ألمانيا، المكسيك) والدول التي تسيطر على الحصول على الإنترنت ومضمونها (مثل الصين) وجهات خاصة تخشى على حريتها (غوغل وياهو) وأخرى مدافعة جذرية عن الحريات (ويكيليكس).

وتريد الصين وروسيا وطاجكيستان وأوزباكستان أن تنص الوثيقة على أن تقوم المداولات اللاحقة في "إطار قواعد الأمم المتحدة".

ولكن الولايات المتحدة وأستراليا وعدد من الدول الأوروبية قاومت سابقًا إدارة الأمم المتحدة للإنترنت قائلة إن "المسؤولية يجب أن تقع على جهة لا تهيمن عليها الحكومات".

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية - الإثنين - "إن الوثيقة يجب أن تركز على تعزيز التعاون لمعالجة جرائم الإنترنت وتأمين الإنترنت بدلاً من الدفع بمعاهدات أو اتفاقات دولية مثيرة للجدل".

وفي مشروع قرار وُزع على المشاركين ونشره موقع ويكيليكس أشار المنظمون إلى أن "الحوكمة ينبغي أن تكون مفتوحة، تستند إلى المشاركة وغير منحازة تكنولوجيًا ومراعية لحقوق الإنسان وتعتمد مبادئ الشفافية والمسؤولية".

وتذكر مشاركون تسريبات إدوارد سنودن، وقال مشارك في تغريدة إنه "على الرغم من أن اسم سنودن لم يذكر في الوثيقة الختامية، إلا أنه بدون بطولة سنودن ما كان أي من هذا ليحدث".

كما طالب مشاركون باعتماد استخدام التطبيقات والبرامج مفتوحة المصدر والمجانية كضمان للحرية والخصوصية.

وفي ختام القمة مساء اليوم - الخميس - من المقرر أن يصادق المشاركون على مبادئ الحوكمة وعلى خارطة طريق لتطوير مستقبل الشبكة.

 وفي هذا الإطار يبدو تقليص "الثغرة الرقمية" ملفًا محوريًا، نظرًا لعدم إمكانية تطبيق فكرة إنترنت ديمقراطي بلا إمكانية اتصال شاملة عالمية بالشبكة التي تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 5 مليارات شخص لا يملكون إمكانية الدخول عليها.

وتحصي الأمم المتحدة اليوم أكثر من 2.7 مليارات مستخدم للإنترنت (أي أكثر من ثلث سكان العالم) مقارنة بـ 2.3 مليارات في 2012، و1.15 مليارا في 2007.