كما هو الحال في معظم الأحزاب السياسية في الشرق الأوسط، بدأ مسعود البارزاني محاولة توريث الجيل الثاني من عائلته، مقاليد إدارة شؤون حزبه وشؤون حكومة إقليم كردستان، فما كان عليه إلا أن استثمر النجاح الانتخابي الذي حصل عليه حزبه في الانتخابات الأخيرة بالإقليم، لإسناد أهم منصبين في النظام السياسي الكردي (رئاسة وزراء الإقليم ورئاسة الإقليم)، لابنه مسرور بارزاني وابن أخيه نيجيرفان بارزاني.

في الوقت الذي رجح بعض المراقبين، أن السبب الحقيقي لترشيحات مسعود البارزاني - الذي اعتزل كل المناصب الرسمية في الإقليم - لشخصيات من داخل عائلته ومحسوبة عليه، هو التعبير عن رغبته في بقاء دوره فاعلاً في قيادة الإقليم من خلال نجله وابن أخيه.

وبوصول هذين الشابين إلى تلك المناصب المهمة في النظام السياسي الكردي، الذين يُطلق عليهم اصطلاحًا "أحفاد الجبل"، تكون صفحة القادة الكرد المخضرمين قد طويت، لتحل محلها قيادات شابة لم يكن لها تاريخ في التمردات الكردية منذ فترة ستينيات القرن الماضي، ولم تكن لهم مناكفات ومشاحنات مباشرة مع قيادة بغداد بعد تأسيس نظام سياسي جديد بعد الاحتلال، بل إن أحدهما وهو نيجيرفان بارزاني، كان له دور إيجابي في ترميم العلاقة مع بغداد وباقي دول الإقليم بعد تأثرها بشدة إزاء تجربة الاستفتاء الكردي على الانفصال، وما رافقها من مشاكل.

رئاسة الإقليم ليست مكافأة لنيجيرفان بارزاني

لا يبدو أن ترشيح نيجرفان بارزاني لمنصب رئاسة إقليم كردستان، مكافأة له نظير ما قدمه من خدمات، كما يبدو للوهلة الأولى، إذا ما علمنا أن دستورًا جديدًا للإقليم سيتم الاستفتاء عليه قريبًا، ربما سيقلل من صلاحيات رئيس الإقليم بشكل كبير، وتحويلها لرئاسة وزراء الإقليم التي رُشح لها ابن مسعود، مسرور بارزاني، في حالة مشابه لما هو موجود في النظام السياسي المعمول به في بغداد، ذلك ما نوه إليه أوميد خشناو عضو كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في برلمان كردستان حينما قال: "في حال وجود دستور لإقليم كردستان، فإن كثيرًا من مشكلات الإقليم ستُحل، على صعيد تشكيل الحكومة وتسمية رئاسة البرلمان والنظام السياسي في الإقليم".

من جانبه، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الديمقراطي هوشيار سيويلي، أوضح بشكل دقيق ماهية مستقبل رئاسة الإقليم، حينما قال: "نيجيرفان بارزاني سيكون مرشحًا لرئاسة الإقليم، لحين إقرار دستور في الإقليم وحينها يتم ‏انتخابه من برلمان كردستان"، وهذا يعني أن نيجيرفان بارزاني سيكون وضعه قلقًا ولا ضمان أن يفوز بمنصب رئيس الإقليم، وحتى لو فاز بالمنصب، فإن صلاحياته ستكون فخرية وبرتوكولية في الغالب، بينما سيكون منصب رئيس وزراء الإقليم المنصب الأهم في الإقليم والمتحكم الفعلي في سياسته.

منصب مسرور البارزاني الحاليّ كمستشار مجلس أمن إقليم كردستان الذي ‏يضم مختلف الأجهزة الأمنية الكردية، يجعل من فترة حكم مسرور المقبلة في الإقليم تدور حولها الشبهات، بسبب ‏الصفات العنيفة لمسرور

ويفسر بعض المراقبين ما يشهده الإقليم من حراك سياسي، أن مسعود البارزاني وعلى عادة كل الأحزاب الشرق أوسطية، يريد أن يورث قيادة الكرد وقيادة الحزب لابنه مسرور البارزاني، والعمل على استبعاد ابن أخيه نيجيرفان بارزاني، ظهر ذلك واضحًا خلال الزيارة التي قام بها مسعود بارزاني إلى بغداد واصطحابه لنجله مسرور فقط، كتمهيد لتقديمه للآخرين على أنه الشخص الأول في ‏حكومة الإقليم والحزب من بعده.

علمًا أن السيناريو الذي يقوم به مسعود بارزاني، ليس جديدًا ‏على المنطقة، ولنا أمثلة حية عديدة عن تجارب مشابه لهذه التجربة، جرَّت الويلات على ‏شعوب المنطقة، كابن سلمان في السعودية وبشار الأسد في سوريا وابن زايد في الإمارات. ‏

هل مسرور بارزاني قادر على إدارة ملفات الكرد الشائكة؟

مسرور البارزاني عدا أنه نجل مسعود البارزاني، ليس له تجربة سياسية كبيرة نستطيع من خلالها تقييم أدائه السياسي، كما أن منصبه الحاليّ كمستشار مجلس أمن إقليم كردستان الذي ‏يضم مختلف الأجهزة الأمنية الكردية، يجعل من فترة حكم مسرور المقبلة في الإقليم تدور حولها الشبهات، بسبب ‏الصفات العنيفة لمسرور، كما أن حوادث أمنية ‏واغتيالات لشخصيات سياسية معارضة عديدة قد سُجلت ضد مجهول خلال ترأسه لجهاز أمن ‏الإقليم.

يبقى التساؤل الكبير الذي يدور في أذهان المراقبين، هل لمسرور بارزاني القدرة والخبرة السياسية الكافية لإدارة ملفات شائكة مع الحكومة ‏العراقية مثل ملف كركوك والمناطق المتنازع عليها وملف إنتاج وتصدير النفط، وتوفير رواتب الموظفين،‏ وقضايا شائكة أخرى؟

رغم علمنا المسبق أن مسرور بارزاني لن يقود الإقليم بمفرده، إنما سيكون من خلفه أبيه الذي سيكون الحاكم للإقليم عمليًا، والصورة التي تُقدم عن مسرور للشعب الكردي، كونه حاصلاً على شهادة بكالوريوس في ‏السياسة الدولية من جامعة واشنطن، لن تشفع له وتعطي الانطباع بنجاحه بمهمته القادمة، وبنفس الوقت من الصعب تصور أن مسرور بارزاني ذا الخلفية الأمنية، لن يترك بصماته الأمنية الواضحة في الحكم، على الأقل داخليًا، وهذا هو مكمن الخطر بالنسبة للشعب الكردي، ذلك لأن الخلفية الأمنية لن تضمن له النجاح في إدارة الملفات السياسية، فهو رجل مخابرات طامح لخلافة أبيه، والبنيان المخابراتي الذي أشرف عليه منذ عام ‏‏2012 حتى الآن، تجعله منافسًا قويًا على الخلافة مع ابن عمه نيجيرفان بارزاني، رغم تأثر شخصية مسرور سلبيًا بعد فشل الاستفتاء الكردي على الانفصال من العراق، كونه كان المشرف المباشر عليه، وبالتالي فإن مسرور ليس برجل دبلوماسية، ويشبه أبيه في طريقة تفكيره.

هل سيقاوم نيجيرفان بارزاني عملية تهميشه؟

أما فيما يخص نيجيرفان بارزاني مرشح البارزاني لرئاسة الإقليم، وهو شخصية برغماتية، نجح في ترميم العلاقة بين إقليم كردستان وحكومة المركز ودول الإقليم بعد الاستفتاء على الانفصال، ورغم عدم حمله لشهادة جامعية تعطيه الخبرة السياسية الكافية، فقد درس العلوم السياسية في طهران دون أن يكمل دراسته فيها، لكن فترة بقائه في العمل الحزبي بالإضافة لشغلِهِ عدة مناصب مهمة في حكومة إقليم كردستان وبفترة مبكرة بعد احتلال العراق، أكسبته فيما يبدو الخبرة السياسية المطلوبة، وقدم نفسه للآخرين كأحد الحمائم داخل حزب عمه المليء بالصقور.

تلقى السياسيون في بغداد ترشيح الشخصيتين الكرديتين للمناصب المهمة في الإقليم، بلامبالاة، نظرًا لانشغالهم بتشكيل حكومتهم المستعصية على الاكتمال

هذا الأمر جعل مسعود البارزاني يقرر تقديمه لرئاسة الوزراء عقب الاستفتاء، بعد أن رفضت بغداد وأنقرة وطهران التعامل مع مسعود بشكل مباشر، لكن الدور الذي لعبه نيجيرفان خلال المرحلة التي تلت إجراء الاستفتاء ونجاحه بإخراج الحزب الديمقراطي ‏من عزلته الإقليمية والدولية، لم تجد له شفاعةً عند عمه، وبدا أنه مصمم على أن يزيحه من طريق ابنه في وراثة رئاسة الحزب وحكومة الإقليم.

موقف سياسيي بغداد

تلقى السياسيون في بغداد ترشيح الشخصيتين الكرديتين للمناصب المهمة في الإقليم، بلامبالاة، نظرًا لانشغالهم بتشكيل حكومتهم المستعصية على الاكتمال، وبعضهم عدَّ هذا الأمر شأنًا داخليًا كرديًا، والأفضل عدم التدخل بشؤون الكرد، هذا ما جاء على لسان السياسي السنَّي في تحالف القرار العراقي أثيل النجيفي، قائلاً: "رئاسة إقليم وحكومة كردستان هو شأن ‏كردي داخلي".

بينما لم يصدر أي موقف صريح من أي سياسي شيعي بشأن تلك الترشيحات، وكأن تلك المواقف تدفع بالكرد إلى المزيد من الاستقلالية، وكأن إقليم كردستان ليس جزءًا من العراق، في الوقت الذي تابعت باهتمام كل من إيران وتركيا التطورات السياسية في الإقليم، ولم تخفيا ارتياحها من ترشيح نيجيرفان بارزاني لمنصب الرئاسة، نظرًا لما يربط الأخير من علاقات جيدة بكلا البلدين.