تلعب العديد من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية مجتمعةً دورًا كبيرًا وأساسيًا في نشوء الأمراض النفسية والاضطرابات العقلية عند الأشخاص، وتختلف هذه العوامل بين الرجال والنساء بطرقٍ واضحةٍ ما يحتّم علينا الاعتراف بها وأخذها بعين الاعتبار للتعامل مع كلا الجنسين، خاصةً ممّن يعانون من اعتلالات الصحة العقلية.

فعلى سبيل المثال، من المعروف أن الاكتئاب والقلق يؤثران على شخص من بين كل خمسة أشخاص في العالم، لكنّ احتمالية إصابة النساء بالاكتئاب عادة ما تكون ضعف إصابة الرجال به. والنسبة ذاتها فيما يتعلّق باضطرابات ما بعد الصدمة. أما عند حديثنا عن اضطرابات القلق فقد لوحظ أن معدّلها أعلى أربع مرات عند النساء مقارنة بالرجال.

تُخبرنا تلك النسب والنتائج أنّ ثمة ما هو أكثر من العوامل الشخصية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أنْ تؤثّر على الصحة العقلية والنفسية للفرد. فالاختلافات المتباينة بين الرجل والمرأة تشير إلى أنّ العديد من الاختلافات البيولوجية بينهما تلعب أيضًا دورًا رئيسيًا في الصحة النفسية لكلّ جنس. ولعلّ الاختلاف الأساسيّ يبدأ من الهرمونات الجنسية.

الهرمونات واضطرابات الحيض: تقلبات مزاجية بسيطة قد تصل للانتحار

من الغريب أنّ أول اعتراف وتسجيلٍ موثّق لما نعرفه عن اضطرابات المزاج التي تصاحب المرأة في فترة حيضها قد بدأ متأخرًا جدًّا، ففي عم 1931 وصف المحلل النفسي كارين هورني زيادة التوتّر والقلق والاكتئاب والتهيّج في الأسبوع السابق للحيض عند واحدةٍ من مرضاه الإناث.

5% من النساء قد يصبن باضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي الذي يمكن أنْ يعمل على تعطيل حياة المرأة الطبيعية أو تطويرها لأفكار انتحارية

في يومنا هذا، من المسلّم بصحته أنّ أكثر من 80% من النساء يعانين من أعراض اثنين من الاضطرابات المصاحبة للدورة الشهرية والحيض. ووفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، وهو بمثابة الكتاب المقدّس في الطبي النفسي، فإنّ المرأة معرّضة في فترة حيضها وما قبلها للإصابة بما يُعرف بالمتلازمة السابقة للحيض\متلازمة ما قبل الدورة الشهرية "premenstrual syndrome"، واضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي PMDD.

وعلى الرغم من تشابه أعراضهما، إلا أنّ اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي فعادةً ما يسبّب تغيرات مزاجية شديدة يمكن أن تعطل عمل المرأة وتؤذي علاقاتها، وقد يصاحبه أحيانًا أفكارًا انتحارية. لكنّ نسبتة لا تتعدّى الـ5% من النساء وفقًا للعديد من الإحصائيات والدراسات.

يتضمّن كلا الاضطرابين مجموعة من الأعراض الجسدية والنفسية والعاطفية والمزاجية المرتبطة بحدوث الحيض لدى النساء، بحيث يمكن لها أن تكون شديدةً بما فيه الكفاية لتمنع المرأة من ممارسة حياتها بشكلها الطبيعيّ. ويقتيض الدليل التشخيصي أنْ تظهر المرأة 5 أعراض من أصل 11 عرَضًا محتملًا قد تظهر عليها قبل 10 أيام أو أسبوعٍ من الحيض.

تشمل تلك الأعراض عادةً تقلبات مزاجية حادة والشعور بالخمول والتهيّج أو العصبيّة وحدّة الطِباع، والاكتئاب والقلق، وتغيّرات الشهية والنهَم واضطرابات النوم وصعوبة التركيز، إضافةً إلى الشعور باللاقيمة والذنب. ووفقًا للتشخيص، يجب أنْ تسبّب تلك الأعراض صعوبةً او تداخلات ملموسة في بيئة العمل أو المدرسة أو في الأنشطة الاجتماعية المعتادة وفي نطاق العلاقات مع الآخرين.

تتغير مستويات الهرمونات الجنسية مثل الاستروجين والبروجسترون والتستوستيرون،خلال الدورة الشهرية، ما يؤثر سلبيًّا على المواد الكيميائية في الدماغ المسؤولة عن أفكارنا وسلوكيّاتنا وعواطفنا ومزاجاتنا

وفي حين أنّ البعض يرى أنّ إرفاق هذا التشخيص في دليل الاضطرابات العقلية هو خطوة إيجابية بالنسبة لمجال الصحة العقلية للنساء، فهو يساعد على الاعترف بأنّ المرأة تمرّ بفترة حرجة تتطلب احتياجات نفسية وعقلية خاصة، عوضًا عن أنّه قد يؤدي إلى علاجات أفضل للأعراض التي تظهر في تلك الفترة. وعلى النقيض من ذلك، يرى آخرون أنّ التشخيص قد يؤدي بدوره أيضًا إلى اللجوء للعلاج الطبّي والإفراط في استخدام الأدوية ومضادات الاكتئاب. كما خرجت بعض الأصوات النسوية التي عارضت تصنيف حالة المرأة هذه كاضطرابٍ أو اعتلالٍ عقليّ ونفسيّ.

أمّا عن الأسباب التي تقود المرأة إلى هذه الاضطرابات والتقلّبات، فالفكرة باختصار تقوم على أنّ الهرمونات الجنسية، الاستروجين والبروجسترون والتستوستيرون، تتغيّر مقاديرها ومستوياتها خلال الدورة الشهرية، ما يؤثرسلبيًا على المواد الكيميائية في الدماغ المسؤولة عن أفكارنا وسلوكيّاتنا وعواطفنا ومزاجاتنا مثل السيروتونين والدوبامين وحمص الغاما. وفي الواقع، تظهر الدراسات الحيوانية والسريرية أن إعطاء الإسترديول، أكثر أشكال الاستروجين فعالية، لمرضى الذهان والاكتئاب، يمكن فعليًا أن يحسّن من حالاتهم.

ينخفض مستوى الاستروجين خلال أربعة إلى سبعة أيام قبل الحيض وأثناء الانتقال إلى انقطاع الطمث ما يؤدي إلى الاكتئاب والأعراض السلبية الأخرى

بالإضافة إلى ذلك، يعدّ تأثير هرمونات الغدد التناسلية على المزاج واضحًا في العديد من مراحل الحياة الأخرى للمرأة، مثل بداية سنّ البلوغ أو مع تناول حبوب منع الحمل أو في مرحلة ما بعد الولادة أو مع بدء انقطاع الدورة الشهرية. وقد وجد الباحثون أيضًا أنّ البلوغ المبكّر يرتبط بظهور أعراض فصام الشخصية "شيزوفرينيا" في وقتٍ لاحق من حياة المرأة.

وجه آخر للهرمونات: خط دفاع وقائيّ ضد الاضطرابات النفسية

على الرغم من الصورة النمطية المنتشرة عن الهرمونات عند النساء، لا سيّما لارتباطها بذلك الوقت الحرج والصعب من الشهر، إلا أنّها في الوقت ذلك تبلي بلاءً حسنًا للغاية في الصحة النفسية والعقلية والحماية من الاضطرابات والاعتلالات، لا سيّما الذهان والاكتئاب والفصام. فمن خلال تأثيره المباشر على الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، يعمل الاستروجين أيضًا على تحقيق تأثيرات إيجابية عديدة على العقل والنفس.

فالاكتئاب والأعراض السلبية للاضطرابات الأخرى يمكن أن تظهر أو تزداد سوءًا خلال المراحل التي يكون فيها الاستروجين منخفضًا. يحدث هذا خلال أربعة إلى سبعة أيام قبل الحيض وأثناء الانتقال إلى انقطاع الطمث. أما في المراحل الأخرى، فيعمل الهرمون كمدافعٍ أساسيّ ضد العديد من الاضطرابات والأمراض النفسية.

من خلال تأثيره المباشر على الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، يعمل الاستروجين أيضًا على تحقيق تأثيرات إيجابية عديدة على العقل والنفس.

فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أنّ النساء اللاتي يعانين من اضطرابات نفسية سابقة، تنخفض حدة الأعراض لديهنّ أثناء الحمل مع ارتفاع نسبة الإستروجين في الجسم. كما تشير الدراسات حول مرض الشيزوفرينيا أو الفصام، بأنّ النساء معرّضات للإصابة به بعد 4 إلى 8 سنوات من الذكور. ويرجع الأمر أساسًا إلى ارتفاع مستويات هرمون الاستروجين عندهنّ مقارنةً بالرجال.

وبالمحصلة، يمكننا أنْ نفهم أنّ الهرمونات الجنسية عند المرأة تلعب دورًا مهمًّا في صحتها النفسية والعقلية بطريقتين مختلفتين؛ فمن ناحية إيجابية، تحمي تلك الهرمونات، في حال حافظت على مستوياتها، المرأةَ من الاكتئاب والفصام والعديد من الاضطرابات الأخرى. أمّا في حال حدوث اختلالٍ في مستوياتها، تمامًا كما يحدث فترة الحيض وما قبلها وفترة ما بعد الولادة وفترة انقطاع الطمث، فتعمل تلك الهرمونات بشكلٍ قوي على التأثير على الدماغ وتطوير العديد من الأعراض السلبية التي تتراوح من تغيّرات مزاجية طفيفة إلى أفكارٍ انتحارية عميقة.