بعد أسبوع من استدعاء الهيئة الناخبة في الجزائر، وفتح وزارة الداخلية أبوابها لسحب استمارات الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في 18 إبريل المقبل، يبقى المشهد السياسي في البلاد يترقب المترشح الذي قد يقود البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة في ظل عدم إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن موقفه النهائي من الترشح من عدمه، وعدم بروز منافس شرس قد يجعل آمال الرجل الذي حكم البلاد لعشرين سنة في خبر كان، فقائمة المترشحين المحتملين التي تضم حتى اليوم 94 مترشحا لا تحمل أسماء وازنة سوى رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس واللواء المتقاعد علي غديري وبدرجة أقل رئيس حزب جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد.

واستدعى الرئيس بوتفليقة الجمعة الفارط الجزائريين لانتخابات 18 إبريل نيسان المقبل لينهي بذلك مقترح التمديد له الذي تقدمت به بعض الأحزاب، وأصر على إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده تجنبا لاي انتقادات تتحدث عن خرق دستوري بسبب عدم وجود أي مخرج قانوني يسمح له بتمديد ولايته الحالية.

تهافت

أعلنت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية  الجزائرية أنه إلى غاية يوم الخميس وصلت الحصيلة المؤقتة لسحب استمارات اكتتاب التوقيعات الفردية للراغبين  في  الترشح إلى  الانتخابات الرئاسية 94 رسالة رغبة في الترشح، منها 12 رسالة لرؤساء أحزاب سياسية، و82 رسالة لمترشحين أحرار.

وأكدت الوزارة أن المترشحين تحصلوا على حصتهم من استمارات اكتتاب التوقيعات الفردية تطبيقا للأحكام القانونية سارية المفعول حيث تتواصل العملية في ظروف حسنة.

تظهر القائمة المنشورة من قبل وزارة الداخلية أن بعض من سحبوا استمارات الترشح لا يملكون من المؤهلات التي تسمح لهم بقيادة البلاد سواء تعلق الأمر بمستواهم التعليمي المتواضع أو نشاطهم السياسي المعدوم

وتشير قوانين الترشح للرئاسيات أنه يتوجب على من يتقدم بملف لرئاسة البلاد جمع 60 ألف توقيع لمواطنين يؤيدون ترشحه أو 600 توقيعا لمنتخبين، وذلك على مستوى 25 ولاية من محافظات البلاد البالغ عددها 48 ولاية، مع اشتراط أن لا يقل العدد الأدنى من التوقيعات المطلوبة في كل ولاية عن 1500 توقيع.

وتظهر القائمة المنشورة من قبل وزارة الداخلية أن بعض من سحبوا استمارات الترشح لا يملكون من المؤهلات التي تسمح لهم بقيادة البلاد سواء تعلق الأمر بمستواهم التعليمي المتواضع أو نشاطهم السياسي المعدوم، الأمر الذي يجعل هذا الصنف من المترشحين في كل مرة محل سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.

وتعود في كل مرة مع ترشح هؤلاء الأشخاص خاصة أولئك الذين جعلوا من ذلك مطية للظهور في وسائل الإعلام وصنع الإثارة إشكالية شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، بين من يرى أن السماح بترشح هؤلاء هو تمييع وتسطيح للعمل السياسي خاصة وأن الأمر يتعلق بأعلى منصب في البلاد، وبين من يدافع عن حق هؤلاء وغيرهم في الترشح بما أنه يتم في إطار ما يسمح به القانون، بحجة أن ذلك تجسيد للمساواة بين المواطنين في حق الترشح.

مرة ثالثة

بعد هزيميتين قاسيتين في 2004 و2014، يعود رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس من جديد لخوض سباق الرئاسيات لعله وعسى أن يصل إلى قصر المرادية الذي لا يزال الحلم الذي يطمح إليه الرجل الذي اضطر إلى تطليق حزبه السابق جبهة التحرير الوطني الحاكم، وتأسيس حزب طلائع الحريات بعدما تأكد أن تشكيلته السياسية لن ترشح غير الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مادام لا يزهد عن ذلك.

ما يعاب على بن فليس أنه لا يشكل بديلا حقيقيا لسياسة بوتفليقة، كونه هو الآخر جزءا من النظام الذي يحكم البلاد منذ عشرات السنين، وهو من ترأس الحملة الانتخابية لبوتفليقة في 1999

ويبدو أن ترشح بن فليس لرئاسيات 2019 جاءت بعد أن تحصل على ضمانات بعدم ترشح بوتفليقة أو عدم دعمه من طرف جناح وازن في السلطة، بالنظر إلى أنه -حسب مقربيه - قد ندم ندما شديدا في 2014 عندما ترشح يناء على ما أكده له صانعو القرار أن بوتفليقة لن يبحث عن ولاية رابعة، لكن عكس ذلك ما حدث وقتها، ومني بن فليس بخسارة سياسية كبيرة جعلته يصدر ما أسماه "الكتاب الأبيض" الذي يكشف التزوير الذي شاب رئاسيات 2014 وسمح لبوتفليقة بقيادة البلاد لولاية رابعة، حسب رواية رئيس الحكومة الأسبق

وما يعاب على بن فليس أنه لا يشكل بديلا حقيقيا لسياسة بوتفليقة، كونه هو الآخر جزءا من النظام الذي يحكم البلاد منذ عشرات السنين، وهو من ترأس الحملة الانتخابية لبوتفليقة في 1999، وكان بعدها رئيسا لحكومته، كما تقلد قبل ذلك مناصب أخرى في السلطة، بل أن فلسفة بن فليس حتى وإن لم يظهرها تبنى على طرح نفسه على أنه بديل النظام لبوتفليقة، فهو لا يعول على دعم الشعب بقدر ما ينتظره من صانعي القرار في الجزائر.

ولم يستطع حزب طلائع الحريات الذي أسسه بن فليس تحقيق نتائج بارزة في الانتخابات المحلية التي جرت في نوفمبر تشرين الثاني 2017، ما جعلته يتذيل الترتيب، وهي نتيجة كانت منتظرة بالنظر إلى أن هدف رئيس الحزب الرئاسيات وباقي المجالس المنتخبة من بلديات وبرلمان مجرد كماليات.

وبن فليس هو محام بارز ينتمي إلى أسرة ثورية، فوالده من الشهداء الذين قتلوا على أيدي الاستعمار الفرنسي خلال ثورة التحرير الجزائرية لتحقيق الاستقلال.

ويبني بن فليس فكر برنامجه السياسي على إصلاح مؤسسات الدولة، خاصة القضاء الذي يشكل مجال تخصصه، فقد سبق له وأن مارس المحاماة والقضاء وتولى حقيبة وزارة العدل في 1988.

ورغم نقاط الضعف التي يحملها "بروفايل" علي بن فليس يبقى مرشحا قادرا على أن يكون الرئيس المقبل للجزائر، بالنظر إلى علاقاته المتينة مع أجنحة في السلطة وخصامه للرئيس بوتفليقة، إلا أنه في نظر آخرين خاصة الشباب يمثل استمرارا لتهميشهم وعدم إعطاء المشعل لهم، كونه من جيل بوتفليقة ولا يصغر عنه سوى بـست سنوات، فهو من مواليد 1944، ويكون قد بلغ الثمانين عند نهاية الولاية الرئاسية المقبلة، وهو بذلك حالة لا تُحبذ في بلد يشكل الشباب فيه أكثر من 75 بالمائة.

لاعب جديد

ضمن قائمة المرشحين المحتملين لحد الآن لرئاسيات إبريل المقبل، يلفت من يلقب بأنه مرشح الحرس القديم في الاستخبارات الجزائرية النظر لإمكانية وصوله إلى سدة الحكم، ويتعلق الأمر باللواء المتقاعد علي غديري الذي تقول الصحافة الجزائرية إنه مرشح الرئيس السابق للاستخبارات محمد مدين المعروف باسم "توفيق".

وإن صحت هذه الصفة، فإن غديري يحمل في جعبته أوراقا رابحة تتمثل في دعم جناح في السلطة يبقى وفيا لتوفيق ويعتقد أنه همش خلال الولاية الأخيرة للرئيس بوتفليقة.

ويقول اللواء المترشح إن "الجمهورية الجديدة " هي لب مشروعه السياسي والتي "ستبنى على قواعد ديمقراطية حقيقية، وعلى إعادة تصميم مؤسساتي شامل في قالب مشروع مجتمع عصري، يساهم الشعب في إنجازه وبلورة فلسفته".

اللواء المتقاعد علي غديري

وجاء في إعلان ترشح علي غديري أن الجزائر تمر "بمرحلة هامة من تاريخها، والتي تتميز بفقدان الأمل، خاصة لدى الشباب، إضافة إلى انهيار الدولة والمؤسسات. والنتيجة مرة: دولة غاب فيها احترام القانون، وشيخوخة العنصر البشري، والظلم الاجتماعي، والنظام الريعي، والمحسوبية والرشوة التي تضرب المجتمع في العمق. إذا كان انعدام الأمن يهدد الجزائريين يوميا، فإن استهلاك المخدرات القوية يضاعف اللاأمن. كما أن التحكم يحول دون بناء الديمقراطية وإن العشائرية والنهب حول النظام السياسي إلى أولغارشية بأتم معنى الكلمة".

وعلى عكس معظم العسكريين السابقين، يرافع غديري للقطيعة مع مخلفات النظام الجزائري الحالي بالقول "لا شك أن القطيعة مصطلح قوي قد يقلق على حد سواء الأقلية التي تسعى لاستمرار النظام القائم – أو ما تبقى منه – لضمان الاستفادة غير الشرعية، كما قد يقلق الأغلبية الساحقة التي وإن كانت تدعو إلى التغيير فهي غير مطمئنة لعواقبه. وأقول لهذه الأغلبية الساحقة بأن ما يجب أن يخيفنا فعلا هو تلك الآفات وليدة هذا النظام والتي تدفع بأبنائنا إلى هجرة وطنهم، وتمنع شعبنا من العيش في طمأنينة ورفاهية، ومن التمتع الكامل بخيرات البلاد التي يمكن للدولة أن توفرها للجميع وبكيفية عادلة".

وبشأن المخاوف التي قد تطرح لدى الجزائريين بشكل خلفيته العسكرية، يوضح غديري "أنا لواء متقاعد منذ 2015 وبطلب مني. كنت دائما حريصا على أن يكون مساري المهني على أساس قناعات عميقة متجذرة ونابعة من الأفكار التي كانت تسود الوسط الوطني والعمالي الذي ترعرعت فيه طفلا وشابا".

وليست المرة الأولى التي يدافع فيها غديري عن زملائه السابقين من العسكريين، فقد سبق أن أوضح أن "ذنب هؤلاء الجنرالات الوحيد هو رفضهم الانضمام إلى أوركسترا التطبيل والتصفيق في رقصة إرضاء غرور الحكام، ذنبهم هو أنهم لا يحسنون ضبط آلاتهم في كل مرة على النوتات التي يريد سماعها أصحاب القصر، والجنرالات المتقاعدين لم يعودوا مواطنين كاملي الحقوق، أنا ممنوع من إبداء رأيي منذ سنّ قانون واجب التحفظ، لكني لست جبانًا، ولم أتخلّف دومًا عن أداء واجباتي".

بترشح غديري، تطرح عدة تساؤلات حول مدى دعم المؤسسة العسكرية التي تعد لاعبا فعالا في صنع القرار في الجزائر لواحد من أبنائها

وما يرفع من حظوظ غديري في الرئاسيات المقبلة هو أنه أقل سنا مقارنة ببن فليس وبوتفليقية، حيث لم يتجاوز عمره 64 عاما. وتقلد غديري منصب الأمين العام لوزارة الدفاع الذي كان آخر رتبة شغلها بعد 5 سنوات من ترقيته إلى لواء في 2010 من قبل الرئيس بوتفليقة، قبل أن يحيله على التقاعد في 27 سبتمبر أيلول سبتمبر 2015 بعد أيام فقط من إحالة رئيس المخابرات الجزائرية السابق محمد مدين المعروف بـ"الجنرال توفيق" الذي أنهيت مهامه في 13 سبتمبر أيلول من السنة ذاتها، وقبلها كان قد نال رتبة عقيد عام 2000 بعد عام من وصول الرئيس بوتفليقة للحكم، ما يجعل الرجل من العارفين بخبايا صنع القرار في البلاد.

وبترشح غديري، تطرح عدة تساؤلات حول مدى دعم المؤسسة العسكرية التي تعد لاعبا فعالا في صنع القرار في الجزائر لواحد من أبنائها، خاصة في ظل الانتقادات التي وجهها قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح لغديري ولو كان ضمنيا، لكن الرجل ذاته أكد أن تصويت أفراد الجيش سيكون خارج الثكنات بما يوحي أن المؤسسة العسكرية لن تدعم أي مرشح على حساب آخر.

ونسف ترشح غديري نية عسكريين سابقين في الترشح، ومنهم العقيد المتقاعد رمضان حملات الذي كان قد أعلن سابقا عزمه خوض معترك الرئاسيات، غير أنه لم يتقدم بعد لوزارة الداخلية لسحب أوراق الترشح.

ترقب

لحد اللحظة يبقى غديري وبن فليس أبرز المرشحين القادرين على الوصول إلى قصر المرادية رغم ضم قائمة الـ94 المرشحين السابقين للرئاسيات رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد ورئيس حزب عهد 54 فوزي رباعين، إضافة إلى النائب البرلماني السابق رابح ميسوم والناشط السياسي رشيد نكاز دافع غرامات المنقبات في أوروبا.

لكن الحكم على من سيدخلون السباق يبقى مؤجلا بالنظر إلى إن آخر موعد لإيداع ملفات الترشح هو الثالث من مارس آذار المقبل، وهي مدة تأمل فيها أحزاب الموالاة الممثلة في جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وتجمع أمل الجزائر والحركة الشعبية الجزائرية أن يستجيب الرئيس بوتفليقة لمناشداتها المتواصلة، ويقبل بخوض سباق الفوز بولاية خامسة رغم الانتقادات التي توجه له بسبب وضعه الصحي الذي يتعارض مع الشروط القانونية لتقلد منصب رئيس الجمهورية.

كان عدد المترشحين ونوعيتهم، فإن المتتبع للمشهد السياسي يلاحظ أن الصراع سيكون محسوما في حال ترشح بوتفليقة بسبب المقاطعة والعزوف الانتخابي الذي قد يطبع عملية الاقتراع

وينتظر أن يدخل معترك هذه الرئاسيات أكبر حزب إسلامي في الجزائر حركة مجتمع السلم برئيسها عبد الرزاق مقري، وهو القرار الذي قد يتخذ في اجتماع اليوم الجمعة، وذلك رغم المنافسة التي قد يلقاها من غريمه أبو جرة سلطاني الذي لا يخف منذ سنوات طموحه في الترشح للرئاسيات، غير أن بيت الحركة اليوم في يد مقري الذي سيكون إن قرر الحزب ذلك ثان مرشح للحزب الإخواني الأول في الجزائر بعد الزعيم المؤسس الراحل محفوظ نحناح.

ومهما كان عدد المترشحين ونوعيتهم، فإن المتتبع للمشهد السياسي يلاحظ أن الصراع سيكون محسوما في حال ترشح بوتفليقة بسبب المقاطعة والعزوف الانتخابي الذي قد يطبع عملية الاقتراع، ما يجعل حظوظ منافسيه ضئيلة، لكن في حال اقتنع الرئيس الذي يقود البلاد منذ 1999 أنه حان وقت تخليه عن السلطة، فإن التوقعات تبقى مفتوحة للأسماء الوازنة خاصة إذا دخل متنافسون جدد مثل رؤساء الحكومة السابقين مولود حمروش وعبد العزيز بلخادم وأحمد بن بيتور وأحمد أويحيى.