قد لا يستوعب البعض أن العبارة التالية هي لزعيم حزب الشعب الجمهوري العلماني كمال كليجدار أوغلو حيث يقول "الأذان بالعربية هو قيمة عالمية لديننا الإسلامي، أينما رُفع الأذان في العالم فهو يعبر عن نداء الإسلام"، ولكن هذا التصريح جاء علاجيًا وإطفائيًا بعد أزمة أشعلها نائب رئيس الحزب يلماز أوزتورك الذي تم إخراجه من الحزب بعد هذه الأزمة، حيث دعا أوزتورك في نوفمبر 2018 إلى إعادة الأذان باللغة التركية مما أحدث ضجة كبيرة بشأن هذه التصريحات في الرأي العام التركي ووجد ذلك صدى في وسائل الإعلام معيدًا التذكير بمنع الأذان في تركيا والحالة الجبرية التي مارستها واحدة من أقسى النظم العلمانية في الشرق الأوسط وربما في العالم تجاه التدين.

لقد تسببت تصريحات أوزتورك في أزمة كبيرة للحزب خاصة مع الحساسية الكبيرة للشعب التركي تجاه المساس بمظاهر التدين والحريات بشكل عام، مما استدعى تعاملاً حاسمًا مع الأزمة خاصة أنها جاءت في وقت كان يتحضر فيه حزب الشعب الجمهوري لاختيار مرشحيه لرئاسة البلديات في الانتخابات المزمع عقدها في 30 مارس 2019، وقد راعى حزب الشعب وتحديدًا في بلدية إسطنبول أن يكون مرشحه يتمتع ولو بحد ما من الالتزام الديني أو المسحة الدينية أو المحافظة ليلبي جزءًا من تطلعات الناخبين وهو ما وجد شيئًا منه في أكرم إمام أوغلو مرشح الحزب لبلدية إسطنبول مقابل مرشح حزب العدالة والتنمية والحركة القومية بن علي يلدرم رئيس الوزراء السابق ورئيس البرلمان التركي الحاليّ.

وقد أبرز الحزب في الإعلان عن مرشحه أنه كان يحفظ القرآن في صغره ونشر صورة له وهو في أحد مراكز تحفيظ القرآن للتدليل على ذلك، كما ذهب المرشح نفسه إلى قبر محمد الفاتح وأشاد بفتح إسطنبول وبمحمد الفاتح في الوقت الذي يرفع فيه بعض العلمانيين شعارات تقول إن الاستعمار بدأ في 1453 وهي سنة فتح إسطنبول.

تبني حزب الشعب لخطاب ديني يوقعه في مشكلة الازدواجية أمام كتلته العلمانية الحقيقية

يدرك حزب الشعب الجمهوري نظرة الشعب التركي للتدين والمحافظة، فاستطلاعات الرأي التي فحصت نسبة التدين خلال الأعوام السابقة (للدقة نسبة من يرون أنفسهم متدينين) هي نحو 70%، وحتى استطلاعات الرأي التي تعتبر أقرب للمعارضة العلمانية قالت إن نسبة التدين 55% ولهذا عند النظر لاختيارات حزب الشعب في العمليات الانتخابية نجد أنه اختار مرشحين يوصفون بالتدين أو المحافظة.

وعلى سبيل المثال اختار الحزب أكمل الدين إحسان أوغلو للترشح للانتخابات الرئاسية في 2014 وهو الرجل الذي كان في منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، وفي الانتخابات الأخيرة في يونيو 2018 كانت رغبة الحزب في ترشيح عبد الله غول كمرشح له قبول في الوسط المحافظ والمتدين منافسًا للرئيس أردوغان لمنصب الرئاسة، لكن بعض الحسابات أسفرت عن ترشيح محرم إنجه الذي حاول بقوة إظهار التزامه الديني وحرصه على صلاة الجمعة والتقاط الصور من المساجد وألا وجود مشكلة له مع الحجاب والمحجبات، وقد تم انتقاده بأنه يلتقط الصور في المساجد للتقرب من الناخبين المحافظين مما جعله يصرح بأنه يحافظ على صلاة الجمعة، وقد تندر كثيرون على وسائل التواصل على زلة لسانه عندما قال بأنه يصلي الجمعة كل يوم.

وكان هذا الإدارك لضرورة مراعاة الكتلة المتدينة والمحافظة من حزب الشعب الجمهوري حتى قبل قيادة كليجدار أوغلو، حيث قام دينيز بايكل الرئيس السابق للحزب بوضع أوسمة لبعض المحجبات قبيل الانتخابات.

ومع مطلع العام الجديد نشر رئيس حزب الشعب الجمهوري مقطع فيديو إعلاني للحزب ظهر فيه بطريقة أقرب إلى الجماعات الصوفية مستخدمًا عبارات وعظية مثل "سيدنا النبي" وتلا أحد الأحاديث النبوية واقتبس بعض المقولات الصوفية، كما ركز على أهمية القيم الإسلامية والدينية ويمكن الاطلاع على المقطع في الرابط التالي.

ذكر الكاتب والنائب البرلماني السابق أيدن أونال في مقال له بصحيفة "يني شفق" أن محاولات حزب الشعب الجمهوري للاستفادة من شخصيات تتصف بالتدين هي محاولات قديمة بدأت قبل انتخابات 1950، حيث وضع الحزب قبل الانتخابات المتدين المحافظ شمس الدين غونالتالي في موقع رئاسة الوزراء، ولكن بحسب الكاتب لم ينطل هذا الأمر على الشعب وقبيل انتخابات عام 1966 ذكر الكاتب أن بعض الناصحين جاءوا لاينونو وقالوا له إن هناك انطباعًا لدى الناس أن الحزب يعادي الدين ولهذا لو ذكرتم كلمة الله في خطابكم، فعندما تحدث قال في آخر خطابه "استودعكم الله" ثم التفت لمن نصحوه وقال ها قد ذكرت الله هل أنتم ممنونون الآن، ويريد الكاتب الإشارة أن التدين إن لم يكن حقيقيًا وواقعًا معاشًا فلن يجدي بل ربما يكون ضارًا في أي حملة انتخابية، حيث يتهم الحزب من المتديين بالانتهازية.

المشكلة الأخرى أن تبني حزب الشعب لخطاب ديني يوقعه في مشكلة الازدواجية أمام كتلته العلمانية الحقيقية، حيث تجد أن هذا الخطاب لا يعبر عنها وبالعودة إلى الوراء قليلاً فقد كان الحزب صاحب أيديولوجية تقوم على عدة محاور أوردها الصحفي فكري شعبان في تقرير له:

عند النظر إلى المحاور السابقة التي كانت تستند لها الكمالية والمقارنة مع الخطاب الحاليّ لحزب الشعب الجمهوري - الذي يمثل الكمالية - تجاه التدين نجد فرقًا واضحًا وتحولًا كبيرًا في الخطاب

حيث قال: "تقوم فكرة العلمانية بالمفهوم الكمالي السائد في تركيا على عدد من الأفكار الأساسية التي تؤسس لأيديولوجيا من أبرز محاورها:

- فكرة الجمهورية بديلاً للنظام الملكي السلطاني والخلافة الإسلامية.

- الفكرة القومية، أي أن يكون الرابط الأساسي بين أبناء الشعب التركي "ملية" أو وطنية وليس الدين.

- فكرة الشعبية، بمعنى ضرب نفوذ الأرستقراطية العثمانية والملاك والإقطاعيين ورجال الدين بتصعيد الطبقات الدنيا من المجتمع في إطار المساواة بين أبناء الشعب.

- فكرة هيمنة الدولة وتحولها إلى أداة لفرض العلمانية والتغريب والتحديث الصناعي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

- فكرة الانقلابية، أي الثورة على كل ما هو سائد من الأفكار والأوضاع والمؤسسات التي تعتبر تقليدية ومتخلفة.

والأهم في كل ذلك أن مفهوم العلمانية في تركيا لا يقتصر على تحييد دور الدين وفصله عن الدولة كما هو في الغرب مثلاً، لكنه يمضي أبعد من ذلك بإجبار الناس على المفهوم الذي يراه لممارسات الدين في الحياة العامة بل وفي أداء العبادات، حيث حاول عصمت إينونو إجبار الأئمة في المساجد على قراءة الفاتحة في الصلاة باللغة التركية ومنع الأئمة من الدعاء باللغة العربية ومنع قراءة الأذان باللغة العربية ومنح المرأة كل الحقوق إلا حقها في ارتداء الحجاب مثلاً.

إن دل هذا السلوك التكتيكي في الودية في الخطاب تجاه التدين من حزب الشعب الجمهوري على شيء فإنه يدل على أن أيديولوجية الحزب المبينة على الكمالية العلمانية قد تراجعت ولم تعد المحدد الأساسي أو المرجع الأساسي له

وعند النظر إلى المحاور السابقة التي كانت تستند لها الكمالية والمقارنة مع الخطاب الحاليّ لحزب الشعب الجمهوري - الذي يمثل الكمالية - تجاه التدين نجد فرقًا واضحًا وتحولاً كبيرًا في الخطاب.

وعند الحديث أن بقية الأحزاب كحزب العدالة وحزب الحركة القومية يستشهد زعماؤها بالآيات والأحاديث ويحضرون المناسبات الدينية فهم بذلك يعبرون عن جزء من أيديولوجيتهم وأيديولوجية كتلتهم الانتخابية على عكس ما يقع فيه حزب الشعب من تناقض مع طبيعة كتلته الانتخابية.

إن دل هذا السلوك التكتيكي في الودية في الخطاب تجاه التدين من حزب الشعب الجمهوري على شيء فإنه يدل على أن أيديولوجية الحزب المبينة على الكمالية العلمانية قد تراجعت ولم تعد المحدد الأساسي أو المرجع الأساسي له وهو ما يجعل الحزب يعيش أزمات متعددة منها أزمة تحديد أيديولوجية الحزب وأزمة إدارة الحزب وسياساته للقدرة على منافسة الأحزاب الأخرى.

كما يدل ذلك أيضًا على فهم الحزب لطبيعة المشاعر الدينية للمتدينين وأن المساس بها له تأثير كبير على أصوات الحزب في الصناديق وذلك رغم أن كل الأحزاب تحاول النأي عن استخدام الدين في الدعاية، وقد انتقد كتاب مقربون من حزب العدالة وزيرًا سابقًا عندما حث الناس على انتخاب الحزب وأن ذلك يكون في ميزان أعمالهم يوم القيامة معتبرين ذلك دعاية دينية.