مع كل نهاية سنة وبداية أخرى، تشهد تونس ميلاد حملة احتجاجية شبابية جديدة، الهدف منها وفق القائمين عليها دفع السلطات الحاكمة إلى الاستجابة لمطالب عامة الناس وأهمها تحسين الوضع العام في البلاد، حملة هذه السنة أطلق عليها الشباب الرافض لما يحصل في تونس بعد 8 سنوات من الثورة اسم "Basta " (يكفي).

"كفى تهميش وحقرة"

قبل شهر من الآن، تقول أسرار بن جويرة إحدى الناشطات التونسيات اللاتي يقدن هذه الحملة الجديدة التي نزلت شوارع تونس مؤخرًا، إنها اجتمعت صحبة 4 آخرين في أحد مقاهي تونس العاصمة، وهناك بدأ الحديث عن ضرورة الخروج إلى الشارع والاحتجاج.

في تلك الجلسة، اتفق الأصدقاء الخمس على تأسيس حملة شبابية احتجاجية جديدة، ومن حينها بدأ النقاش بشأن الاسم والمحتوى والأهداف، غير أن تسارع الأحداث في البلاد، دفع المجموعة إلى تسريع عملها والنزول إلى الشارع قبل الانتهاء من بلورة الأهداف وبعض التفاصيل المتعلقة بحملتهم الجديدة، وفق أسرار.

وعن مغزى اختيار اسم "basta" (يكفي) لهذه الحملة تقول أسرار بن جويرة لـ"نون بوست": "باسطا يعني يكفي انتهى، صحيح هي كلمة ايطالية، لكن الأمهات والجدات يقلنها إلى الآن، فهي كلمة سهلة تدل على أشياء كثيرة، باسطا للفقر، باسطا للتهميش، باسطا للمديونية وغيرها من مشاكل البلاد"، وتضيف "هي فكرة تجسدت في شكل حملة، من خلال اجتهاد بعض الأشخاص المعروفين عند الجميع سواء كانوا في التحركات أم في مساندتهم لمطالب قطاعية في البلاد".

تتفاقم الضغوط الاجتماعية في الفترة الأخيرة على الحكومة التونسية التي يقودها يوسف الشاهد بشكل تدريجي

وجاء تأسيس هذه الحملة، تزامنًا مع إضراب المحاميين المتواصل منذ ستة أيام، ومع قرار النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين شن إضراب عام يوم 14 من يناير/كانون الثاني المقبل، وصدور تقرير دائرة المحاسبة، وحادثة انتحار صحفي تونسي، فضلاً عن تواصل الأزمة بين نقابة التعليم الثانوي ووزارة التربية، وتشبث الاتحاد العام التونسي للشغل بالإضراب العام المقرر يوم 17 من الشهر المقبل.

تسارع الأحداث والاحتقان الكبير في الشارع والرغبة في معاضدة جهود باقي الشباب في الجهات، لم تترك الوقت لقادة الحملة لبلورة أهداف حملتهم بشكل واضح، غير أن أسرار تؤكد أن السياق العام يتوجه للمطالبة بتجميد الأسعار ومحاسبة المتهربين ومعارضة اتفاقية الأليكا مع الاتحاد الأوروبي لما فيها من سلبيات كثيرة لتونس حذر منها العديد من الخبراء.

وما إن أعلنت الحملة انطلاق نشاطها، حتى عبر بعض التونسيين من خشيتهم من أن يكون وراءها أحزاب سياسية أو أجندات خاصة لا تريد الخير لتونس، غير أن أسرار نفت أن يكون وراء حملتهم أي حزب، قائلة: "الأيادي المرتعشة لا تصنع التاريخ، نحن متأكدين من مشروعية المطالب ومن هدفنا بعيدًا عن كل محاصصة حزبية"، وتؤكد أسرار أن حملتهم مفتوحة للجميع ولكل نفس حر في البلاد.

تختم أسرار بن جويرة حديثها بالقول: "لم نأت بناء على تعليمات أحد وليس هناك من يوجهنا، نحن شباب ونعرف بعضنا البعض، جمعتنا تونس التي يمكن أن تكون أفضل دون فساد ودون ارتهان للأجنبي الذي يسيطر على خيراتها ومدخراتها".

ورغم كل ما قيل عن عزوفهم عن السياسة، يخوض الشباب التونسي معارك كبرى في الشارع لافتكاك مطالبه، واكتسبت أسرار التي شاركت في تأسيس النواة الأولى للحملة مع نشطاء آخرين تجربة في الحراك الاجتماعي بفضل مشاركتها في حملات سابقة مثل "فاش نستناو".

بداية التحركات الميدانية

بداية تحركات الحملة كانت أمس، حيث نظم العشرات من التونسيين في المساء وقفة احتجاجية أمام المسرح البلدي في قلب العاصمة تونس، رافعين شعارات تندد بالحكومة وممارساتها، وتطالبها برفع يدها عن الشعب التونسي الذي يعاني من أزمات عديدة.

وجاءت هذه الوقفة الاحتجاجية، تزامنًا مع تحركات احتجاجية أخرى شهدتها مناطق متفرقة من البلاد خاصة في مدينة القصرين (غرب) التي شهدت اندلاع اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن بعد انتحار مصور تليفزيوني بإشعال النار في نفسه احتجاجًا على الأوضاع الاجتماعية المتردية.

تمكنت الحركات الشبابية التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة من تعبئة الشارع التونسي

وتوفي المصور الصحفي عبد الرزاق زرقي بعد أن أضرم النار في نفسه مساء الإثنين احتجاجًا على البطالة والأوضاع المتردية في منطقة القصرين، وقال زرقي في الفيديو الذي نشره قبل وفاته "من أجل أبناء القصرين الذين لا يملكون مورد رزق، اليوم سأقوم بثورة، سأضرم النار في نفسي".

ومدينة القصرين من بين المدن الأولى التي اندلعت فيها الاحتجاجات الاجتماعية في شهر ديسمبر/كانون الأول سنة 2010، وقتلت قوات الشرطة خلالها محتجين قبل أن تتسع رقعة المظاهرات في تونس وتطيح بنظام الرئيس زين العابدين بن علي آنذاك.

وتتفاقم الضغوط الاجتماعية في الفترة الأخيرة على الحكومة التونسية التي يقودها يوسف الشاهد، بشكل تدريجي، فبعد احتجاجات متفرقة قادها شباب في بعض المناطق الداخلية، إلى الإضراب العام الذي قام به الاتحاد العام التونسي للشغل الشهر الماضي، وصولاً إلى مقاطعة الأساتذة لامتحانات الثلاثي الأول لهذه السنة الدراسية بالنسبة إلى المرحلة الإعدادية والثانوية بمختلف المؤسسات التربوية.

انتظارات كبيرة

حملة "basta" وقبلها "فاش نستناو" (ماذا ننتظر؟) التي جاءت ضد قانون المالية للسنة الحاليّة، و"مانيش مسامح" (لن أسامح) التي أسست لمعارضة قانون المصالحة، و"موش على كيفك" (ليس على مزاجك) التي تدعو إلى سحب مشروع قانون منع الاعتداءات على القوات المسلحة في تونس، و"وينو البترول" للمطالبة بالكشف عن حقيقة ثروات البلاد الباطنية، جميعها حملات احتجاجية وجد فيها شباب تونس ضالتهم بعيدًا عن الأحزاب السياسية التي اعتزلها.

وتقول التونسية أميمة علية: "هذه الحملات الشبابية أمر إيجابي في تونس بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، ومكسب يجب المحافظة عليه وعدم التخلي عنه، حملات قادها شباب يريدون تغيير واقع بلادهم إلى واقع أفضل، للقطع مع السائد".

وتضيف علية في حديثها لنون بوست "يمكن القول إن الحملات السابقة لم تحقق الشيء الكبير من أهدافها وتطلعاتها ولم تستجب السلطات في الغالب لمطالبها، لكن على الأقل ساهمت في توعية المواطنين وإعطائهم فكرة بوجود أشياء خاطئة في البلاد وجب التصدي لها، وعلى الناس التحرك لأجل القيام بذلك".

جانب من الوقفة الاحتجاجية في شارع الحبيب بورقيبة

تقول أميمة إن من إيجابيات هذه الحملات الاحتجاجية الشبابية أن قيادتها بيد شباب واعٍ ومثقف يعرف معنى الاحتجاج السلمي، ويعرف تمامًا كيف ينظم احتجاجات سلمية هادفة دون أن تنعرج لاحتجاجات فيها فوضى وتكسير وعنف.

وترى محدثتنا أن "حملة basta جات في وقتها، في وقت همش فيه الشباب وضاع، في وقت ارتفعت فيه المعيشة وتدهورت فيه الظروف الاقتصادية، في وقت يشهد فيه المشهد السياسي أزمات كبرى لم تنفك تتضاعف ما من شأنه أن يعود بالسلب على واقع البلاد ككل"، وفق قولها.

وتمكنت الحركات الشبابية التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة من تعبئة الشارع التونسي، بهدف تشكيل ضغط في قضايا تهم الرأي العام، ونجحت هذه الحملات في استقطاب شريحة واسعة من التونسيين، منتزعة بذلك الدور الذي كانت تضطلع به المؤسسات التقليدية كالأحزاب السياسية.

غالبًا ما تعرف تونس، خلال هذه الفترة من كل سنة تحركات شعبية كبيرة، تزامنًا مع ذكرى ثورة يناير 2011، احتجاجًا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن التونسي، ما يجعل الحكومة تخشى هذه الفترة وتأمل مرورها بسرعة.