تحت عنوان "الحرَّاس والحرب على الحقيقة" اختارت مجلة التايم الأمريكية الصحفي المغدور جمال خاشقجي الذي قُتل بقنصلية بلاده في إسطنبول، 2 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى جانب صحفيين آخرين شخصية العام؛ ليكونوا شخصية العام 2018، في إشارة منها لتضحياتهم وحمايتهم للحقيقة وانحيازهم لها، ما دفع السلطات لاستهدافهم.

صحيح أن صورته اتشحت بسواد الموتى لكن ابتسامته بقيت تملأ الغلاف، فهذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها صحفي أو عدة صحافيين شخصية العام بالنسبة لمجلة "تايم"، كما أنها المرة الأولى أيضًا التي يتم فيها اختيار شخصية ليست على قيد الحياة لتكون شخصية العام.

أرادوا قلته فخلدوه

جاء الإعلان عن شخصيات العام 2018 عبر إحدى المحطات التليفزيزنية الأمريكية، ومن خلالها قال رئيس التحرير بمجلة "التايم" إدوارد فيلسينثال: "اخترنا تسليط الضوء على 4 أشخاص ومجموعة ممن واجهوا مخاطر كبيرة سعيًا للوصول إلى الحقائق الكبرى وكشف المزيد منها".  

غلاف المجلة الأمريكية العريقة صُمم بأربعة أجزاء سلطت الضوء على ما أسمته "الحرب على الحقيقة"

غلاف المجلة الأمريكية العريقة صُمم بأربعة أجزاء سلطت الضوء على ما أسمته "الحرب على الحقيقة"، وكان الصحفي السعودي جمال خاشقجي أول شخصية وقع عليها اختيار "التايم" هذا العام، وذلك لما تمثله جريمة قتله من انتهاك صارخ للحرية.

يُختار جمال خاشقجي رفقة زملاء آخرين له في مهنة المتاعب شخصية العام 2018، فهو في نظر مجلة "التايم" الأمريكية الأيقونة الجديدة لأولئك الحراس الذين قدموا تضحيات كبيرة في خضم ما أسمتها "الحرب على الحقيقة".

اختيار قررته المجلة بما كشفته عملية الاغتيال عن الطبيعة الحقيقة لولي العهد السعودي، "الأمير المبتسم" كما وصفته، ومدى غياب الأخلاق عن المواقف السياسية من جريمة القنصلية لدى بعض الدول، ومحورية السؤال الذي قتل خاشقجي بسببه: من ذلك الذي تثق فيه ليروي القصة؟

وعبر اختيارها، أرادت المجلة العريقة الاحتفاء بذلك الرجل الجسور ذو اللحية الرمادية والمظهر الرقيق الذي تجرأ على الاختلاف مع حكومة بلاده، وأظهر للعالم حقيقة وحشيتها تجاه أولئك الذين يرفعون صوتهم، وقُتل في سبيل ذلك.

إدوارد فيلسينثال: "من النادر أن يبدو تأثير شخص ما بشدة بعد موته، فقد أدى مقتل خاشقجي إلى إعادة تقييم عالمية لولي العهد السعودي

وأشارت المجلة إلى أن كل تفاصيل مقتل خاشقجي أثارت ضجة، بداية من رصد كاميرات المراقبة لدخوله القنصلية السعودية في إسطنبول في 2 من أكتوبر/تشرين الأول، ومرورًا بصور ارتياد قاتليه للطائرات الخاصة، ومنشار العظام الذي قام بتجزئة جسده، ونهاية بالتقارير التي كشفت آخر جملة رددها في القنصلية، وهي "لا أستطيع التنفس".

وعن الأسباب التي جعلت "التايم" تختار شخصًا متوفيًا لأول مرة، قال إدوارد فيلسينثال: "من النادر أن يبدو تأثير شخص ما بشدة بعد موته، فقد أدى مقتل خاشقجي إلى إعادة تقييم عالمية لولي العهد السعودي وإلى نظرة طال انتظارها للحرب المدمرة في اليمن".  

وكتبت المجلة في مقالها: "لقد وضع خاشقجي ثقته وإيمانه في مجال التحقيقات الصحفية، الذي اقتحمه منذ مرحلة الشباب، وفي مقال له في صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، طرح خاشقجي سؤالاً هو "هل نملك نحن السعوديين حرية الاختيار بين افتتاح دور السينما في المملكة أو انتقاد أعمال حكومتنا".  

أزعج ذلك المملكة، بحسب المجلة الأمريكية، فكان مصير خاشقجي الموت، وقاده إلى مصيره هذا مساعيه الشخصية للوصول إلى إجابة عن سؤال "حرية الاختيار"، الذي دعمه بحقائق مزعجة، وكذلك بمنحه الثقة في الجمهور والقراء للتفكير في أحوالهم. 

ومنذ العام 1927 دأبت المجلة الأمريكية سنويًا على منح لقب شخصية العام تكريمًا للشخص أو المجموعة أو الكيان أو الفكرة الأكثر تأثيرًا على مجريات الأحداث العالمية خلال العام.

ثمن الحقيقة

إلى جانب خاشقجي، وقع اختيار المجلة على الصحفيَين وا لون وكياو سوي اللذين اُعتقلا في ميانمار، وحُكم عليهما بالسجن سبع سنوات قبل عام بتهمة انتهاك قانون الأسرار الرسمية الذي يعود لعهد الاستعمار في أثناء إجرائهما تحقيقًا صحفيًا عن التطهير العرقي لمسلمي الروهينغا، وسعيهما كشف ملابسات مقتل 10 منهم خلال تغطيتهما عملهما لصالح وكالة "رويترز" للأنباء.   

هذا إضافة إلى الصحفية الفلبينية ماريا رسا، مؤسسة الموقع الإخباري الفلبيني "رابلر"، التي تعرضت للكثير من المضايقات القانونية لانتقادها في موقعها الإخباري حكومة بلادها التي يقودها نظام الرئيس رودريغو دوتيرتي.

رأى صحفيون في اختيارات "التايم" رسالة غير مباشرة للرئيس ترامب الذي هاجم أكثر من مرة الصحافة الأمريكية، ووصفها بـ"صحافة الأخبار الملفقة"

صحيفة "كابيتال غازيت" في ولاية ماريلاند الأمريكية كانت ضمن اختيارات "التايم"، وذلك لمقتل 5 من موظفيها (أربعة صحفيين وزميل مبيعات) في حادث إطلاق نار قام به مسلح اقتحم مقر الصحيفة بمدينة أنابوليس في يونيو/حزيران الماضي.  

واختارت المجلة خاشقجي والصحفيين الآخرين ضمن قائمة لعشرة مرشحين (من بينها 8 أشخاص وكيانين) للقب "شخصية العام"، كان فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمدعي الأمريكي الخاص روبرت مولر، الذي يحقق في قضية التواطؤ المفترض بين حملة ترامب الرئاسية وروسيا.

فيما جاءت باقي الأسماء كالتالي: المخرج ريان كوغلير، وأستاذة علم النفس كريستين بلاسي فورد التي أدلت بشاهدتها أمام مجلس الشيوخ واتهمت القاضي بريت كافانوه بالاعتداء الجنسي عليها، ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن، وأخيرًا ميغان ماركل زوجة الأمير هاري.

هذا بالإضافة إلى الأسر التي فصلت قسريًا عن أطفالها من السلطات الأمريكية وعددها نحو 2000 أسرة، بحجة عدم الإقامة الشرعية، ومسيرات "من أجل حياتنا" التي طالب من خلالها أمريكيون بوضع حد لحوادث إطلاق النار التي تستهدف المدارس.

ورأى صحفيون في اختيارات "التايم" رسالة غير مباشرة للرئيس ترامب الذي هاجم أكثر من مرة الصحافة الأمريكية، ووصفها بـ"صحافة الأخبار الملفقة"، وعبَّر عن ذلك دوغلاس بانداو مساعد خاص للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، في تغريدة قال فيها: "هناك خوف من قبِل صحفيين مستقلين من اعتداءات تشنها حكومات متسلطة".

كما عزز اختيار المجلة موقف الكونغرس في مواجهته مع الرئيس ترامب بعد اغتيال خاشقجي وسعيه لمحاسبة ولي العهد السعودي، خاصة أن بعض المشرعين يرون أن انتقاد ترامب للصحفيين، ووصفه الصحافة بأنها "عدوة الشعب" أمور قد تشجع الحكومات المستبدة على قمع الصحفيين.

السعوديون والتغريد خارج السرب

فور إعلان اختيارات المجلة لهذا العام، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالخبر، واعتبر ناشطون أن اختيار خاشقجي هو اختيار لحرية التعبير ضد الاستبداد، وهو اختيار لصحفي لقي حتفه من أجل نقل الحقيقة، مشيدين باختيار الصحيفة.

أعاد مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات لقنوات سعودية وتغريدات لحسابات على "تويتر" تحتفي بما وصفوه اختيار ولي العهد ضمن شخصية العام، بل وتصدره القائمة

كم هائل من التغريدات أعقب إعلان "التايم"، فقد اعتبر رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني اختيار المجلة للصحفيون المعرضين للخطر اعتراف بسيط لمن خاطروا بحياتهم أو فقدوها في سبيل البحث عن الحقيقة.

وعدَّد الصحفي أبوكار أرمان في تغريدة له على تويتر 3 أسباب تجعل من خاشقجي شخصية العام، وهي تحذيرهم من أن الصمت واللامبالاة والغلو يشجع على الاستبداد وتعليمهم أن سلطة القلم أقوى من الأسلحة والقنابل والمناشير، فضلاً عن أنه ألهم الضمير العالمي ضد الظلم والطغيان.

عربيًا أيضًا كان التفاعل كبيرًا على اختيار خاشقجي، واعتبرت منظمة "هيومان رايتس واتش" هذا الاختيار وجهين متناقضين لهيبة المملكة على الصعيد الدولي، وقالت في تغريدة على صفحتها باللغة العربية على "تويتر": "بينما يساءل القضاء الأرجنتيني عن دور محمد بن سلمان في انتهاكات حقوق الإنسان، تكرم المجلة المرموقة شهيد الصحافة جمال خاشقجي بتعيينه شخصية السنة".

لكن لا يمكن للأمر أن يمر دون اللغط الإعلامي السعودي، ففي الوقت الذي أعلنت فيه المجلة بشكل رسمي اختيار خاشقجي وآخرين شخصية العام 2018، أعاد مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات لقنوات سعودية وتغريدات لحسابات على "تويتر" تحتفي بما وصفوه اختيار ولي العهد ضمن شخصية العام، بل وتصدره القائمة.

وأخد إعلاميون سعوديون على عاتقهم مهمة المديح لابن سلمان، ففي مداخلة على "قناة 24" السعودية زعم أحد الضيوف حصول ابن سلمان على المركز الأول، قائلاً: "شيء يسعد الجميع، وهو رسالة واضحة بأن الرجل يقدِّم ولا يلتفت لأي مهاترات إعلامية".

فيما قالت قناة سعودية أخرى: "المجلة اختارت محمد بن سلمان ضمن شخصية العام 2018"، وأضاف أحد المذيعين أن ابن سلمان يعد الشخصية العربية الوحيدة، ومتفوقًا على زعماء العالم، وهو ما نشرته عدة صحف سعودية موالية للنظام الملكي.

وفي الواقع، استند الترويج السعودي الذي ربط ابن سلمان بمجلة "تايم" على تصويت موقع المجلة التي اقترحت أسماء عديدة من مغنيين وممثلين وسياسيين وفرق موسيقية، وليس له ارتباط بالأسماء التي تختارها المجلة ضمن شخصية العام.

وكان من الملفت ادعاء الإعلام السعودي حصول ابن سلمان على المركز الأول، بينما هو في الحقيقة حصل على المركز الرابع، خلف فرقة موسيقية كورية، وفكرة "التغيير المناخي"، رغم الحشد السعودي عبر القنوات للتصويت له باعتباره تصويتًا للعرب والمسلمين.

المسمار الأخير في نعش ولي العهد

جريمة تصدرت غلاف مجلة "التايم" من خلال صورة لخاشقجي، تمامًا كما تصدرت تواصلاً تركيًا كنديًا للتنسيق بخصوص تدويل القضية على وقع استمرار التحركات داخل الكونغرس الأمريكي للتصويت على إدانة تحمل المير محمد بن سلمان مسؤولية تصفية خاشقجي.

وبقدر ما يبدو هذا الاختيار وكأنه يدق المسمار الأخير في نعش محاولات الرياض تسويق صورة الأمير محمد بن سلمان داخل الساحة الأمريكية، فإنه يُلقي بظلاله الثقيلة أيضًا على البيت الأبيض في ظل الاتهامات الموجهة إليه بالتعامل مع قضية خاشقجي بمنطق المصالح والصفقات الاقتصادية.

ولي العهد محمد بن سلمان

لا سيما مع تزامنه مع الجهود التي يبذلها رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري بوب كوركر للتصويت على مشروع قرار يحمل ولي العهد السعودي المسؤولية عن مقتل خاشقجي، كما يدعم مشروع القرار وقف سياسات سعودية أخرى كالحملة العسكرية في اليمن وحصار قطر واعتقال نشطاء حقوق الإنسان.

ورغم أن هذا القرار غير ملزم، لكنه يمثل كما تقول صحيفة "واشنطن بوست" توبيخًا للرئيس ترامب الذي رفض إلقاء اللوم على الأمير محمد بن سلمان رغم استنتاجات وكالة الاستخبارات المركزية التي أشارت إلى ضلوعه باغتيال خاشقجي، خصوصًا مع توجه لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب لإجراء مراجعة شاملة لسياسة إدارته تجاه السعودية، قد تشمل المصالح المالية لمستشاره وصهره جاريد كوشنر مع الرياض.

يأتي هذا كله في وقت بدت فيه علامات التململ والانزعاج في تركيا من إحجام السعودية عن التجاوب معها بشأن جريمة خاشقجي وكأنها بلغت ذروتها، وبأنه لم يعد أمام أنقرة سوى المضي بعيدًا بموضوع تدويل التحقيق، إذ أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن المطالبات بفتح تحقيق دولي بشأن جريمة اغتيال خاشقجي أصبحت تصدر من جميع الأطراف الدولية، وعلى رأسها الأمين العام للأمم المتحدة، ليبقى ابن سلمان في انتظار مصير مجهول، بينما يُكرم خاشقجي وهو يرقد في سلام.